عدم الإحرام: ألا يكون أحد الزوجين محرما بحج أو عمرة

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > عدم الإحرام: ألا يكون أحد الزوجين محرما بحج أو عمرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 43 دقيقة قراءة

عدم الإحرام: ألا يكون أحد الزوجين محرما بحج أو عمرة - الأقوال والأدلة

٧ - وعَدمُ الإحرامِ: ألا يَكونَ أحَدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجينِ، هل يُشترطُ أنْ يكونَ كلٌّ منهُما خاليًا مِنْ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ أنْ يعقدَ النكاحُ ولوكانا مُحرِمَينِ أو أحَدُهما مُحرِمًا والآخَرُ حلالًا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ والوَليِّ عدمُ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ رضي الله عنه يقولُ: قالَ رَسولَ اللهِ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطبُ» (١).

ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داوُدَ بنِ الحُصَينِ أنَّ أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المِرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ فرَدَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ نِكاحَه (٢).

٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٣).

(١) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٣).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٤).

٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (١).

وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٢).

ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ، ولأنهُ عَقدٌ يَمنعُ الإحرامُ مِنْ مَقصودِه، فمُنعَ أصلُه كشِراءِ الصَّيدِ.

قالَ المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ؛ لقولِ النبيِّ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ.

وله أنْ يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ.

وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما

(١) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٥).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨٩٤٩).

مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (١).

وقال الشافعية: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» (٢)، والكافُ مَكسورةٌ فيهِما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني.

وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (٣).

ولا يَنقلُ الإحرامُ الوِلايةَ للأبعَدِ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يَسلبُ الولايةَ؛ لبَقاءِ الرُّشدِ والنظرِ، وإنما يَمنعُ النكاحَ كما يَمنعَه إحرامُ الزَّوجِ أو الزوجةِ.

فيُزوِّجُ السُّلطانُ عندَ إحرامِ الوليِّ لا الأبعَدُ؛ لأنَّ تأثيرَ الإحرامِ يَمنعُ الانعقادَ مع بقاءِ الولايةِ؛ لبقاءِ الرُّشدِ والنظرِ.

(١) «شرح صحيح البخاري» (٤/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «التمهيد» (٢/ ١٥٦، ١٥٧)، و «الاستذكار» (٤/ ١١٧، ١١٨)، و «عيون المسائل» (٢٦٦)، و «الجامع لمسائل المدونة» (٩/ ٢٦٠)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٩٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٢٢)، و «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني (٢/ ٤١).
(٢) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٣) رواه الدارقطني (٣٦٩٥).

والثَّاني: يَنقلُ للأبعدِ كالجُنونِ، ورجَّحَه في «المَطلَب».

وَكما لا يَصحُّ نِكاحُ المُحرمِ لا يَصحُّ إذنُه لعبدِه الحَلالِ في النكاحِ، ولا إذنُ المُحرمةِ لعبدِها فيه على الأصَحِّ في المَجمُوع.

ويَجوزُ أنْ تُزَفَّ إلى المُحرمِ زَوجتُه التي عقَدَ عليها قبلَ إحرامِه، وأنْ تُزفَّ المُحرمةُ إلى زَوجِها الحَلالِ والمُحرمِ.

ويَنعقدُ النكاحُ بشَهادةِ المُحرمِ؛ لأنه ليسَ بعاقِدٍ ولا مَعقودٍ عليهِ، لكنَّ الأَولى أنْ لا يَحضرَ، وتَصحُّ رَجعتُه؛ لأنها استِدامةٌ كالإمساكِ في دَوامِ النكاحِ.

ولو أحرَمَ الوليُّ أو الزَّوجُ بعدَ تَوكيلِه التَّزويجَ فعقَدَ وكيلُهُ الحَلالُ لم يَصحَّ العقدُ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملكُه، ففَرعُه أَولى، وأيضًا الوَكيلُ في النكاحِ سَفيرٌ مَحضٌ، فكأنَّ العاقِدَ هو المُوكِّلُ، ولا يَنعزلُ الوَكيلُ بإحرامِ مُوكِّلِه، فيَعقدُ بعدَ التَّحلُّلِ.

ولو عقَدَ الوكيلُ واختَلفَ الزَّوجانِ هل وقَعَ قبلَ الإحرامِ أو بعدَه؟ صدِّقَ مدَّعِي الصحَّةِ بيَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ في العُقودِ الصحةُ.

ولو وكَّلَ مُحرِمٌ حَلالًا في تزويجِه أو أَذِنتْ مُحرِمةٌ لوليِّها أنْ يزوِّجَها صحَّ، سَواءٌ أقالَ كلٌّ: لتُزوِّجْ بعدَ التَّحللِ أم أطلَقَ؛ لأنَّ الإحرامَ إنما يَمنعُ الانعِقادَ دونَ الإذنِ، وإنْ شرَطَ صُدورَ العقدِ في الإحرامِ لم يَصحَّ التَّوكيلُ ولا الإذنُ.

ولو وكَّلَ حلالٌ مُحرِمًا ليُوكِّلَ حلالًا في التَّزويجِ صَحَّ؛ لأنه سَفيرٌ مَحضٌ.

ولا خِلافَ أنَّ وكيلَ المُصلِّي يُزوِّجُ، بخِلافِ وَكيلِ المُحرِمِ؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ، حتَّى لو زوَّجَها في صلاتِه ناسِيًا صَحَّ النكاحُ والصَّلاةُ، بخِلافِ المُحرِمِ لو تزوَّجَ ناسيًا للإحرامِ لم يَصحَّ نكاحُه؛ لأنَّ عِبارةَ المُحرمِ غيرُ صَحيحةٍ وعبارةَ المُصلِّي صَحيحةٌ (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ذكَرَ مُسلمٌ الاختلافَ أنَّ النبيَّ تزوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرمٌ أو وهو حَلالٌ؟ فاختَلفَ العُلماءُ بسَببِ ذلكَ في نِكاحِ المُحرمِ.

فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهُم: لا يَصحُّ نكاحُ المُحرمِ، واعتَمدُوا أحادِيثَ البابِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ والكُوفيُّونَ: يَصحُّ نِكاحُه؛ لحَديثِ قِصةِ مَيمونةَ.

وأجاب الجُمهورُ عن حَديثِ مَيمونةَ بأجوَبةٍ:

أصَحُّها: أنَّ النبيَّ إنَّما تزوَّجَها حَلالًا، هكذا رَواهُ أكثَرُ الصَّحابةِ، قالَ القاضي وغيرُه: ولمْ يَرْوِ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا إلَّا ابنُ عبَّاسٍ وحْدَه، ورَوَتْ مَيمونةُ وأبو رافِعٍ وغيرُهما أنه تزوَّجَها حَلالًا، وهمْ أعرَفُ بالقَضيةِ؛ لِتَعلُّقِهم به، بخِلافِ ابنِ عبَّاسٍ، ولأنهم أضبَطُ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ

(١) «الحاوي الكبير» (٤/ ١٢٤، ١٢٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٥، ٧٠٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٣، ٩٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦١، ٢٦٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦١١، ٦١٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٧٨، ٢٧٩).

وأكثَرُ.

الجَوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ:

قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … ......................................

أي: في حَرمِ المَدينةِ.

والثالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليه.

والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابنا أنَّ النبيَّ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ.

وأمَّا قولُه : «ولا يُنكِحُ» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالأبِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ

الخاصَّةِ.

واعلَمْ أنَّ النهيَ عن النكاحِ والإنكاحِ في حالِ الإحرامِ نهيُ تَحريمٍ، فلو عقَدَ لم يَنعقدْ، سواءٌ كانَ المُحرمُ هو الزوجُ أو الزوجةُ أو العاقِدُ لهُما بوِلايةٍ أو وَكالةٍ، فالنكاحُ باطلٌ في كلِّ ذلكَ، حتَّى لو كانَ الزَّوجانِ والوليُّ مُحِلَّينِ ووكَّلَ الوليُّ أو الزوجُ مُحرِمًا في العقد لم يَنعقدْ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ قالَ: (ولا يَتزوَّجُ المُحرمُ ولا يزوِّجُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطلٌ).

قولُه: (لا يتزوَّجُ) أي: لا يَقبلُ النكاحَ لنَفسِه، (ولا يُزوِّجُ) أي: لا يكونُ وليًّا في النكاحِ ولا وَكيلًا فيهِ، ولا يَجوزُ تَزويجُ المُحرِمةِ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وابنِه وزَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنهم، وبه قالَ سعيدُ بنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ والزُّهريُّ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ.

وأجازَ ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه عَقدٌ يَملكُ به الاستِمتاعَ، فلا يُحرِّمُه الإحرامُ كشِراءِ الإماءِ.

ولنا: ما رَوى أبانُ بنُ عُثمانَ عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مُسلمٌ، ولأنَّ الإحرامَ يُحرِّمُ الطِّيبَ، فيُحرِّمُ النكاحَ كالعدَّةِ.

(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٤، ١٩٥).

فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ.

وعن أبي رافِعٍ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ.

وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه: «وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا.

وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ.

ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ.

فَصلٌ: ومتَى تزوَّجَ المُحرِمُ أو زوَّجَ أو زوِّجَتْ مُحرِمةٌ فالنكاحُ باطلٌ، سَواءٌ كانَ الكلُّ مُحرِمينَ أو بعضُهم؛ لأنه مَنهيٌّ عنه، فلمْ يَصحَّ كنكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها.

وعن أحمَدَ: إنْ زوَّجَ المُحرِمُ لم أفسَخِ النكاحَ.

قالَ بعضُ أصحابِنا: هذا يَدلُّ على أنه إذا كانَ الوليُّ بمُفرَدِه أو الوكيلُ مُحرِمًا ما لم يَفسدِ النكاحُ، والمَذهبُ الأولُ، وكَلامُ أحمدَ يُحملُ على أنه لا يَفسخُه لكَونِه مُختلَفًا فيه.

قالَ القاضي: ويُفرَّقُ بينَهُما بطَلقةٍ.

وهكذا كُلُّ نكاحٍ مُختلَفٍ فيه، قال أحمَدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: إذا تزوَّجَتْ بغيرِ وليٍّ لم يَكنْ للوليِّ أنْ يزوِّجَها مِنْ غيرِه حتَّى يُطلِّقَ.

ولأنَّ تَزويجَها مِنْ غيرِ طَلاقٍ يُفضِي إلى أنْ يَجتمعَ للمَرأةِ زَوجانِ، كلُّ واحِدٍ منهُما يَعتقدُ حِلَّها (١).

وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: المُحرمُ إذا تَزوَّجَ لنَفسِه أو عقَدَ النكاحَ لغيرِه ككَونِه وليًّا أو وكيلًا فإنه لا يَصحُّ؛ لقَولِ النبيِّ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مسلمٌ.

وإنْ عقَدَ الحلالُ نِكاحًا لمُحرمٍ بأنْ يكونَ وَكيلًا له أو وليًّا عليه أو عقَدَه على مُحرِمةٍ لم يَصحَّ؛ لدُخولِه في عُمومِ الحديثِ؛ لأنه إذا تزوَّجَ له وكيلُه فقدْ

(١) «المغني» (٣/ ١٥٧، ١٥٨)، و «الكافي» (١/ ٤٠٢).

نكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرمِ وليًّا لغيرِه رِوايتينِ:

إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختِيارُ الخِرقيِّ.

والثانيةُ: تَصحُّ، وهي اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النكاحَ حرِّمَ على المُحرِمِ؛ لأنه في دَواعِي الوَطءِ المُفسِدِ للحَجِّ، ولا يَحصلُ ذلكَ فيه بكَونِه وليًّا لغيرِه.

والأولُ أَولى؛ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنه عَقدٌ لا يَصحُّ للمُحرمِ، فلا يَصحُّ منه كشِراءِ الصَّيدِ (١).

(١) «المغني» (٧/ ١٤٠)، و «الكافي» (١/ ٤٠٢)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٣٤٥)، وقالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فقدْ روَى ابنُ عباسٍ: «أنَّ النبيَّ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» رواهُ الجَماعةُ، وفي روايةٍ للبخاريِّ: «وبنَى بها وهو حَلالٌ وماتَتْ بسَرفٍ»، وللبخاريِّ تعليقًا: «تزوَّجَ النبيُّ في عُمرَةِ القَضاءِ مَيمونةَ وهو حَلالٌ وماتَتْ بسَرفٍ»، وفي روايةٍ للنَّسائيِّ: «جعَلَتْ أمْرَها إلى العبَّاسِ فأنكَحَها إياهُ»، وفي رِوايةٍ عن عكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النبيَّ تزوَّجَ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ وهُمَا مُحرِمانِ» رواهُ أحمدُ مِنْ حديثِ حمَّادِ بنِ سَلمةَ عن حُميدٍ عنه.
وعن الشعبيِّ وعطاءٍ وعكرمةَ: «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، ولفظُ الشعبيِّ: «احتَجَمَ وهو مُحرمٍ، وتزوَّجَ الهِلاليةَ وهو مُحرِمٌ» رواهُنَّ سعيدٌ.
وعن أبي هُريرةَ وعائشةَ وعن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه كانَ لا يَرَى به -يعنِي بنكاحِ المُحرِمِ- بأسًا ويُحدِّثُ: «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ وهو مُحرِمٌ بسَرفٍ، وبنَى بها لمَّا رجَعَ بذلكَ الماءِ» رواهُ سعيدُ بن أبي عَروبةَ عن يَعلى بنِ خليفةَ عنه.
ويؤيِّدُ ذلكَ أنَّ النبيَّ اعتَمرَ عُمرةَ القَضيةِ مِنْ ذِي الحُليفةِ، فإنه لم يُجزِها بغيرِ إحرامٍ قطُّ، وكانَتْ مَيمونةُ بمكَّةَ، وقد رُوي أنه قالَ لأهلِ مكةَ: «دَعُوني أُعرسْ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بينَكم لتَأكُلوا مِنْ وَليمتِها، فقالُوا: لا حاجةَ لنا في وَليمتِكَ فاخرجْ مِنْ عندِنا، فخرجَ حتَّى أتى سَرفًا وأعرَسَ بها». قيلَ عنه أجوبةُ أحَدُها: أنه قد روَى يزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ: «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَها وهي حَلالٌ، قالَ: وكانَتْ خالَتِي وخالةَ ابنِ عباسٍ» رواهُ مسلمٌ وابنُ ماجه، وفي روايةٍ لأحمدَ والتِّرمذيِّ والبرقانِيِّ عن يزيدَ عن مَيمونةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ تزوَّجَها حلالًا، وبنَى بها حَلالًا، وماتَتْ بسَرفٍ، فدفَنَّاها في الطَّلحةِ التي بنَى بها فيها»، وفي روايةٍ لأبي داودَ: «تزوَّجَني ونحنُ حَلالانِ بسَرفٍ».
وعن أبي رافعٍ مولَى رسولِ اللهِ : «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَ مَيمونةَ حَلالًا، وبنَى بها حَلالًا، وكنتُ الرَّسولَ بينَهما» رواهُ أحمَدُ والتِّرمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ، ولا نعلمُ أحدًا أسنَدَه غيرَ حمَّادِ بنِ زيدٍ عن مطرٍ، ورواه مالكٌ عن رَبيعةَ عن سُليمانَ أنَّ النبيَّ .. مُرسَلًا، ورواه سليمانُ بنُ بلالٍ عنَ ربيعَة مُرسلًا، وهذهِ الروايةُ مقدَّمةٌ على روايةِ ابنِ عباسٍ لوُجوهٍ:
أحدُها: أنها هي المنكوحةُ وهي أعلَمُ بالحالِ التي تزوَّجَها رسولُ اللهِ فيها هل كانَتْ في حالِ إحرامِه أو في غيرِها مِنْ ابنِ عبَّاسٍ.
الثاني: أنَّ أبا رافعٍ كانَ الرسولَ بينَهُما، وهو المُباشِرُ للعَقدِ، فهو أعلَمُ بالحالِ التي وقَعَ فيها مِنْ غيرِه.
الثالثُ: أنَّ ابنَ عباسٍ كانَ إذْ ذاكَ صبيًّا له نحوٌ مِنْ عَشرِ سِنينَ، وقد يَخفَى على مَنْ هذهِ سنُّه تفاصيلُ الأمورِ التي جرَتْ في زمَنِه؛ أمَّا أولًا: فلعَدمِ كمالِ الإدراكِ والتَّمييزِ، وأما ثانيًا: فلِأنه لا يُداخِلُ في هذهِ الأمورِ ولا يُباشِرُها، وإنما يَسمعُها مِنْ غيرِه إمَّا في ذلكَ الوقتِ أو بعدَه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الرابعُ: أنَّ السلفَ طَعنُوا في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ هذهِ، فروَى أبو داودَ عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالَ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ في قولِه: «تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ».
وقالَ أحمدُ في روايةِ أبي الحارثِ وقد سُئلَ عن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: هذا الحَديثُ خطأٌ، وقالَ في روايةِ المَرُّوذيِّ: أذهَبُ إلى حديثِ نُبيهِ بنِ وَهبٍ، فقالَ له المروذيُّ: إنَّ أبا ثَورٍ قالَ لي: بأيِّ شَيءٍ تَدفعُ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ؟ فقالَ أبو عبدِ اللهِ: اللهُ المُستعانُ.
قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ: وَهِمَ ابنُ عباسٍ، ومَيمونةُ تقولُ: «تزوَّجَ وهو حَلالٌ»، وقالَ: إنْ كانَ ابنُ عبَّاسٍ ابنَ أختِ مَيمونةَ فيَزيدُ بنُ الأصَمِّ ابنُ أختِ مَيمونةَ، وقالَ أبو رافعٍ: كنتُ السَّفيرَ بينَهُما، وعمرُ بنُ الخطَّابِ يُفرِّقُ بينَهُما، هذا بالمَدينةِ لا يُنكِرونَه.
وقالَ مَيمونُ بنُ مَهرانَ: أرسلَ إليَّ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أنْ سَلْ يزيدَ بنَ الأصَمِّ كيفَ تزوَّجَ رسولُ اللهِ ميمونةَ؟ فسألْتُه فقالَ: «تزوَّجَها وهو حَلالٌ» رواه سعيدٌ، وقالَ عمرُو بنُ دينارٍ: أخبَرتُ الزهريَّ به -يعني بحَديثهِ عن عمرِو بنِ دينارٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ- فقالَ: أخبَرني يزيدُ عن ابنِ الأصَمِّ وهي خالتُه «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَها وهو حَلالٌ» رواه مسلمٌ.
فهذا سعيدُ بنُ المُسيبِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزهريُّ، وهو قولُ أبي بكرِ ابنِ عبدِ الرحمنِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ وعامةِ عُلماءِ المدينةِ، وهُمْ أعلَمُ الناسِ بسنَّةِ ماضيهِ وأبحَثُهم عنها، قد استَبانَ لهم أنَّ الصوابَ روايةُ مَنْ روَى أنه تزوَّجَها حَلالًا، وكذلكَ سُليمانُ بنُ يَسارٍ يقولُ ذلكَ وهو مَولاها.
الخامِسُ: أنَّ الرِّوايةَ بأنه تزوَّجَها حلالًا كثيرونَ، فهيَ منهُم وأبو رافعٍ، وعن مَيمونَ بنِ مَهرانَ عن صفيةَ بنتِ شيبةَ وكانَتْ عَجوزًا «أنَّ النبيَّ ملَكَ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حلالٌ، وخطَبَها وهو حَلالٌ» ذكَرَه القاضي عن ميمونَ بنِ مهرانَ قالَ: أتيْتُ صفيةَ ابنةَ شيبةَ امرأةً كبيرةً فقلتُ لها: أتَزوَّجَ رسولُ اللهِ ميمونةَ وهو مُحرِمٌ؟ قالَتْ: «لا واللهِ، ولقدْ تزوَّجَها وهُمَا حلالانِ» رواهُ ابن أبي خَيثمةَ، ورواه مِنْ التابِعينَ خَلْقٌ كثيرٌ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(١) وأما الروايةُ الأخرى فلمْ تَرِدْ إلا عن ابنِ عبَّاسٍ وعن أصحابِه الذينَ أخَذُوها عنه، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ما أعلَمُ أحدًا مِنْ الصحابةِ رُويَ عنه أنه عليه السلام نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ إلا ابنَ عبَّاسٍ.
وإذا كانَ أحَدُ الخبَرينِ أكثرَ نقَلَةً ورُواةً قُدِّمَ على مُخالِفهِ؛ فإنَّ تطرُّقَ الوَهمِ والخطأِ إلى الواحدِ أولَى مِنْ تطرُّقِه إلى العَددِ، لا سيَّما إذا كانَ العدَدُ أقرَبَ إلى الضَّبطِ وأجدَرَ بمَعرفةِ باطنِ الحالِ.
السادسُ: أنَّ في روايةِ عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ «أنَّ النبيَّ تزوَّجَها وهُمَا مُحرمانِ، وأنَّ عقْدَ النكاحِ كانَ بسرفٍ»، ولا ريبَ أنَّ هذا غلطٌ؛ فإنَّ عامَّةَ أهلِ السِّيَرِ ذكَرُوا أنَّ مَيمونةَ كانتْ قد بانَتْ مِنْ زَوجِها بمكةَ، ولم تكنْ معَ النبيِّ في عُمرَتِه، فإنه لم يَقدمْ بها مِنْ المدينةِ، وإذا كانَتْ مُقيمةً بمكةَ فكيفَ تكونُ مُحرِمةً معه بسَرفٍ؟ أم كيفَ وإنما بعَثَ إليها جعفرَ بنَ أبي طالِبٍ خطَبَها؟ وهو يُوهِنُ الحديثَ ويُعلِّلُه.
السابعُ: أنَّ النبيَّ تزوَّجَها في عُمرةِ القَضيةِ في خُروجِه ورجَعَ بها معه مِنْ مكةَ، وإنما كانَ يُحرِمُ مِنْ ذِي الحُليفةِ، فيُشبِهُ أنْ تكونَ الشبهةُ دخَلَتْ على مَنْ اعتَقدَ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا مِنْ هذه الجهةِ، فإنَّ ظاهرَ الحالِ أنه تزوَّجَها في حالِ إحرامِه.
أمَّا مَنْ روَى أنه تزوَّجَها حلالًا فقدِ اطَّلعَ على حقيقةِ الأمرِ وأخبَرَ به، فإمَّا أنْ يكونَ تزوَّجَها قبلَ الإحرامِ أو بعدَ قَضاءِ عُمرَتِه، لا سيَّمَا ومَن روَى أنه تزوَّجَها قبلَ الإحرامِ معهُ مَزيدُ علمٍ.
وقد روَى مالكٌ عن ربيعةَ عن سليمانَ بنِ يسارٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ بعَثَ مَولاهُ أبا رافعٍ ورَجلًا مِنْ الأنصارِ فزوَّجاهُ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ ورَسولُ اللهِ بالمدينةِ قبلَ أنْ يَخرجَ»، ورواهُ الحميديُّ عن عبدِ العزيزِ بنِ مُحمدٍ عن ربيعةَ عن سُليمانَ بنِ يسارٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ بعَثَ العباسَ بنَ عبدِ المطَّلبِ وأبا رافعٍ فزوَّجاهُ بسرفٍ وهو حَلالٌ بالمدينةِ»، وهذا فيه نظَرٌ، وهذا الحديثُ وإنْ كانَ مُرسَلًا فهو يُقوَّى مِنْ جهتَينِ:=

وذهب الحنفية إلى أنه يَجوزُ للمُحرمِ أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولغيرِه وأنْ يُوكِّلَ ويتوكَّلَ فيهِ (١)؛ لِمَا رواهُ مُسلمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عنِ أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: «أنَّ النبيَّ تَزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (٢)، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يَدخلَ بها حتَّى يَحِلَّ مِنْ إحرامِه.

قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ رحمة الله عليه: فأمَّا النَّظرُ في ذلكَ: فإنَّ المُحرِمَ حرامٌ عليه جِماعُ النِّساءِ، فاحتُملَ أنْ يكونَ عقدُ نكاحِهنَّ كذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فوَجدْناهُم قد أجمَعُوا أنه لا بأسَ على المُحرمِ بأنْ يَبتاعَ جارِيةً، ولكنْ لا يَطؤُها حتَّى يَحِلَّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ لِيَتطيَّبَ به بعدَما يَحِلُّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ قَميصًا لِيَلبسَه بعدَما يَحلُّ، وذلكَ الجِماعُ هو والتطيُّبُ واللِّباسُ حَرامٌ

= إحداهُما: أنَّ سليمانَ بنَ يسارٍ هو مَولاهَا، فمِثلُه قد يطَّلعُ على باطنِ حالِها، ومعهُ مَزيدُ علمٍ خَفِيَ على غيرِه.
الثاني: أنه هو الذي روَى حديثَ أبي رافعٍ عنه كما تقدَّمَ، وأهلُ الحديثِ يَعدُّونَه حديثًا واحدًا أسنَدَه سليمانُ تارةً وأرسَلَه أُخرى، فيُعلَمُ أنه تلقَّى هذا الحديثَ عن أبي رافعٍ وهو كانَ الرسولَ في النكاحِ، وقد روَى يونسُ بنُ بكيرٍ عن جعفرَ بنِ برقانَ عن مَيمونِ بنِ مَهرانَ عن يزيدَ بنِ الأصمِّ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، بعَثَ إليها الفضلَ بنَ العباسِ ورَجلًا معه، فزوَّجوهُ إياها»، وهذا يوافِقُ الذي قبلَه في تقدُّمِ النكاحِ، ويخالِفُه في تسميةِ أحَدِ الرَّجلينِ. «شَرْح العُمدَة» (٣/ ١٨٥، ١٩٩).
(١) «المبسوط» (٤/ ١٩١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١١٤، ١١٥)، و «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٦٨، ٢٧١)، و «الهداية شرح البداية» (١/ ١٩٣)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٠).
(٢) رواه مسلم (١٤١٠).

عليه كلُّه وهو مُحرِمٌ، فلمْ يَكنْ حُرمةُ ذلكَ عليهِ تَمنعُه عقْدَ المِلكِ عليهِ، ورأَيْنا المُحرِمَ لا يَشتريْ صَيدًا، فاحتُملَ أنْ يكونَ حُكمُ عَقدِ النكاحِ كحُكمِ عَقدِ شِراءِ الصيدِ أو حُكمِ عقدِ شِراءِ ما وصَفْنا ممَّا سِوى ذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فإذا مَنْ أحرَمَ وفي يَدِه صَيدٌ أُمرَ أنْ يُطلِقَه، ومَن أحرَمَ وعليهِ قَميصٌ وفي يَدِه طِيبٌ أُمرَ أنْ يَطرحَه عنهُ ويَرفعَه، ولم يَكنْ ذلكَ كالصَّيدِ الذي يُؤمَرُ بتَخليتِه ويتركُ حَبسهُ، ورأَيْناهُ إذا أحرَمَ ومعَه امرأةٌ لم يُؤمرْ بإطلاقِها، بل يُؤمرُ بحِفظِها وصَونِها، فكانَتِ المرأةُ في ذلكَ كاللِّباسِ والطِّيبِ لا كالصَّيدِ، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يكونَ في استِقبالِ عَقدِ النكاحِ عليها في حُكمِ استقبالِ عقدِ المِلكِ على الثيابِ والطِّيبِ الذي يَحلُّ له به لبسُ ذلكَ واستعمالُه بعدَ الخُروجِ مِنْ الإحرامِ.

فقالَ قائِلٌ: فقدْ رأَيْنا مَنْ تزوَّجَ أختَه مِنْ الرَّضاعةِ كانَ نكاحُه باطِلًا، ولو اشتِراها كانَ شِراؤُه جائِزًا، فكانَ الشِّراءُ يَجوزُ أنْ يُعقدَ على ما لا يَحلُّ وَطؤُه، والنكاحُ لا يجوزُ أنْ يُعقدَ إلا على مَنْ يَحلُّ وَطؤُها، وكانَتِ المرأةُ حَرامًا على المُحرمِ جِماعُها، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يَحرمَ عليه نِكاحهُا.

فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على

نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ.

وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ رحمهم الله (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في نكاحِ المُحرِمِ.

فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ بذلكَ.

وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ

(١) «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٧٢).

طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ».

فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤، ٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب نكاح أهل الشرك

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب نِكاحِ أهْلِ الشِّرْك

أنْكِحَةُ الكُفّارِ صحيحةٌ، يُقَرُّونَ عليها إذا أسْلَمُوا أوِ تَحاكَمُوا إلينا، إذا كانت المرأةُ ممَّن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها فى الحالِ، ولا يُنْظَرُ إلى صِفةِ عَقْدِهِم وكيْفِيّته، ولا يُعْتَبَرُ له شروطُ أنكِحَةِ المسلمينَ، من الوَلِىِّ، والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك. بلا خِلافٍ بين المسلمينَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العلماءُ على أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا أسْلَما معًا، فى حالٍ واحدةٍ، أَنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما ، ما لم يَكُنْ بينهما نَسَبٌ ولا رَضَاعٌ. وقد أسْلَمَ خَلْقٌ فى عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسْلَم نِسَاؤُهم، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم، ولم يَسْأَلْهمُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شُرُوطِ النكاحِ، ولا كَيْفِيَّته، وهذا أمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرورةِ، فكان يَقِينًا، ولكن يُنْظَرُ فى الحالِ، فإن كانت المرأةُ على صِفَةٍ يجوزُ له ابْتِداءُ نِكاحِها، أُقِرَّ، وإن كانتْ ممَّن لا يجوزُ ابْتداءُ نِكاحِها، كأحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّببِ، أو المُعْتَدَّةِ ، والمُرْتَدَّةِ، والوَثَنِيَّةِ، والْمَجُوسِيَّة، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا . وإن تزَوَّجَها فى العِدَّةِ، وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا ؛ لأنَّها يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها.

١١٦٦ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإِذَا أسلَمَ الْوَثَنِىُّ، وقَدْ تزَوَّجَ بأرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، ولَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَان

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 52 - 68

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله