الصورة الثانية: إجبار غير الأب الصغيرة على النكاح

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الصورة الثانية: إجبار غير الأب الصغيرة على النكاح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

الصورة الثانية: إجبار غير الأب الصغيرة على النكاح - الأقوال والأدلة

النكاحِ، فيزوِّجُ الأبُ ابنتَه البِكرَ الصَّغيرةَ مِنْ غيرِ أنْ يُراعيَ فيه اختِيارَها، ويكونُ العقدُ لازِمًا لها في صِغرِها وبعدَ كِبَرِها (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ الأبَ يُجبِرُ ابنتَه الصغيرةَ مِنْ بناتِه، ما عدا هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ التي ذكَرْتُ آنِفًا: إذا بلَغَتْ تِسعَ سنينَ لم تزوَّجْ إلَّا بإذنِها في حَقِّ كلِّ وليٍّ الأبِ وغيرِه (٢).

الصُّورةُ الثَّانيةُ: إجبارُ غيرُ الأبِ الصغيرةَ على النِّكاحِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل لغيرِ الأبِ أنْ يُجبِرَ الصَّغيرةَ على النكاحِ أم لا؟

فذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ للجَدِّ وإنْ علَا دُونَ غيرِه مِنْ الأولياءِ إجبارُ الصغيرةِ على الزَّواجِ، فيَجوزُ له أنْ يزوِّجَها، ويكونُ العقدُ لازِمًا لها في صِغرِها وبعدَ كبَرِها؛ لأنَّ للجَدِّ ولايةً وتَعصيبًا، فجازَ له إجبارُ البِكرِ كالأبِ.

ولقولِه تعالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، فسمَّاهُ أبًا إجراءً لحُكمِ الأبِ عليهِ وإنْ خالَفَه في الاسمِ، ولأنه لمَّا ثبَتَ ولايةُ الجَدِّ على الأبِ فأَولى أنْ يَثبتَ على مَنْ يَلي عليه الأبُ، ولأنه لمَّا ساوَى الجَدُّ الأبَ في الولايةِ على مالِها ساوَاهُ في الولايةِ على نكاحِها، وبهذا فُرِّقَ بينَه وبينَ سائرِ العَصباتِ.

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٢).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ١٢٣).

ولا يَجوزُ لغيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ عندَ عدَمِهما إجبارُ الصَّغيرةِ على الزَّواجِ؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ في سُننِه عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولم أقصِّرْ بها، زوَّجْتُها مَنْ قدْ عَلِمتُ فَضلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ : «إنَّها يَتيمةٌ، واليَتيمةُ أَولَى بأمرِها»، فنُزِعتْ مِنِّي وزوَّجَها المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (١)، فلمْ يَجعلْ له النبيُّ تَزويجَها إلَّا بعدَ البلوغِ.

ومِن القياسِ: أنَّ كلَّ مَنْ لم يَملكْ قبْضَ صَداقِها لم يَملكْ عقْدَ نكاحِها، كالعَمِّ معَ الثيِّبِ طَردًا، أو كالسَّيدِ مع أمَتِه عَكسًا، ولأنها ثبتَتْ للأبِ في الصغيرةِ مِنْ غيرِ توَلِّيه، فوجَبَ أنْ يَختصَّ بها مِنْ بينِ العصَباتِ كولايةِ المالِ، ولأنَّ النكاحَ إذا لم يَنعقدْ كانَ فاسِدًا كالمَنكوحةِ في العدَّةِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بخيارِ التحكُّمِ والاقتراعِ قِياسًا على خِيارِ الثيِّبِ.

(١) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٥٤٦)، وله شاهِدٌ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «ليسَ للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٠٠)، والنسائي (٣٢٦٣)، وأحمد (٣٠٨٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٨٩).

