حكم إعضال الأب

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > حكم إعضال الأب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

حكم إعضال الأب - الأقوال والأدلة

حُكمُ إعضالِ الأبِ:

العَضْلُ في اللغةِ مِنْ: عَضَلَ الرَّجلُ حُرمَتَه عَضْلًا -مِنْ بابَي قَتَلَ وضَرَبَ- منَعَها التزويجَ، وعَضَلَ المرأةَ عن الزَّوجِ: حَبَسَها، وعَضَلَ بهم المَكانُ: ضاقَ، وأعضلَ الأمرُ: اشتَدَّ، ومنه: داءٌ عُضالٌ أي: شَديدٌ (١).

وقد عرَّفَ الفُقهاءُ العَضْلَ بأنه: مَنعُ الوليِّ مُولِّيتَه مِنْ النكاحِ.

قالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: العَضلُ: هو مَنعُ الوليِّ وليَّتَه مِنْ النكاحِ، وأصلُ العَضلِ: هو التَّضييقُ والمَنعُ، وأصلُه مِنْ عَضلَتِ الناقةُ: إذا نشَبَ ولَدُها ولم يَسهلْ مَخرجُه (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: العضل: هو منعُ المرأةِ مِنْ التزويجِ بكُفئِها إذا طلَبَتْ ذلكَ ورَغبَ كلُّ واحدٍ منهُما في صاحبِه، وسواءٌ طلَبَتِ التزويجَ بمَهرِ مثلِها أو دونِه (٣).

ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المرأةَ إذا دَعَتْ وَليَّها إلى أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ بمَهرِ مثلِها فليسَ له الامتناعُ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعَضلُ هو المَنعُ، وسَببُ ذلكَ امتناعُ مَعقلِ بنِ يَسارٍ مِنْ إنكاحِ أختِه الذي

(١) «المصباح المنير» (٢/ ٤١٥)، و «تهذيب اللغة» (١/ ٣٠١)، و «لسان العرب» (١١/ ٤٥١).
(٢) «شرح السنة» (٩/ ٤٥).
(٣) «المغني» (٧/ ٢٤).

طلَّقَها زَوجُها، فنزلَتْ هذه الآيةُ، فدَعاهُ النبيُّ فزوَّجَها إيَّاهُ، فروَى البُخاريُّ وغيرُه عنِ الحَسَنِ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قالَ: حدَّثَني مَعقلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلَتْ فيهِ، قالَ: «زوَّجْتُ أختًا لي مِنْ رَجلٍ فطلَّقَها، حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها جاءَ يَخطبُها، فقلتُ له: زوَّجتُكَ وفرَشتُكَ وأكرَمتُكَ فطلَّقتَها، ثُمَّ جِئتَ تَخطبُها، لا واللَّهِ لا تَعودُ إليكَ أبدًا، وكانَ رَجلًا لا بأسَ به، وكانَتِ المَرأةُ تُريدُ أنْ تَرجعَ إليه، فأَنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فقُلتُ: الآنَ أفعَلُ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فزوَّجَها إياه» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العلماءُ على أنَّ السُّلطانَ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ، وأجمَعُوا أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفءٍ وامتَنعَ الوليُّ مِنْ أنْ يزوِّجَها (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ السُّلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفؤٍ وامتَنعَ الوليُّ أنْ يزوِّجَها، وهذا على مَذهبِ مالكٍ والثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، وَروينَا معنَى هذا القَولِ عن عُثمانَ وشُريحٍ والنخَعيِّ، وكذلكَ نقولُ (٣).

(١) رواه البخاري (٤٨٣٧).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٤٩).
(٣) «الإشراف» (٥/ ٣٠).

وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ السلطانَ يزوِّجُ المرأةَ إذا أرادَتِ النكاحَ ودَعَتْ إلى كُفؤٍ وامتنَعَ الوليُّ أنْ يزوِّجَها (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه ليسَ للوليِّ أنْ يَعضلَ وَليَّتَه إذا دَعَتْ إلى كُفءٍ وبصِداقِ مثلِها، وأنها تَرفعُ أمْرَها إلى السلطانِ فيُزوِّجُها، ما عَدَا الأبَ فإنه اختَلفَ فيه المَذهبُ (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا وِلايةُ الإمامةِ فسَببُها الإمامةُ، ووِلايةُ الإمامةِ نَوعانِ أيضًا كولايةِ القَرابةِ، وشَرطُها ما هو شَرطُ تلكَ الولايةِ في النَّوعينِ جَميعًا، ولها شَرطانِ آخَرانِ:

أحَدُهما: يَعمُّ النَّوعينِ جَميعًا: وهو أنْ لا يكونَ هناكَ وليٌّ أصلًا؛ لقولِه : «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٣).

والثَّاني: يَخصُّ أحَدَهما وهو وِلايةُ النَّدبِ والاستِحبابِ، أو ولايةُ الشَّركةِ على اختِلافِ الأصلِ: وهو لعَضلٍ مِنْ الوليِّ؛ لأنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا طلَبَتِ الإنكاحَ مِنْ كُفءٍ وجَبَ عليه التَّزويجُ منه؛ لأنه مَنهيٌّ عن

(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٦٤) رقم (٢١٣٩).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وأحمد (٢٥٣٦٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٤).

العَضلِ، والنهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه، فإذا امتَنعَ فقدْ أضَرَّ بها، والإمامُ نُصِّبَ لدَفعِ الضَّررِ، فتَنتقلُ الولايةُ إليهِ (١).

وقد حُكيَ الإجماعُ أنه كَبيرةٌ، قالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ في «الزَّواجِر عَنْ اقتِرافِ الكبَائرِ»: الكَبيرةُ الخامِسةُ والخَمسونَ بعد المِائتينِ: عَضلُ الوليِّ مُولِّيتَه عنِ النكاحِ بأنْ دعَتْه إلى أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ لها وهي بالِغةٌ عاقِلةٌ فامتَنعَ، وكونُ هذا كَبيرةً هو ما صرَّحَ به النَّوويُّ في فتاويهِ فقالَ: أجمَعَ المُسلمونَ على أنْ العَضلَ كَبيرةٌ، لكنَّ الذي قرَّرَه هو والأئمَّةُ في تَصانيفِهم أنه صَغيرةٌ، وأنَّ كونَه كَبيرةً وجهٌ ضَعيفٌ، بل قالَ إمامُ الحرَمينِ في «النهايةِ»: لا يَحرمُ العَضلُ إذا كانَ ثَمَّ حاكمٌ، وقالَ غيرُه: يَنبغِي ألَّا يَحرمَ مُطلقًا إذا جوَّزْنا التَّحكيمِ، أي: لأنَّ الأمرَ حِينئذٍ لم يَنحصرْ في الوليِّ.

وإذا قُلنَا: «صَغيرةٌ» فتكرَّرَ فظاهِرُ كلامِ النَّوويِّ والرَّافعيِّ أنه يَصيرُ كَبيرةً، حيثُ قالَ: وليسَ العَضلُ مِنْ الكَبائرِ، وإنما يَفسقُ به إذا عضَلَ مرَّاتٍ، أقلُّها فيما حُكيَ عن بَعضِهم ثَلاثٌ. انتهى (٢).

إلا أنَّ الفقهاءَ اختَلفُوا هُنا في ثَلاثِ مَسائلَ:

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٢).
(٢) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (٢/ ٥٧٦)، ويُنظَر: «النجم الوهاج» (٧/ ٨٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٦، ٢٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في إنكاح غير الأب

لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ، وَمَا أَحْدَثَا مِنْ الْمِلْكِ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَالْجَوَابُ فِيهِ، وَفِي الْحُرَّيْنِ سَوَاءٌ.

وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا، وَالْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً، فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الرِّقِّ.

وَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكًا لِأَحَدِهِمَا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْيَدِ لَا لِلْمِلْكِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ اشْتَرَاهُ لِي زَوْجِي، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ سَقَطَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِذَلِكَ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ ادَّعَتْ الِانْتِقَالَ، فَلَا يَثْبُتُ الِانْتِقَالُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ.

فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا الْكَفَاءَةُ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ مِنْ الْأَخِ، وَالْعَمِّ، وَنَحْوُهُمَا الصَّغِيرُ، وَالصَّغِيرَةُ، وَفِي إنْكَاحِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ اخْتِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ صَاحِبَيْهِ.

وَأَمَّا الطَّوْعُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ النِّكَاحِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَيَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ عِنْدَنَا.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٩ - مسألة؛ قال: (وليس هذا لغير الأب)

١١١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَبِ)

يعنى ليس لغيرِ الأبِ إجْبارُ كبيرةٍ، ولا تزويجُ صغيرةٍ، جَدًّا كان أو غيرَه. وبهذا قال مالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، والثَّوْرىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وبه قال الشافعىُّ، إلا فى الجَدِّ، فإنَّه جَعَلَه كالأبِ؛ لأنَّ وِلايَتَه وِلايةُ إيلادٍ، فمَلَكَ إجْبارَها كالأبِ. وقال الحسنُ، وعمرُ ابن عبد العزيز، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، وقتادةُ، وابنُ شُبْرُمةَ ، والأوْزَاعىُّ، وأبو حنيفةَ: لغيرِ الأبِ تزْويجُ الصغيرةِ، ولها الخِيَارُ إذا بَلَغتْ. وقال هؤلاء غيرَ أبى حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصغيرَيْنِ غيرُ الأبِ، فلهما الخيارُ إذا بَلَغا. قال أبو الخَطَّاب: وقد نَقَلَ عبدُ اللَّه، عن أبِيه، كقولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . فمَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخَفْ، فله تَزْويجُ اليَتِيمةِ، واليتيمُ مَنْ لم يَبْلُغْ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ" . قال عُرْوةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللَّه تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى} . فقالت: يا ابنَ أُخْتِى، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ فى حِجْرِ وَليِّها، فيَشْرَكُها فى مالِها، ويُعْجِبُه مالُها وجَمالُها ، فيُرِيدُ أن يَتَزَوجَها بغير أن يُقْسِطَ فى صَدَاقِها، فيُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلا أن يُقْسِطُوا فيهنَّ، ويَبْلُغُوا أعْلَى سُنَّتِهِنَّ فى الصَّدَاقِ. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه وَلِىٌّ فى النِّكاحِ، فمَلَكَ التَّزْويجَ كالأبِ. ولَنا، قولُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 562 - 565

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله