الموضع الأول: إذا زالت بكارتها بزنا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الموضع الأول: إذا زالت بكارتها بزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الموضع الأول: إذا زالت بكارتها بزنا - الأقوال والأدلة

يَجُزْ تزويجُها بعدَ ذلك إلَّا برِضاها، ولا يُكتفَى بسُكوتِها في هذا المَوضعِ؛ لأنها ثيِّبٌ؛ لقَولِه : «والثيَّبُ تُشاوَرُ».

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ أنَّ مَنْ زالَتْ عُذرَتُها بوَطءٍ يتعلَّقُ به ثُبوتُ النَّسبِ -وهو الوَطءُ بعَقدٍ جائزٍ أو فاسِدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ وجَبَ لها مَهرٌ بذلكَ الوطءِ- أنها تزوَّجُ كما تزوَّجُ الثيِّبُ (١).

إلَّا أنهم اختَلفُوا في مَوضعينِ:

المَوضعُ الأولُ: إذا زالَتْ بَكارتُها بزنًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زالَتْ بكارةُ المَرأةِ بزنًا أو غَصبٍ، هل يُرفَعُ الإجبارُ عنها بذلكَ وتكونُ في حُكمِ الثيِّبِ؟ أم تكونُ في حُكمِ البِكرِ وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الثُّيوبةَ التي تَرفعُ الإجبارَ عن المرأةِ وأنْ تكونَ ثيِّبًا أو في حُكمِ الثيبِ هي التي تكونُ بوَطءٍ في نِكاحٍ صَحيحٍ أو شُبهةٍ مِنْ دُونِ الزِّنا والغَصبِ، فمَن زَنَتْ أو غُصبَتْ لا يَزولُ عنها الإجبارُ، وتُعامَلُ مُعامَلةَ البكرِ في الاستِئذانِ، وتزوَّجُ زواجَ الأبكارِ.

استدلَّ لأبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّ عِلةَ وَضعِ النُّطقِ شَرعًا وإقامةَ السُّكوتِ مَقامَه في البِكرِ هو الحَياءُ، وقد وُجدَ، ودَلالةُ أنَّ العلَّةَ ما قُلنا إشارةُ النَّصِّ والمَعقولُ.

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٤)، و «المبسوط» (٥/ ٧، ٨)، و «الهداية» (١/ ١٩٧)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١).

أمَّا الأولُ فلِمَا رُوي عن رسولِ اللهِ أنَّه قالَ: «تُستأمَرُ النِّساءُ في أَبضاعِهنَّ، فقالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: البِكرُ تَستحِي يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ : إذنُها صُماتُها»، فالاستِدلالُ به أنَّ قولَه : «إذنُها صُماتُها» خرَجَ جَوابًا لقَولِ عائشةَ رضي الله عنها: «إنَّ البِكرَ تَستحِي» أي: عنِ الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا، والجَوابُ بمُقتضَى إعادةِ السُّؤالِ؛ لأنَّ الجَوابَ لا يَتمُّ بدُونِ السؤالِ، كأنه قالَ : «إذا كانَتِ البِكرُ تَستحِي عن الإذنِ بالنكاحِ نُطقًا فإذنُها صُماتُها»، فهذا إشارةٌ إلى أنَّ الحَياءَ علَّةُ وَضعِ النُّطقِ، وقيامُ الصُّماتِ مَقامَ الإذنِ علَّةٌ مَنصوصةٌ، وعلةُ النصِّ لا تتقيَّدُ بمَحلِّ النصِّ، كالطَّوافِ في الهِرَّةِ ونحوِ ذلكَ.

وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الحَياءَ في البكرِ مانعٌ مِنْ النطقِ بصَريحِ الإذنِ بالنكاحِ؛ لِمَا فيه مِنْ إظهارِ رَغبتِها في الرِّجالِ؛ لأنَّ النكاحَ سَببُ الوطءِ، والناسُ يَستقبِحونَ ذلكَ منها ويَذمُّونَها ويَنسُبونَها إلى الوَقاحةِ، وذلكَ مانعٌ لها مِنْ النُّطقِ بالإذنِ الصَّريحِ، وهي مُحتاجةٌ إلى النكاحِ، فلو شُرطَ استِنطاقُها وهي لا تَنطقُ عادةً لَفاتَ عليها النكاحُ مع حاجتِها إليهِ، وهذا لا يَجوزُ، والحَياءُ مَوجودٌ في حَقِّ هذه وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حَقيقةً؛ لأنَّ زَوالَ بَكارتِها لم تَظهرْ للناسِ، فيَستقبِحونَ منها الإذنَ بالنكاحِ صَريحًا ويَعدُّونَه مِنْ بابِ الوقاحةِ، ولا يَزولُ ذلكَ ما لم يُوجَدِ النكاحُ ويَشتهرِ الزِّنا، فحِينئذَ لا يُستقبَحُ الإظهارُ بالإذنِ ولا يُعَدُّ عَيبًا، بل الامتِناعُ عن الإذنِ عندَ استئْمارِ الوَليِّ يُعَدُّ رُعونةً منها؛ لحُصولِ العلمِ للناسِ بظُهورِ رَغبتِها في الرِّجالِ.