فأمَّا الآيةُ فتُحمَلُ على إنكاحِها قبلَ اليُتمِ أو على إنكاحِ الجَدِّ؛ لأنَّ اليُتمَ يكونُ بموتِ الأبِ وإنْ كانَ الجَدُّ باقيًا (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ لغيرِ الأبِ إجبارُ الصَّغيرةِ على النِّكاحِ؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ في سُننِه عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولم أقصِّرْ بها، زوَّجْتُها مَنْ قدْ عَلِمتُ فَضلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ : «إنَّها يَتيمةٌ، واليَتيمةُ أَولَى بأمرِها»، فنُزِعتْ مِنِّي وزوَّجَها المُغيرةَ بنَ شُعبةَ (٢)، فناطَ الحُكمَ ذلكَ باليُتمِ وفسَخَ نكاحَها.

ولِما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «ليس للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» (٣)، فعَمَّ، ولأنَّ الصَّغيرةَ ممَّن لا إذنَ لها، فلمْ يَجُزِ العقدُ عليها إلا بعدَ بُلوغِها، ولأنَّ غيرَ الأبِ لا يتصرَّفُ في مالِها فكذلكَ بُضعها.

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٣، ٥٤)، و «البيان» (٩/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٥٤٦).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٠٠)، والنسائي (٣٢٦٣)، وأحمد (٣٠٨٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٨٩).

قالَ المالِكيةُ: ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ التصرُّفَ في مالِها بنفسِه لا يَملكُ إجبارَها على النكاحِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كُلَّ مَنْ لم يَكنْ له إجبارُها بعدَ البلوغِ لم يَكنْ له إجبارُها قبلَه كالخالِ، ولأنها ليسَتْ ولَدًا له تُنسَبُ إليه على وجهٍ كالخالِ.

ولأنَّ الجَدَّ عصَبةٌ يَحجبُه الأبُ كالأخِ، ولأنه عَصبةٌ يَسقطُ مِنْ تَمليكِ الإجبارِ، فلمْ يَملكِ هو الإجبارَ كالعَمِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ الإجبارَ مع وُجودِ الأبِ فكذلكَ مع عَدمِه كابنِ الأخِ، ولأنَّ كلَّ تَعصيبٍ لا يُفيدَ حَجْبَ الأخِ عن الميراثِ لم يُفِدْ في الإجبارِ كتَعصيبِ العُمومةِ، ولأنها وِلايةٌ تُملَكُ انتِقالًا لا ابتداءً، فلمْ يَملكَ بها الإجبارَ كسائرِ الوِلاياتِ (١).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٩١، ٢٩٣) رقم (١١٢٦)، و «المعونة» (١/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «التمهيد» (١٩/ ١٠٢، ١٠٣)، و «الاستذكار» (٥/ ٤١)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١٧٣)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧٦، ١٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦، ١٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٤٧، ٥٥١)، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه في «الكافي» (١/ ٢٣٢): ولا يزوِّجُ اليتيمةَ وليُّها حتَّى تَبلغَ الخيارَ في نفسِها ويتقدَّمَ الناسُ في ذلكَ، فإنْ زُوِّجتْ وبلغَتْ ولم ترْضَ فأرى أنْ يُفسخَ النكاحُ، وقد قيلَ: إنْ زوَّجَ اليتيمةَ وبها حاجةُ مُلحَّةٌ في صَلاحٍ وغِنًى إذا بلغَتْ عشرَ سِنينَ ونحوَها فلا بأسَ بذلكَ، قالَ ابنُ الموَّازِ: لو رَضيَتْ بعدَ أنْ بلغَتْ لم يَجُزْ حتى يُفسَخَ ويَستأنِفونَ نكاحًا جديدًا، وقالَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ: أصَحُّ أقاويلِه أنْ لا تزوَّجَ اليَتيمةُ حتَّى تَبلغَ وتَرضَى، ولا يجوزُ لوليٍّ ولا لوصيٍّ ولا لسلطانٍ إنكاحُ البكرِ اليتيمةِ حتَّى تَبلغَ وتأذَنَ، فإنْ فُعِلَ ذلكَ وزوَّجَها أحدٌ قبلَ بلوغُها فعَنْ مالكٍ في ذلكَ ثلاثُ رواياتٍ: إحداها: أنَّ النكاحَ باطِلٌ ويُفسخُ وإنْ بلغَتْ ما لم يَدخلْ، والثانيةُ: أنه جائزٌ ولها الخِيارُ إذا بلغَتْ في فَسخِه أو إقرارِه، ذكَرَه ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالكٍ، والثالثةُ: إنْ كانَتْ بها حاجةٌ وفاقَةٌ ولها في النكاحِ مَصلحةٌ وكانَ مثلُها يُوطَأُ جازَ النكاحُ وثبَتَ ولا خيارَ لها بعدَ البلوغِ، وعلى كلِّ مَنْ أنكَحَ البكرَ اليتيمةَ أنْ يعرِّفَها بأنَّ سكوتَها إذنٌ منها ورضًى بنكاحِ الذي خطَبَها، وأنها إنْ سكتَتْ عندَما عَلِمتْ لزمَها، فإنْ سكتَتْ بعدَ معرفتِها بذلكَ زوِّجَتْ وعُقدَ عليها، وإنْ نفرَتْ وبكَتْ أو قامَتْ أو ظهَرَ منها ما يَدلُّ على كَراهيةِ النكاحِ فلا تُنكَحُ معَ ذلك.
وقالَ ابنُ الحاجِبِ رحمة الله عليه في «جامع الأمهات» (٢٥٦): رجَعَ مالكٌ رحمة الله عليه إلى أنه لا تُزوَّجُ اليتيمةُ، وعنه: إنْ دعَتْ حاجةٌ ومثلُها يُوطَأُ جازَ، وقيلَ: تزوَّجُ ولها الخِيارُ إذا بلغَتْ: وقالَ ابنُ بشيرٍ: اتَّفقَ المتأخِّرونَ أنه يَجوزُ إذا خِيفَ الفسادُ، وعلى المَشهورِ: يُفسَخُ وإنْ بلغَتْ ما لم يَدخلْ.

وقالَ الحَنابلةُ: ليسَ لغيرِ الأبِ إجبارُ كَبيرةٍ ولا تَزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كانَ أو غيرَه؛ لقولِ النبيِّ : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نفْسِها، وإنْ سَكتَتْ فهو إذنُها، وإنْ أبَتْ فلا جوازَ عليها» رواه أبو داودَ والنَّسائيُّ، ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ زوَّجَ ابنَ عُمرَ ابنةَ أخيهِ عُثمانَ، فرُفعَ ذلكَ إلى النبيِّ فقالَ: «إنَّها يَتيمةٌ، ولا تُنكَحُ إلا بإذنِها»، واليَتيمةُ الصَّغيرةُ التي ماتَ أبوها، ونحو ذلكَ ممَّا يَقتضِي أنَّ اليَتيمةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، وهو يَدلُّ بطَريقِ التنبيهِ على أنَّ البالِغةَ لا تُزوَّجُ إلا بعدَ الإذنِ، إذا تقرَّرَ هذا فالطِّفلةُ لا إذنَ لها بالاتِّفاقِ، وإذَنْ يَمتنعُ تَزويجُها لفَواتِ الشَّرطِ.

ولأنَّ غيرَ الأبِ قاصِرُ الشَّفقةِ، فلا يَلي نكاحَ الصَّغيرةَ كالأجنبيِّ، وغيرُ

الجَدِّ لا يَلي مالَها، فلا يَستبدُّ بنكاحِها كالأجنبيِّ، ولأنَّ الجَدَّ يلي بوِلايةِ غيرِه، فأشبَهَ سائِرَ العصَباتِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنه يُدلِي بغيرِ واسِطةٍ ويُسقِطُ الإخوَةَ والجَدَّ ويَحجبُ الأمَّ عن ثُلثِ المالِ إلى ثُلثِ الباقِي في زَوجٍ وأبوَينِ أو زَوجةٍ وأبوَينِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا بلَغَتِ الجاريةُ تِسعَ سِنينَ ففيها رِوايتانِ:

إحداهُما: أنها كمَنْ لم تَبلغْ تِسعًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حَنيفةَ وسائرِ الفُقهاءِ، قالُوا: حُكمُ بنتِ تِسعِ سِنينَ حُكمُ بنتِ ثَمانٍ؛ لأنها غيرُ بالِغةٍ، ولأنَّ إذنَها لا يُعتبَرُ في سائرِ التصرُّفاتِ، فكذلكَ في النكاحِ.

والرِّوايةُ الثانيةُ: حُكمُها حُكمُ البالغةِ، نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ منصورٍ؛ لمَفهومِ الآيةِ ودَلالةِ الخبَرِ بعُمومِها على أنَّ اليَتيمةَ تُنكَحُ بإذنها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها، وقد انتفَى به الإذنُ فيمَن دُونَها، فيَجبُ حَملُه على مَنْ بلَغَتْ تِسعًا، وقد رَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادِه عن عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «إذا بلغَتِ الجارِيةُ تِسعَ سِنينَ فهي امرأةٌ»، ورواهُ القاضي بإسنادِه عن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ بمعناهُ في حُكمِ المرأةِ، ولأنها بلَغَتْ سِنًّا يُمكِنُ فيه حيضُها ويَحدثُ لها حاجةٌ إلى النكاحِ، فيُباحُ تزويجُها كالبالغةِ.

فعَلى هذا إذا زوِّجَتْ ثم بلَغَتْ لم يكنْ لها خِيارٌ كالبالغة إذا زوِّجَتْ، وقد خطَبَ عُمرُ رضي الله عنه أمَّ كُلثومٍ ابنةَ أبي بكرٍ بعدَ مَوتهِ إلى عائشةَ

رضي الله عنها فأجابَتْه وهي لدُونِ عَشرٍ؛ لأنها إنَّما وُلدَتْ بعد موتِ أبيها، وإنما كانَتْ ولايةُ عُمرَ عَشرًا، فكَرهَتْه الجاريةُ، فتزوَّجَها طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ، ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ، فدَلَّ ذلكَ على اتِّفاقِهم على صِحةِ تزويجِها قبلَ بُلوغِها بولايةِ غيرِ أبيها، واللهُ أعلَمُ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ لغيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ تَزويجُ الصغيرِ والصغيرةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] الآيَة، معناهُ: في نِكاحِ اليَتامَى، وإنما يَتحقَّقُ هذا الكَلامُ إذا كانَ يجوزُ نكاحِ اليتيمةِ، وقد نُقلَ عن عائشةَ رضي الله عنها في تأويلِ الآيةِ أنها نزَلَتْ في يَتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وَليِّها يَرغبُ في مالِها وجمالِها ولا يُقسِطُ في صَداقَها، فنُهُوا عن نكاحِهنَّ حتَّى يَبلغُوا بهنَّ أعلَى سُنتِهنَّ في الصَّداقِ، وقالَتْ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] أنها نزَلتْ في يتيمةٍ تكونُ في حِجرِ وليِّها ولا يُرغَبُ في نكاحِها لدَمامتِها، ولا يُزوِّجُها مِنْ غيرِه كَيلا يُشارِكَه في مالها، فأنزَلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، فأمَرَ الأولياءَ بتزوُّجِ اليتامَى أو بتزويجِهنَّ مِنْ غيرِهم، فذلكَ دليلٌ على جوازِ تزويجِ اليتيمةِ، وزوَّجَ رَسولُ اللهِ بنتَ عمِّه حَمزةَ رضي الله عنه مِنْ عُمرَ بنِ أبي سَلمةَ رضي الله عنه وهي صَغيرةٌ، والآثارُ في جوازِ ذلكَ مَشهورةٌ عن عُمرَ وعليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ رِضوانُ اللهِ عليهم.

(١) «المغني» (٧/ ٣٢، ٣٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٢٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٤٤).

والمعنَى فيه أنه وَليُّها بعدَ البلوغِ، فيكونُ وليًّا لها في حالِ الصِّغرِ كالأبِ والجَدِّ؛ وهذا لأنَّ تَأثيرَ البلوغِ في زوالِ الولايةِ، فإذا جُعلَ هو وليًّا بعدَ بُلوغِها بهذا السَّببِ عَرفْنا أنه وليُّها في حالِ الصِّغرِ، وبه فارَقَ المالَ؛ لأنه لا يَستفيدُ الولايةَ بهذا السَّببِ في المالِ بحالٍ، وكانَ المعنَى فيه أنَّ المالَ تَجرِي فيه الجِناياتُ الخَفيةُ، وهذا الوليُّ قاصِرُ الشَّفقةِ، فربَّما يَحملُه ذلكَ على تَركِ النظرِ لها، فأمَّا الجِنايةُ في النفسِ مِنْ حيثُ التَّقصيرُ في المهرِ والكَفاءةِ، وذلكَ ظاهِرٌ يُوقَفُ عليه إنْ فعَلَه يُرَدُّ عليهِ تصرُّفُه، ولأنه لا حاجةَ إلى إثباتِ الولايةِ لهؤلاءِ في المالِ؛ فإنَّ الوَصيَّ يتصرُّفُ في المالِ، والأبُ مُتمكِّنٌ مِنْ نَصبِ الوَصيِّ، وباعتِبارِه تَنعدمُ حاجتُها، فأما التصرُّفُ في النفسِ لا يَحتملُ الإيصاءَ إلى الغيرِ، فلهذا يَثبتُ للأولياءِ بطَريقِ القيامِ مَقامَ الآباءِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أبو الخطَّابِ: وقد نَقلُ عبدُ اللهِ عن أبيه كقَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الله تعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فمَفهومُه أنه إذا لم يَخَفْ، فله تَزويجُ اليَتيمةِ واليتيمِ مَنْ لم يَبلغْ؛ لقولِ النبيِّ : «لا يُتْمَ بعدَ احتِلامٍ»، قالَ عُروةُ: سألْتُ عائشةَ عن قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فقالَتْ: «يا ابنَ أُختِي هذه اليَتيمةُ تكونُ في حِجرِ وليِّها فيَشركُها في

(١) «المبسوط» (٤/ ٢١٤).

مالِها، ويُعجبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ أنْ يتزوَّجَها بغيرِ أنْ يُقسِطَ في صَداقِها، فيُعطيها مِثلَ ما يُعطِيها غيرُه، فنُهُوا عن نِكاحِهنَّ إلا أنْ يُقسِطُوا فيهنَّ ويَبلغُوا أعلَى سُنَّتهنَّ في الصداقِ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه وليٌّ في النكاحِ، فملَكَ التزويجَ كالأبِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأمَّا هل يُزوِّجُ الصغيرةَ غيرُ الأبِ أم لا؟

فقالَ الشافعيُّ: يزوِّجُها الجَدُّ أبو الأبِ والأبُ فقط.

وقالَ مالكٌ: لا يزوِّجُها إلا الأبُ فقط أو مَنْ جعَلَ الأبُ له ذلكَ إذا عيَّنَ الزوجَ، إلَّا أنْ يُخافَ عليها الضَّيعةُ والفِسادُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يزوِّجُ الصغيرةَ كلُّ مَنْ له عليها وِلايةٌ مِنْ أبٍ وقَريبٍ وغيرِ ذلكَ، ولها الخِيارُ إذا بلَغَتْ.

وسَببُ اختِلافِهم مُعارَضةُ العُمومِ للقياسِ، وذلكَ أنَّ قولَه عليه الصلاة والسلام: «والبِكرُ تُستأْمَرُ، وإذنُها صُماتُها» يقتضِي العُمومَ في كلِّ بِكرٍ، إلا ذاتَ الأبِ التي خصَّصَها الإجماعُ، إلا الخِلافَ الذي ذكَرْناه، وكَونُ سائرِ الأولياءِ مَعلومًا منهم النظرُ والمَصلحةُ لوَليَّتهم يُوجِبُ أنْ يُلحَقُوا بالأبِ في هذا المَعنى، فمِنهم مَنْ ألحَقَ به جَميعَ الأولياءِ، ومنهم مَنْ ألحَقَ به الجَدَّ فقط؛ لأنه في معنى الأبِ؛ إذ كانَ أبًا أعلى، وهو الشافعيُّ، ومَن قصَرَ ذلك على الأبِ رَأى أنَّ ما للأبِ في ذلكِ غيرُ مَوجودٍ لغيرِه؛ إمَّا

(١) «المغني» (٧/ ٣٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٤٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في إنكاح غير الأب

لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ، وَمَا أَحْدَثَا مِنْ الْمِلْكِ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَالْجَوَابُ فِيهِ، وَفِي الْحُرَّيْنِ سَوَاءٌ.

وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا، وَالْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً، فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الرِّقِّ.

وَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكًا لِأَحَدِهِمَا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْيَدِ لَا لِلْمِلْكِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ اشْتَرَاهُ لِي زَوْجِي، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ سَقَطَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِذَلِكَ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ ادَّعَتْ الِانْتِقَالَ، فَلَا يَثْبُتُ الِانْتِقَالُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ.

فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا الْكَفَاءَةُ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ مِنْ الْأَخِ، وَالْعَمِّ، وَنَحْوُهُمَا الصَّغِيرُ، وَالصَّغِيرَةُ، وَفِي إنْكَاحِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ اخْتِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ صَاحِبَيْهِ.

وَأَمَّا الطَّوْعُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ النِّكَاحِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَيَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ عِنْدَنَا.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٩ - مسألة؛ قال: (وليس هذا لغير الأب)

١١١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَبِ)

يعنى ليس لغيرِ الأبِ إجْبارُ كبيرةٍ، ولا تزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كان أو غيرَه. وبهذا قال مالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، والثَّوْرىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وبه قال الشافعىُّ، إلا فى الجَدِّ، فإنَّه جَعَلَه كالأبِ؛ لأنَّ وِلايَتَه وِلايةُ إيلادٍ، فمَلَكَ إجْبارَها كالأبِ. وقال الحسنُ، وعمرُ ابن عبد العزيز، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، وقتادةُ، وابنُ شُبْرُمةَ ، والأوْزَاعىُّ، وأبو حنيفةَ: لغيرِ الأبِ تزْويجُ الصغيرةِ، ولها الخِيَارُ إذا بَلَغتْ. وقال هؤلاء غيرَ أبى حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصغيرَيْنِ غيرُ الأبِ، فلهما الخيارُ إذا بَلَغا. قال أبو الخَطَّاب: وقد نَقَلَ عبدُ اللَّه، عن أبِيه، كقولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . فمَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخَفْ، فله تَزْويجُ اليَتِيمةِ، واليتيمُ مَنْ لم يَبْلُغْ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ" . قال عُرْوةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللَّه تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى} . فقالت: يا ابنَ أُخْتِى، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ فى حِجْرِ وَليِّها، فيَشْرَكُها فى مالِها، ويُعْجِبُه مالُها وجَمالُها ، فيُرِيدُ أن يَتَزَوجَها بغير أن يُقْسِطَ فى صَدَاقِها، فيُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلا أن يُقْسِطُوا فيهنَّ، ويَبْلُغُوا أعْلَى سُنَّتِهِنَّ فى الصَّدَاقِ. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه وَلِىٌّ فى النِّكاحِ، فمَلَكَ التَّزْويجَ كالأبِ. ولَنا، قولُ

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 513 - 521

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله