الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > المسألة الثانية: إذا دعت إلى كفء ودعى وليها إلى كفء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوذهَبَ الإمامُ أبوحَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ لِأوليائِها منْعَها مِنْ التزويجِ بدونِ مهرِ مثلِها؛ لأنَّ عليهم في ذلكَ عارًا، وفيه ضَررٌ على نِسائِها لنقصِ مهرِ مثلِهنَّ، ولأنهُم يَفتخرونَ بغَلاءِ المهرِ ويَتعيَّرونَ ببَخسِه، فيَلحقُهم الضررُ بالبَخسِ وهو ضَررُ التَّعييرِ، فكانَ لهم دَفعُ الضررِ عن أنفُسِهم بالاعتراضِ، ولهذا يَثبتُ لهم حَقُّ الاعتراضِ بسببِ عدمِ الكَفاءةِ، كذا هذا، ولأنها بالبَخسِ عن مهرِ مثلِها أضَرَّتْ بنِساءِ قَبيلتِها؛ لأنَّ مُهورَ مثلِها عندَ تَقادُمِ العهدِ تُعتبَرُ بها، فكانَتْ بالنَّقصِ مُلحِقةً الضررَ بالقبيلةِ، فكانَ لهم دَفعُ هذا الضررِ عن أنفُسِهم بالفَسخِ (١).
المَسألةُ الثانية: إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَى وليُّها إلى كُفءٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المرأةَ إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَا وليُّها غيرُ الأبِ إلى كُفءٍ أنه يقدَّمُ كفؤُها، فيجبُ على الوليِّ غيرِ الأبِ في البِكرِ إجابةُ المرأةِ إلى كُفءٍ مُعيَّنٍ دعَتْ إليه وهي بالغةٌ؛ لأنها لو لم تُجَبْ لذلكَ مع كونِها مُضطرةً إلى عَقدِه كانَ ذلكَ ضررًا بها، فإنْ دعَا الوليُّ إلى كُفءٍ غيرِ كُفئِها أُجيبَتْ وكانَ كُفؤُها أَولى مِنْ كُفئِه؛ لأنه أدوَمُ للعِشرةِ، فيأمُرُه الحاكمُ أنْ يزوِّجَ مَنْ دَعَتْ إليه، فإنْ فعَلَ فواضِحٌ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٢)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٤٥).
قالَ المالِكيةُ: يجبُ على الوليِّ ولو أبًا غيرَ مُجبِرٍ الإجابةُ لكُفءٍ رَضيَتْ به، سَواءٌ طلَبَتْه للتزويجِ بهِ أو لم تَطلبْه بأنْ خطَبَها ورَضيَتْ بهِ؛ لأنها لو لم تُجَبْ لذلكَ مع كَونِها مُضطرةً إلى عَقدِه كانَ ذلكَ ضررًا بها.
وإنْ دَعَتْ إلى كُفءٍ ودَعَا وليُّها إلى كُفءٍ غيرِ كُفئِها أُجيبَتْ وكانَ كُفؤُها أَولى مِنْ كُفئِه؛ لأنه أدوَمُ للعِشرةِ، فيأمُرُه الحاكمُ أنْ يزوِّجَ مَنْ دَعَتْ إليه، فإنْ فعَلَ فواضِحٌ.
وإنْ تَمادَى على الامتِناعِ فيَسألُه عن وَجهِه، فإنْ رآهُ صَوابًا رَدَّها إليه، وإنْ لم يُبْدِ وَجهًا صحيحًا أُمِرَ بتزويجِها، فإنِ امتَنعَ مِنْ تزويجِها بعدَ الأمرِ زوَّجَها الحاكِمُ بعدَ ثُبوتِ ثُيوبتِها عندَه، وملَّكَها أمْرَ نفسِها، وإنَّ المهرَ مَهرُ مثلِها وكَفاءةُ الخاطِبِ، ولا يَنتقلُ للأبعَدِ مِنْ الأولياءِ على الصحيحِ، وإنْ شاءَ الحاكِمُ رَدَّ العقدَ لغيرِ العاضِلِ مِنْ الأولياءِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا دَعَتْ بالغةٌ عاقِلةٌ بكرٌ أو ثَيبٌ إلى كُفءٍ ولو عِنِّينًا ومَجبوبًا وقد خطَبَها وعيَّنتْه ولو بالنوعِ كأنْ خطَبَها أكْفاءُ فدَعَتْه إلى أحَدِهم وامتَنعَ الوليُّ ولو مُجبِرًا غيرُ الأبِ أو قالَ: «لا أزوِّجُ إلَّا مَنْ هو أَكفَأُ منه» فهو عاضِلٌ ويزوِّجُها السُّلطانُ ولا تَنتقلُ الولايةُ للأبعَدِ، ومَحلُّ ذلكَ إذا
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٧٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧١).
كانَ العَضلُ دُونَ ثَلاثِ مرَّاتٍ، فإنْ كانَ ثلاثَ مراتٍ زوَّجَ الأبعدُ؛ بناءً على مَنعِ ولايةِ الفاسقِ.
وهل المُرادُ بالمرَّاتِ الثلاثِ الأنكِحةُ؟ أو بالنِّسبةِ إلى عَرضِ الحاكمِ ولو في نِكاحٍ واحدٍ؟ فيه نَظرٌ، والأوجَهُ الثاني (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ رَغبَتِ المرأةُ في كُفءٍ بعَينِه وأرادَ الوليُّ تزويجَها لغيرِه مِنْ أكفائِها وامتَنعَ مِنْ تَزويجِها مِنْ الذي أرادَتْه كانَ عاضِلًا لها.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: مِنْ صُورِ العَضلِ إذا امتَنعَ الخُطَّابُ مِنْ خِطبتِها لشدَّةِ الوليِّ (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فعِندَهم الكَفاءةُ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، فإذا تزوَّجَتِ المرأةُ مِنْ غيرِ كُفءٍ فلِلأولياءِ أنْ يفرِّقُوا بينَهُما (٣).
فأمَّا إنْ طلَبَتِ التَّزويجَ بغيرِ كُفئِها فله مَنعُها مِنْ ذلكَ بلا خِلافٍ، ولا يكونُ عاضِلًا لها بهذا؛ لأنها لو زوِّجَتْ مِنْ غيرِ كُفئِها له فَسخُ النكاحِ، فلَأنْ تُمنعَ منه ابتِداءً أَولى (٤).
(١) «البيان» (٩/ ١٩٤، ١٩٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٨٢، ٨٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٠٢، ٦٠٣)، و «الديباج» (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٧٥).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٥)، و «اللباب» (١/ ٣٢).
(٤) «المغني» (٧/ ٢٤)، والمَصادِر السابِقة.
إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو دَعَتْ إلى كُفءٍ ودعَا أبوها إلى كُفءٍ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنه يُقدَّمُ كُفءُ الأبِ، وكذا الجَدِّ عندَ الشافِعيةِ، ما لم يتكرَّرْ ويَتحقَّقْ عَضلُه وإضرارُه.
قالَ المالِكيةُ: لا يُعدُّ الأبُ المُجبِرُ عاضِلًا لمُجبَرتِه برَدِّه لكُفئِها رَدًّا مُتكرِّرًا؛ وذلكَ لِمَا جُبِلَ عليه الأبُ مِنْ الحَنانِ والشَّفقةِ على بنتِه، ولجَهلِها بمَصالحِ نَفسِها، فرُبَّما عَلِمَ الأبُ مِنْ حالِها أو مِنْ حالِ الخاطِبِ ما لا يُوافِقُ، فلا يُعَدُّ عاضِلًا بما ذُكِرَ حتَّى يَتحقَّقَ عَضلُه وإضرارُه ولو بمَرةٍ، فإنْ تَحقَّقَ قالَ له الإمامُ: «إمَّا أنْ تزوِّجَ وإلَّا زوَّجْناها عليكَ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ» (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: إذا عيَّنَتِ المرأةُ المُجبَرةُ كُفئًا وأرادَ الأبُ أو الجَدُّ كُفئًا غيرَه فله ذلكَ وإنْ كانَ كُفؤُها يَبذلُ أكثرَ مِنْ مَهرِ المثلِ؛ لأنه أكمَلُ نَظرًا منها (٢).
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٧٦)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧٢).
(٢) «البيان» (٩/ ١٩٤، ١٩٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٨٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٧، ٢٥٨)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٠٣، ٦٠٤)، و «الديباج» (٣/ ٢٠٤).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب ما يصح به النكاح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
بَابُ مَا يصح به النكاح
لا يصح النكاح إلا بولي فان عقدت المرأة لم يصح، وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولى صح، ووجهه أنها من أهل التصرف، وإنما منعت من النكاح لحق الولى، فإذا أذن زال المنع كالعبد إذا أذن له المولى في النكاح، وهذا خطأ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه (لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها) ولانها غير مأمونة على البضع لنقصان عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال، ويخالف العبد فانه منع لحق المولى، فانه ينقض قيمته بالنكاح، ويستحق كسبه في المهر والنفقة فزال المنع باذنه، فان عقد النكاح بغير
ولى وحكم به الحاكم ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه ينقض حكمه، لان مخالف لنص الخبر: وهو ما رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل: فنكاحها باطل، فان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له فان أصابها فلها مهرها بما استحل من فرجها) .
(والثانى)
لا ينقض، وهو الصحيح، لانه مختلف فيه فلم ينقض فيه حكم الحاكم كالشفعة للجار.
وأما الخبر فليس بنص لانه محتمل للتأويل، فهو كالخبر في شفعة الجار، فان وطئها الزوج قبل الحكم بصحته لم يجب الحد.
وقال أبو بكر الصيرفى: إن كان الزوج شافعيا يعتقد تحريمه وجب عليه الحد كما لو وطئ إمرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية، والمذهب الاول لانه وطئ مختلف في إباحته فلم يجب به الحد، كالوطئ في النكاح بغير شهود، ويخالف من وطئ امرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية لانه لا شبهة له في وطئها، وان طلقها لم يقع الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع لانه نكاح مختلف في صحته، فوقع
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.