وأمَّا حَديثُ: «البِكرُ تُستأمَرُ في نَفسِهَا، والثيِّبُ تُشاوَرُ» فالمُرادُ منهُ الثيِّبُ التي تَعارفَها الناسُ ثيِّبًا؛ لأنَّ مُطلَقَ الكَلامِ يَنصرفُ إلى المُتعارَفَ بينَ الناسِ، ولهذا لم تَدخلِ البكرُ التي زالَتْ عُذرَتُها بالطَّفرةِ والوَثبةِ والحَيضةِ ونحوِ ذلكَ في هذا الحَديثِ وإنْ كانَتْ ثيِّبًا حقيقةً (١).

وقالَ المالِكيةُ: ولأنَّ المَعنى الذي لأجْلِه ارتفَعَ إجبارُ الثيِّبِ بالنكاحِ أنَّ الحَياءَ الذي يَكونُ في البكرِ والانقِباضَ يَزولُ عنها وتَصيرُ مِنْ أهلِ الاختيارِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَزْنِيِّ بها؛ لأنَّ الحَياءَ يَغلُبُ عليها أشَدَّ مِنْ غَلبتِه على البِكرِ؛ لقُبحِ ما رَكبتْه وللعارِ الذي لَحِقَها لمَّا زَهِدَ الناسُ فيها، فلم يَرتفعِ الإجبارُ عنها، ولأنَّ ذهابَ البَكارةِ إذا لم يَحصلْ معَها الإجبارُ فذَهابُ الحَياءِ لا يُزيلُ الإجبارَ كالطَّفرةِ والوَثبةِ، ولأنَّ البكارةَ يتعلَّقُ بها أمرَانِ: حَجْرٌ في المالِ وإجبارُ التَّزويجِ، ثم ثبَتَ أنَّ وِلايةَ المالِ لا تَسقطُ عنها بهذا الفعلِ، كذلكَ الإجبارُ (٢).

وذهَبَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ زالَتْ بَكارتُها بوَطءٍ حَلالٍ أو حَرامٍ بزنًا أو غَصبٍ فهي كما لو

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «المبسوط» (٥/ ٧، ٨)، و «الهداية» (١/ ١٩٧)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «الاختيار» (٣/ ١١٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٢٣).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٩٠، ٢٩١) رقم (١١٢٥)، و «المعونة» (١/ ٤٧٦)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٥٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٥).

زالَتْ بَكارتُها بالجِماعِ في النكاحِ، فيَكونُ حُكمُها حُكمُ الثيِّبِ في الإذنِ.

لقولِ النبيِّ : «البِكرُ تُستأمَرُ، والثيِّبُ تُشاوَرُ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحِي؟ قالَ: سُكوتُها رِضاهَا» (١).

ولقَولِ النبيِّ :» الثيِّبُ تُعرِبُ عن نَفسِهَا، والبِكرُ رضَاها صَمتُها» (٢)، وهذه ثيِّبٌ حَقيقةً؛ لأنَّ الثيِّبَ حَقيقةً مَنْ زالَتْ عُذرَتُها، وهذه كذلكَ، فيَجري عليها أحكامُ الثيِّبِ، ومِن أحكامِها أنه لا يَجوزُ نِكاحُها بغيرِ إذنِها نَصًّا، فلا يُكتفَى بسُكوتِها.

ولأنَّ قولَه : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أن تَسكُتَ» (٣).

وفي رِوايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قال: إذا سَكتَتْ» (٤).

وفي رواية: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبُوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٥)، يَدلُّ على أنه لا بُدَّ مِنْ نُطقِ الثيِّبِ؛ لأنه قَسَمَ النِّساءَ قِسمَينِ، فجعَلَ السُّكوتَ إذنًا لأحَدِهما، فوجَبَ أنْ يكونَ الآخَرُ بحالِه، وهذهِ ثيِّبٌ لغةً

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أحمد (٧١٣١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٨٧٢)، وأحمد (١٧٧٥٧).
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٣).
(٤) رواه البخاري (٦٥٦٧).
(٥) رواه مسلم (١٤٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب

وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.

أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.

قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.

(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.

والله تعالى أعلم بالصواب.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الخيار في النكاح والرد بالعيب

إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.

وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)

فثبت الرد بالبرص بالخبر.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 550 - 553

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله