رابعا -من أسباب ولاية النكاح-: الوصية

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > رابعا -من أسباب ولاية النكاح-: الوصية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

رابعا -من أسباب ولاية النكاح-: الوصية - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا انقرَضَ العَصبةُ مِنْ النَّسبِ فوَليُّها المَولَى المُعتِقُ ثمَّ عصَباتُه الأقرَبُ فالأقرَبُ …

ثم قال: ويُعتبَرُ في ولائِه شَرطانِ:

أحَدُهما: عَدمُ العصَبةِ مِنْ النَّسبِ؛ لأنَّ المناسِبَ أقرَبُ مِنْ المُعتِقِ وأَولى منه.

والثَّاني: إذنُ الزَّوجةِ؛ لأنها حرَّةٌ، وليسَتْ له وِلايةُ إجبارٍ، فإنه أبعَدُ العصَباتِ، ولا يَفتقرُ إلى إذنِ مَولاتِها؛ لأنها لا وِلايةَ لها ولا مِلكَ (١).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: والمُعتَقةُ إذا كانَ لها عصَبةٌ زوَّجَها وليُّها مِنْ عصَبتِها، وإنْ لم يَكنْ لها وليٌّ مِنْ العصَبةِ زوَّجَها مُعتِقُها، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (٢).

رابعًا -مِنْ أسبابِ وِلايةِ النكاحِ-: الوَصيةُ:

تَثبتُ وِلايةُ النكاحِ لوَصيِّ الأبِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ.

قالَ المالِكيةُ: تَثبتُ الوِلايةُ لوَصيِّ الأبِ عندَ عدمِ الأبِ، وله الجبْرُ فيما للأبِ فيه جبْرٌ.

ومَحلُّه إنْ عيَّنَ له الأبُ الزوجَ بأنْ قالَ له: «زوِّجْها مِنْ فُلانٍ»، فله جبْرُها عليه فقطْ دونَ غيرِه إنْ بذَلَ مهْرَ المثلِ، بخِلافِ الأبِ له جبْرُها مُطلَقًا.

(١) «المغني» (٧/ ١٩)، و «الكافي» (٣/ ١٢).
(٢) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٦٤) رقم (٢١٣٧).

أو أمَرَه الأبُ بالجبْرِ بأنْ قالَ: «اجبُرْها» وما في مَعناهُ ولو ضِمنًا كما لو قالَ له: «زوِّجْها قبلَ البلوغِ وبعدَه، أو على أيِّ حالةٍ شِئتَ».

أو أمَرَه بالنكاحِ ولم يُعيِّنْ له الزوجَ ولا الإجبارَ بأنْ قالَ لهُ: «زوِّجْها، أو أنكِحْها، أو زوِّجْها ممَّن أحبَبْتَ، أو لِمَنْ تَرضاهُ» فلهُ الجبْرُ، ومُقابِلُه لا يعوَّلُ عليه ك: «أنتَ وَصيِّي على بنتِي، أو بناتي، أو على بُضعِها أو بُضعهنَّ فله الجبْرُ على الأرجَحِ عندَ بعضِهم، وقالَ بعضُهم: النقلُ يفيدُ أرجَحيَّةَ عدمِ الجبْرِ لقولِ أبي الحسَنِ: بخِلافِ «وصيِّي فقط أو وصيِّي على بُضعِ بناتِي، أو على تَزويجِهنَّ» فلا جبْرَ.

والقِياسُ أنه لا يُزوِّجُها إلَّا بعدَ البلوغِ، وقالَ غيرُه: له الجبْرُ.

حاصِلُ المَسألةِ: أنَّ الأبَ إذا قالَ للوصيِّ: «أنتَ وصيِّي على بُضعِ بناتِي، أو على نكاحِ بناتي، أو على تَزويجِهنَّ، أو وَصيِّي على بنتِي تزوِّجُها ممَّن أحبَبْتَ» له الجبْرُ على الرَّاجحِ، وإنْ لم يَذكرْ شَيئًا مِنْ النكاحِ أو التزويجِ أو البُضعِ فالرَّاجحُ عدمُ الجبْرِ، كما إذا قالَ: «أنتَ وصيِّي على بَناتي، أو على بعضِ بَناتي، أو على بِنتي فُلانةَ»، وأمَّا لو قالَ: «أنتَ وصيِّي فقط، أو على مالي، أو بَيعِ تَركَتي، أو قَبضِ دَيني» فلا جبْرَ اتفاقًا، فلو زوَّجَ جبْرًا في هذه الصورةِ فاستَظهرَ الأجهورِيُّ الإمضاءَ، وتوقَّفَ فيه النَّفراويُّ، وأمَّا إنْ زوَّجَ بلا جبْرٍ صَحَّ بلا خِلافٍ (١).

(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٣٨، ٤٣٩)، و «الاستذكار» (٥/ ٣٩٣).

وقالَ القاضي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: وَصيةُ الأبِ على إنكاحِ البكرِ تَصحُّ ويَملكُ الوصيُّ بها عقْدَ النكاحِ بإذنها، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لحَديثِ قُدامةَ بنِ مَظعونٍ لمَّا قالَ: أنا عَمُّها ووَصيٌّ منها، فقالَ : «إنَّها يَتيمةٌ، لا تُنكَحُ إلا بإذنِها» (١)، مَوضعُ التعلُّقِ أنه ذكَرَ السبَبَ الذي اعتَقدَ أنه يَملكُ به أنْ يَعقدَ، وهو كَونُه عَمًّا ووَصيًّا، فلمْ يُنكرْ عليه ولا قالَ: ليسَ للوصيِّ أنْ يَعقدَ نكاحَها، بل عدَلَ إلى أنْ علَّلَ منْعَ العقدِ بمعنًى يَرجعُ إلى حالِها، وهو اليُتْمُ، لا إلى صِفةِ الوليِّ، فدلَّ على ما قُلناه، ولأنها ولايةٌ كانَتْ ثابتةً للأبِ حالَ حياتِه، فكانَ له نَقلُها إلى مَنْ يَختارُ حالَ وفاتِه كولايةِ المالِ، ولأنها تَوليةٌ مِنْ الأبِ في إنكاحِ مَنْ يَلي عليه كالوكيلِ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: وَصيُّ كلِّ واحدٍ مِنْ الأولياءِ في النكاحِ بمَنزلتِه؛ لقِيامِه مَقامَه، فتُستفادُ ولايةُ النكاحِ بالوَصيةِ إذا نَصَّ له على التزويجِ، مُجبِرًا كانَ الوليُّ كأبٍ أو غيرَ مُجبِرٍ كأخٍ لغيرِ أمٍّ وكذا عَمٍّ وابنِه؛ لأنها وِلايةٌ ثابتةٌ

(١) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٥٤٦) عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «زوَّجَنِي خالِي قُدامةُ بنُ مَظعونٍ بنتَ أخيهِ عُثمانَ بنِ مَظعونٍ، فدخَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ على أمِّها فأرغَبَها في المالِ وخطَبَها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ فقالَ قُدامةُ: يا رسولَ اللَّهِ ابنةُ أخي وأنا وَصيُّ أبيها ولمْ أُقصِّرْ بها، زوَّجتُها مَنْ قد عَلِمْتُ فضْلَه وقَرابتَه، فقالَ رسولُ اللَّهِ : «إنها يَتيمةٌ واليتيمةُ أَولى بأمرِها»، فنُزعَتْ منِّي وزوَّجَها المُغيرةِ بنَ شُعبةَ.
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٩٣) رقم (١١٢٧).

للوليِّ، فجازَتْ وَصيتُه بها كولايةِ المالِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يَستنيبَ فيها في حياتِه ويكونَ نائبُه قائمًا مَقامَه، فجازَ أنْ يَستنيبَ فيها بعدَ موتِه.

وصِفةُ الإيصاءِ أنْ يقولَ الأبُ لمَن اختارَه: «أوصَيْتُ إليكَ بنكاحِ بَناتي، أو جَعلتُكَ وصيًّا في نكاحِ بناتي» كما يَقولُ في المالِ: «وصيْتُ إليكَ بالنظرِ في أموالِ أولادِي» فيَقومُ الوَصيُّ مَقامَ المُوصِي مُقدَّمًا الوصيُّ على مَنْ يُقدَّمُ عليه المُوصِي، فإنْ كانَ الوليُّ له الإجبارُ كأبِي البكرِ فذلكَ الإجبارُ لوَصيِه، فيُجبِرُ وصيُّ الأبِ مَنْ يُجبِرهُ الأبُ مِنْ ذكَرٍ وأنُثى؛ لقِيامِه مَقامَ الأبِ، وإنْ كانَ الوليُّ ليسَ مُجبِرًا كأبِي ثيِّبٍ تمَّ لها تِسعُ سِنينَ وأخيها وعَمِّها ونحوِه ممَّن يَحتاجُ إلى إذنِها فوَصيُّه كذلكَ يَحتاجُ إلى إذنِها كَوكيلِه، ولا خِيارَ لمَن زوَّجَه الوَصيُّ ذكَرًا كانَ أو أنثَى إذا بلَغَ؛ لأنَّ الوَصيَّ قامَ مَقامَ المُوصِي، فلم يَثبتْ في تَزويجِه خِيارٌ كالوكيلِ.

وأمَّا الوَصيُّ في المالِ فيَملكُ تَزويجَ أمَةِ مَنْ يَملكُ النظرَ في مالِه نصًّا؛ لأنها مِنْ جُملةِ المالِ الذي يَنظرُ فيه.

وكذا إذا وصَّى إليه بالنظرِ في أمرِ أولادِه الصِّغارِ لم يَملكْ تَزويجَ أحَدِهم.

وقيلَ: ليسَ للوصيِّ أنْ يُجبِرَ، فلا يزوِّجُ مَنْ لا إذنَ لها.

وعن الإمامِ أحمَدَ: لا تُستفادُ ولايةُ النكاحِ بالوَصيةِ؛ لأنها ولايةٌ لها مَنْ يَستحقُّها بالشَّرعِ، فلمْ يَملكْ نقْلَها بالوَصيةِ كالحَضانةِ.

وعنهُ: لا تُستفادُ بالوَصيةِ إذا كان للمُوصِي عَصبةٌ فإنْ لم يكنْ له صحَّتْ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: واختَلفَتِ الروايةُ عن أحمدَ رحمة الله عليه، هل تُستفادُ الولايةُ في النكاحِ بالوَصيةِ؟ فرُويَ أنها تُستفادُ بها، وهو اختِيارُ الخِرقيِّ؛ لقولِه: «أو وَصَّى ناظِرًا له في التَّزويجِ»، وهو قَولُ الحسَنِ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ ومالكٍ.

وعنهُ: لا تُستفادُ بالوَصيةِ، وبه قالَ الثَّوريُّ والشعبيُّ والنخَعيُّ والحارِثُ العُكليُّ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ وابنُ المنذِرِ؛ لأنها ولايةٌ تَنتقلُ إلى غيرِه شرعًا، فلمْ يَجُزْ أنْ يُوصيَ بها كالحضانةِ، ولأنه لا ضرَرَ على الوَصيِّ في تَضييعِها ووَضعِها عندَ مَنْ لا يُكافِئُها، فلمْ تَثبتْ له الوِلايةُ كالأجنبيِّ، ولأنها وِلايةُ نكاحٍ، فلمْ تَجُزِ الوصيةُ بها كوِلايةِ الحاكمِ.

وقالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: إنْ كانَ لها عصَبةٌ لم تَجُزِ الوصيةُ بنكاحِها؛ لأنه يَسقطُ حَقُّهم بوَصيتِه، وإنْ لم يَكنْ عصَبةٌ جازَ؛ لعَدمِ ذلكَ.

ولنَا: إنها ولايةٌ ثابتةٌ للأبِ، فجازَتْ وَصيتُه بها كولايةِ المالِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يَستنيبَ فيها في حياتِه فيكونَ نائبَه قائمًا مَقامَه بعدَ موتِه، فجازَ أنْ يَستنيبَ فيها كولايةِ المالِ، وما ذَكرُوه يَبطلُ بوِلايةِ المالِ، فَعلى هذا لا

(١) «المغني» (٧/ ٣٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «المبدع» (٧/ ٤٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٨٥، ٨٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٢، ٦٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٢).

يَصيرُ وَصيًّا في النكاحِ بالوصيةِ إليهِ في المالِ؛ لأنها إحدَى الوِلايتَينِ، فلمْ يَملكْها بالوصيةِ كالوصيةِ الأخرى؛ قِياسًا على وَصيةِ المالِ لا تُملَكُ بالوصيةِ في النكاحِ.

فصلٌ: فَعلى هذا تَجوزُ الوَصيةُ بالنكاحِ مِنْ كُلِّ ذي وِلايةٍ، سَواءٌ كانَ مُجبِرًا كالأبِ أو غيرَ مُجبِرٍ كغيرِه، ووَصيُّ كلِّ وليٍّ يَقومُ مَقامَه، فإنْ كانَ الوليُّ له الإجبارُ فكذلكَ وصيُّه، وإنْ كانَ يَحتاجُ إلى إذنِها فوصيُّه كذلكَ؛ لأنه يَقومُ مَقامَه، فهو كالوكيلِ.

وقالَ مالكٌ: إنْ عيَّنَ الأبُ الزَّوجَ ملَكَ الوصيُّ إجبارَهَا، صَغيرةً كانَتْ أو كبيرةً، وإنْ لم يُعيِّنِ الزوجَ وكانَتِ ابنَتُه كبيرةً صحَّتِ الوصيةُ واعتُبِرَ إذنُها، وإنْ كانَتْ صَغيرةً انتَظرْنا بُلوغَها، فإذا أَذِنَتْ جازَ أنْ يزوِّجَها بإذنِها.

ولنَا: إنَّ مَنْ ملَكَ التزويجَ إذا عُيِّنَ له الزوجُ ملَكَ مع الإطلاقِ كالوكيلِ، ومتَى زوَّجَ وكيلُ الأبِ الصغيرةَ فبلَغَتْ فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوصيَّ قائمٌ مَقامَ المُوصِي، فلم يَثبتْ في تَزويجِه خِيارٌ كالوكيلِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَصيَّ لا تَثبتُ له وِلايةٌ.

قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للوَصيِّ وِلايةُ الإنكاحِ؛ لقولِ النبيِّ :

(١) «المغني» (٧/ ١٥، ١٦).

«لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ» (١)، والوصيُّ ليسَ بوليٍّ، ولأنه يتصرَّفُ بالأمرِ، فلا يَعدُو مَوضعَ الأمرِ كالوكيلِ، وإنْ كانَ المَيتُ أوصَى إليهِ لا يَملكُ أيضًا؛ لأنه أرادَ بالوِصايةِ إليه نقْلَ ولايةِ الإنكاحِ، وأنها لا تَحتملُ النقلَ حالَ الحياةِ، كذا بعدَ المَوتِ.

وأيضًا: فإنَّ السبَبَ الذي به يَستحقُّ الولايةَ في النكاحِ هو النسَبُ، وذلكَ لا يَصحُّ النقلُ فيهِ، ولا يَستحقُّه الوصيُّ؛ لعَدمِ السبَبِ الذي به يَستحقُّ الوِلايةَ، وليسَ التصرُّفُ في المالِ بعدَ الموتِ كالتصرُّفِ في النكاحِ؛ لأنَّ المالَ يَصحُّ النقلُ فيهِ والنكاحَ لا يَصحُّ النقلُ فيهِ إلى غيرِ الزَّوجينِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يكونَ للوصيِّ ولايةٌ فيهِ.

وليسَ الوَصيُّ كالوكيلِ في حالِ حياةِ الأبِ؛ لأنَّ الوكيلَ يتصرَّفُ بأمرِ المُوكِّلِ، وأمرُه باقٍ؛ لجوازِ تصرُّفِه، وأمرُ المَيتِ مُنقطِعٌ فيما لا يَصحُّ فيه النقلُ وهو النكاحُ، فلذلكَ اختَلفَا.

فالنكاحُ إلى العصَباتِ، والوَصيُّ ليسَ بعَصبةٍ إذا لم يَكنْ مِنْ قرابتِه، فهو كسائرِ الأجانبِ في التَّزويجِ، وإنْ كانَ الوصيُّ مِنْ القرابةِ بأنْ كانَ عَمًّا أو غيرَه فله وِلايةُ التزويجِ بالقَرابةِ لا بالوِصايةِ، فلو عيَّنَ المُوصِي في حياتِه رَجلًا فزوَّجَ الوصيُّ المرأةَ مِنْ ذلكَ الرجلِ في حياةِ المُوصِي فهو وكيلٌ لا وصيٌّ، وإنْ زوَّجَها منه بعدَ موتِ المُوصِي فقد بطَلَتِ الوكالةُ بالمَوتِ

(١) تقدَّمَ تَخريجُه.

وانتقَلَتِ الولايةُ للحاكمِ عندَ عدمِ قَريبٍ، إلَّا إذا كانَ الوصيُّ قَريبًا أو حاكِمًا فإنه يَملكُ التزويجَ بالوِلايةِ إنْ لم يَكنْ أحَدٌ أَولى منه.

قالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وكذلكَ إنْ كانَا -الصَّغيرُ والصغيرةُ- في حِجْرِ رَجلٍ يَعولُهما فحالُ هذا الرَّجلِ دونَ حالِ الوصيِّ، فلا يَثبتُ له وِلايةُ التزويجِ، ولأنَّ مَنْ يَعولُ الصغيرَ إنما يَملكُ عليه ما يَتمحَّضُ مَنفعةً للصغيرِ كالحِفظِ وقَبولِ الهِبةِ والصدَقةِ، والنكاحُ ليسَ بهذهِ الصفةِ (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: ليسَ للوصيِّ ولايةُ التزويجِ وإنْ فوَّضَ إليه المُوصِي؛ إذْ ليسَ له قَرابةٌ تَدعوهُ إلى الشَّفقةِ والنظرِ، ولا حَظَّ له في الكَفاءةِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفوا في الوَصيِّ:

فقالَ مالكٌ: يكونُ الوصيُّ وليًّا، ومنَعَ ذلك الشافعيُّ.

وسَببُ اختِلافِهم هل صِفةُ الولايةِ ممَّا يُمكِنُ أنْ يُستنابَ فيها؟ أم ليسَ يُمكنُ ذلكَ؟ ولهذا السبَبِ بعَينِه اختَلفُوا في الوكالةِ في النكاحِ، لكنَّ الجُمهورَ على جوازِها إلَّا أبا ثَورٍ، ولا فرْقَ بينَ الوكالةِ والإيصاءِ؛ لأنَّ الوصيَّ وكيلٌ بعدَ الموتِ، والوَكالةُ تَنقطعُ بالمَوتِ (٣).

(١) «المبسوط» (٤/ ٣٣٣)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٤٥)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٤، ٥٥).
(٢) «الوسيط» (٦/ ٧٥)، و «المهذب» (١/ ٤٤٩).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ١٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح

فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات)

قال: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال: "الأيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا" . ورَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لَيْسَ لِلْوَلِىِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ" . رَواهما النَّسَائِىُّ وأبو دَاودَ . ولأنَّها رَشِيدةٌ عالمةٌ بالمَقْصودِ من النِّكاحِ مُخْتَبرةٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُها عليه، كالرَّجُلِ. القسم الثانى، الثَّيِّبُ الصغيرةُ، وفى تزْوِيجِها وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ تَزْوِيجُها، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ. واخْتِيارُ ابن حامدِ، وابنِ بَطَّةَ، والقاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ الإجْبارَ يَخْتَلِفُ بالبَكارَةِ والثُّيُوبةِ، لا بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وهذه ثَيِّبٌ، ولأنَّ فى تَأْخِيرِها فائِدَةً، وهو أن تَبْلُغَ فتَخْتارَ لِنَفْسِها ويُعْتَبَرَ إذْنُها، فوَجَبَ التَّأْخيرُ، بخِلافِ البِكْرِ. الوَجْه الثانى، أن لأَبِيها تَزْوِيجَها، ولا يَسْتَأْمِرُها. اختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّها صغيرةٌ، فجاز إجْبارُها كالبِكْرِ والغُلامِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّها لا تَزِيدُ بالثُّيُوبةِ على ما حصل للغُلامِ بالذُّكُورِيَّةِ، ثم الغُلامُ يُجْبَرُ إذا كان صغيرًا، فكذا هذه، والأخبارُ محمولةٌ على الكبيرةِ، فإنه جَعَلَها أحَقَّ بنَفْسِها من وَلِيِّها، والصغيرةُ لا حَقَّ لها. ويتَخَرّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ ابْنةَ تِسْعِ سِنِين يُزَوِّجُها وَلِيُّها بإذْنِها، ومَن دُونَ ذلك، على ما ذكَرْنا من الخِلافِ؛ لما ذكرنا فى البِكْرِ. واللَّه أعلم.

١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ)

أمَّا الثَّيِّبُ، فلا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فى أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللسانَ

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]

عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.

(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ

ــ

منح الجليل

لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ

(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 430 - 437

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله