المسألة الثالثة: عدالة الشهود

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > المسألة الثالثة: عدالة الشهود

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة: عدالة الشهود - الأقوال والأدلة

بعضُهم: تُقبَلُ، وقالَ بعضُهم: لا تُقبَلُ، فمَن قالَ: «تُقبَلُ» نظَرَ إلى وَقتِ الأداءِ، ومَن قالَ: «لا تُقبَلُ» نظَرَ إلى وَقتِ التحمُّلِ (١).

المَسألةُ الثالِثةُ: عَدالةُ الشُّهودِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشاهِدَينِ إذا كانَا عَدلَينِ فإنَّ النكاحَ صَحيحٌ.

إلا أنهم اختَلفُوا في صِحَّتِه إذا كانَا فاسِقَينِ، هل يَصحُّ بهما أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَصحُّ النكاحُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ كلَّ مَنْ يَصلحُ أنْ يكونَ قابِلًا للعَقدِ بنَفسِه يَنعقدُ النكاحُ بشهادَتِه، وكلُّ مَنْ يَصلحُ أنْ يكونَ وليًّا في نكاحٍ يَصلحُ أنْ يكونَ شاهِدًا في ذلكَ النكاحِ، فعَلى هذا يَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ.

ولأنَّ الفِسقَ لا يُخرِجُه مِنْ أنْ يكونَ أهلًا للإمامةِ والسَّلْطنةِ، فإنَّ الأئمَّةَ بعدَ الخُلفاءِ الراشِدِينَ رضي الله عنهم قلَّ ما يَخلُو واحدٌ منهُم عَنْ فِسقٍ، فالقولُ بخُروجِه مِنْ أنْ يكونَ إمامًا بالفِسقِ يُؤدِّي إلى فَسادٍ عَظيمٍ، ومِن ضَرورةِ كونِه أهلًا للإمامةِ كَونُه أهلًا للقَضاءِ؛ لأنَّ تقلُّدَ القضاءِ يكونُ مِنْ الإمامِ، ومِن ضَرورةِ كَونِه أهلًا لولايةِ القَضاءِ أنْ يكونَ أهلًا للشَّهادةِ.

ويَجوزُ للحاكِمِ الحُكمُ بشَهادتِه في الجُملةِ، ولو حكَمَ لا يُنقَضُ حُكمُه؛ لأنه مَحلُّ الاجتهادِ، فكانَ مِنْ أهلِ تحمُّلِ الشَّهادةِ، والفِسقُ لا يَقدحُ في أهليَّةِ التحمُّلِ، وإنما يَقدحُ في الأداءِ، فيَظهرُ أثَرُه في الأداءِ لا في الانعِقادِ،

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤).

وقد ظهَرَ، حتَّى لا يَجبُ على القاضِي القضاءُ بشَهادتِه ولا يَجوزُ أيضًا إلَّا إذا تَحرَّى القاضِي الصِّدقَ في شهادتِه، وكذا كَونُ الشاهدِ غيرَ مَحدودٍ في القَذفِ ليسَ بشَرطٍ لانعِقادِ النكاحِ، فيَنعقدُ بحُضورِ المَحدودِ في القَذفِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الشاهِدَينِ العَدالةُ؛ لِما رُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ رسولَ اللَّهِ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢).

وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ» (٣)، ولأنَّ النكاحَ لا يَثبتُ بشَهادةِ الفاسِقَينِ، فلم يَنعقدْ بشَهادتِهما كالمَجنونَينِ.

قالَ المالِكيةُ: يُشترطُ في الشاهِدَينِ العَدالةُ، فغيرُ العَدلِ مِنْ مَستورٍ وفاسِقٍ عَدمٌ، وهذا عندَ وُجودِ العُدولِ، وأمَّا عندَ عَدمِهم فيكفِي اثنانِ مَستورٌ حالُهما، وقيلَ: يُستكثَرُ مِنْ الشُّهودِ (٤).

(١) «المبسوط» (٥/ ٣١، ٣٢)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٥)، و «الهداية» (١/ ١٩٠)، و «العناية» (٤/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٤)، و «اللباب» (٢/ ١٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: ابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٥)، والدارقطني (٣٥٣٣)، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٤٩٦، ١٣٤٩٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠٤٧٣)، والطبراني في «الكبير» (١٤/ ١٤٢).
(٤) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٣٩٨).

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «الشُّهودُ على العَدلِ حتَّى يُعلَمَ الجَرحُ يومَ وقَعَ النكاحُ».

قالَ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: والعَدالةُ المُعتبَرةُ في شُهودِ النكاحِ عندَ عقدِه هي عَدالةُ الظاهرِ، بخِلافِ الشهادةِ في إثباتِ الحُقوقِ عندَ الحاكمِ التي يُراعَى فيها عَدالةُ الظاهرِ والباطنِ، والفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ:

أحَدُهما: أنَّ في إثباتِ الحُقوقِ عندَ الحاكمِ خَصمًا جاحِدًا، فاستُكشِفَ لأجْلِه عن عَدالةِ الباطنِ، وليسَ في عَقدِ النكاحِ هذا المعنَى، فلمْ تُعتبَرْ إلا عَدالةُ الظاهرِ.

والثَّاني: أنَّ الحاكمَ يَقدرُ مِنْ استِبراءِ العَدالةِ في الباطنِ ما لا يَقدرُ عليه الزَّوجانِ، فسقَطَ اعتِبارُ ذلكَ عنهُما وإنْ لم يَسقطْ عن الحاكمِ، وإذا كانَ ذلكَ فعَدالةُ الظاهرِ في الشاهدَينِ في النكاحِ اجتِنابُ الكبائرِ والإقلالُ مِنْ الصَّغائرِ، فإنْ عقَدَ الزَّوجانِ نكاحًا بشاهدَينِ لم يَخْلُ حالُهما مِنْ أربعةِ أقسامٍ:

أحَدُها: أنْ يكونَا عَدلَينِ في الظاهرِ والباطنِ، فعَقدُ النكاحِ بهِما صَحيحٌ؛ لعَدالةِ ظاهِرِهما، وإثباتُه عندَ الحُكَّامِ جائزٌ؛ لعدَالةِ باطِنِهما.

والقِسمُ الثَّاني: أنْ يكونَا عدلَينِ في الظاهرِ دونَ الباطنِ، فعَقدُ النكاحِ بهِما صَحيحٌ؛ لعَدالةِ ظاهِرِهما، لكنَّ إثباتَه عندَ الحُكَّامِ لا يَصحُّ إلَّا باستِبْراءِ عَدالةِ باطنِهما، فيَكشفُ عن عَدالةِ الباطنِ وقْتَ الأداءِ لا وقْتَ العقدِ، فإنْ صحَّتْ للحاكمِ حكَمَ بشَهادتِهما في الأداءِ، وإنْ لم تَصحَّ لم يَحكمْ

بشَهادتِهما في الأداءِ، والنكاحُ على حالِه مِنْ الصحَّةِ ما لم يَظهرْ مِنهُما تقدُّمُ الفسقِ.

والقِسمُ الثالثُ: أنْ يكونَا فاسِقَينِ، فالعَقدُ باطِلٌ، فلو ظهَرَتْ عَدالتُهما بعدَ العقدِ مع تقدُّمِ الفسقِ وقْتَ العقدِ كانَ العقدُ على فسادِه.

والقِسمُ الرابعُ: أنْ يكونَا مَجهولَيِ الحالِ لا يُعرَفُ فيهِما عَدالةٌ ولا فِسقٌ، فهُمَا على ظاهرِ العَدالةِ والنكاحُ بهما جائزٌ؛ لأنَّ الأصلَ العَدالةُ، والفِسقُ طارئٌ، وهو معنَى قولِ الشافعيِّ: «والشُّهودُ على العَدلِ حتَّى يُعلَمَ الجَرحُ يومَ وقَعَ النكاحُ»، وإذا صَحَّ العقدُ بهِما مع الجَهالةِ بحالِهِما لم يَحكمِ الحاكمُ بهِما مِنْ إثباتِ العَقدِ عندَه إلا بعدَ استِبراءِ حالِهما في الظاهرِ والباطنِ …

فإذا أقَرَّ الزَّوجانِ عندَ الحاكمِ أنهُما عقَدَا النكاحَ بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ حكَمَ عليهِما بصِحةِ النكاحِ؛ بناءً على إقرارِهِما، ولم يَسألْ عن عَدالةِ الشاهدَينِ ورُشدِ الوَليِّ، فلو تَناكَرَ الزوجانِ مِنْ بعدُ أو ادَّعَى أحَدُهما سفَهَ الوَليِّ وفِسقَ الشاهدَينِ ألزَمَه صِحةَ النكاحِ بسابِقِ إقرارِه ولم يُؤثِّرْ فيه حُدوثُ إنكارِه، فلو قالَ: «أنَا أُقِيمُ البيِّنةَ بما ادَّعَيتُ مِنْ سفَهِ الوَليِّ وفِسقِ الشاهدَينِ» لم يَسمعْهُما منهُ؛ لأنَّ إقرارَه على نفسِه أَولى مِنْ بيِّنةٍ أكذبها بهِ (١).

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٦٤، ٦٥)، و «البيان» (٩/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٥٦)، و «الديباج» (٣/ ١٨٨).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا الفاسِقانِ ففي انعِقادِ النكاحِ بشهادتِهما رِوايتانِ:

إحداهُما: لا يَنعقدُ، وهو مَذهبُ الشافعيِّ؛ للخبَرِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَثبتُ بشهادَتِهما، فلمْ يَنعقدْ بحُضورِهما كالمَجنونَينِ.

والثانيةُ: يَنعقدُ بشهادَتِهما، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنها تحمُّلٌ، فصحَّتْ مِنْ الفاسقِ كسائرِ التحمُّلاتِ.

وعلى كِلتَا الروايتَينِ لا يُعتبَرُحَقيقةُ العَدالةِ، بل يَنعقدُ بشَهادةِ مَستورَيِ الحالِ؛ لأنَّ النكاحَ يكونُ في القُرَى والبادِيةِ وبينَ عامَّةِ الناسِ ممَّن لا يَعرفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعتبارُ ذلكَ يَشقُّ، فاكتُفيَ بظاهرِ الحالِ وكونِ الشاهدِ مَستورًا لم يَظهرْ فِسقُه.

فإنْ تَبيَّنَ بعدَ العقدِ أنه كانَ فاسِقًا لم يُؤثِّرْ ذلكَ في العقدِ؛ لأنَّ الشَّرطَ العَدالةُ ظاهِرًا، وهو أنْ لا يكونَ ظاهِرَ الفسقِ، وقد تَحقَّقَ ذلكَ، وقيلَ: «نَتبيَّنُ أنَّ النكاحَ كانَ فاسِدًا؛ لعَدمِ الشَّرطِ» وليسَ بصَحيحٍ؛ لأنه لو كانَتِ العَدالةُ في الباطنِ شَرطًا لَوجَبَ الكشفُ عنها؛ لأنه مع الشَّكِّ فيها يكونُ مَشكوكًا في شَرطِ النكاحِ، فلا يَنعقدُ، ولا تَحلُّ المَرأةُ مع الشَّكِّ في صِحةِ نكاحِها، وإنْ حدَثَ الفِسقُ فيهِما لم يُؤثِّرْ في صحةِ النكاحِ؛ لأنَّ الشَّرطَ إنَّما يُعتبَرُ حالةَ العقدِ.

ولو أقَرَّ رَجلٌ وامرأةٌ أنهُما نكَحَا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ قُبِلَ قَولُهما وثبَتَ النكاحُ بإقرارِهما (١).

(١) «المغني» (٧/ ٧، ٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 27 - 31

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده