كيفية إذن البكر والثيب

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > كيفية إذن البكر والثيب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

كيفية إذن البكر والثيب - الأقوال والأدلة

حامدٍ؛ لأنها لم تَختبِرِ المَقصودَ، ولا وُجدَ وَطؤُها في القُبلِ، فأشبَهَتْ مَنْ لم تَزلْ عُذرَتُها، ولو وُطئَتْ في الدُّبرِ لم تَصِرْ ثَيبًا ولا حُكمُها حُكمُهنَّ؛ لأنها غيرُ مَوطوءةٍ في القُبلِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنَّ مَنْ زالَتْ بكارتُها بوَثبةٍ أو تَعنيسٍ أنَّ حُكمَها حُكمُ المَوطوءةِ بالنكاحِ؛ لأنها ثيِّبٌ (٢).

كَيفيةُ إذنِ البِكرِ والثَّيبِ:

لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأمَّةِ أنَّ إذنَ الثَّيبِ الكَلامُ؛ لقولِ النبيِّ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قال: أنْ تَسكُتَ» (٣).

وفي رواية: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سَكتَتْ» (٤).

وفي روايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٥).

(١) «المغني» (٧/ ٣٦).
(٢) «البيان» (٩/ ١٨٣).
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٣).
(٤) رواه البخاري (٦٥٦٧).
(٥) رواه مسلم (١٤٢١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا الثيِّبُ فلا بُدَّ فيها مِنْ النطقِ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَ الوليُّ أبًا أو غيرَه؛ لأنه زالَ كَمالُ حَيائِها بمُمارَسةِ الرجالِ، وسواءٌ زالَتْ بكارتُها بنكاحٍ صَحيحٍ أو فاسدٍ أو بوَطءِ شُبهةٍ أو بزنًا، ولو زالَتْ بَكارتُها بوَثبةٍ أو بإصبعٍ أو بطُولِ المُكثِ أو وُطئَتْ في دُبرِها فلها حُكمُ الثيِّبِ على الأصَحِّ، وقيلَ: حُكمُ البِكرِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أمَّا الثيِّبُ فلا نَعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إذنَها الكلامُ؛ للخبَرِ، ولأنَّ اللسانَ هو المعبِّرُ عما في القلبِ، وهو المعتبَرُ في كُلِّ مَوضعٍ يُعتبَرُ فيه الإذنُ، غيرَ أشياءَ يَسيرةٍ أُقيمَ فيها الصَّمتُ مَقامَه لعارِضٍ (٢).

وأمَّا البكرُ فإذنُها الصُّماتُ في حَقِّ الأبِ والجَدِّ بإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لقولِ النبيِّ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ» (٣).

وفي روايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سكَتَتْ» (٤).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٤، ٢٠٥).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٤).
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٣).
(٤) رواه البخاري (٦٥٦٧).

وعن عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحِي؟ قالَ: رِضاها صَمتُها» (١).

وفي رواية: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (٢).

ولأنَّ الحَياءَ في البِكرِ مانعٌ مِنْ النطقِ بصَريحِ الإذنِ بالنكاحِ؛ لِما فيهِ مِنْ إظهارِ رَغبتِها في الرِّجالِ؛ لأنَّ النكاحَ سَببُ الوطءِ، والناسُ يَستقبِحونَ ذلك منها ويَذمُّونَها ويَنسُبونَها إلى الوقاحةِ، وذلكَ مانعٌ لها مِنْ النطقِ بالإذنِ الصريحِ، وهي مُحتاجةٌ إلى النكاحِ، فلو شُرطَ استِنطاقُها وهي لا تَنطقُ عادةً لَفاتَ عليها النكاحُ مع حاجَتِها إليه، وهذا لا يَجوزُ (٣).

واختَلفُوا فيما لو استَأذَنَها غيرُ الأبِ أو الجَدِّ مِنْ الأولياءِ، هل يُشترطُ نُطقُها؟ أم يَكفي صَمتُها؟

فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ وغيرُهم مِنْ العُلماءِ أنَّ إذنَها صُماتُها، ولا يُشترطُ أنْ تَنطقَ؛ لقولِه : «والبِكرُ تُستأذَنَ، وإذنُها صُماتَها»، وقولِه: «تُستأذَنُ

(١) رواه البخاري (٤٨٤٤).
(٢) رواه مسلم (١٤٢١).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «المبسوط» (٥/ ٧، ٨)، و «الهداية» (١/ ١٩٧)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «الاختيار» (٣/ ١١٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٢٣).

اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سكَتَتْ فقدْ أَذِنَتْ»، فهذا نَصٌّ في مَوضعِ الخِلافِ، ولأنَّ الإذنَ الذي هو بالقولِ لا يَختلفُ باختِلافِ الأولياءِ، فكذلكَ الصُّماتُ، ولأنَّ السُّكوتَ إنما جُعلَ إذنًا في حَقِّها لأنها تَستحِي أنْ تتكلَّمَ ويَغلبُ عليها الحَياءُ، ويُكرَهُ أنْ تُسرعَ بالنطقِ إلى الإجابةِ فيُظنَّ منها مُحبِّةٌ لذلكَ، وهذا لا يَختلفُ باختلافِ الأولياءِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في وجهٍ إلى أنه لا يَحصلُ إلَّا بنُطقِها؛ لأنَّ كلَّ مَنْ يَفتقرُ نكاحُها إلى إذنِها افتَقرَ إلى نُطقِها مع قُدرتِها على النطقِ كالثيِّبِ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا البكرُ فإذنُها صُماتُها في قولِ أهلِ العلمِ، منهُم شُريحٌ والشعبيُّ وإسحاقُ والنخَعيُّ والثوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ شُبرمةَ وأبو حَنيفةَ، ولا فرْقَ بينَ كونِ الوليِّ أبًا أو غيرَه.

وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: في صَمتِها في حَقِّ غيرِ الأبِ وَجهانِ:

أحَدُهما: لا يكونُ إذنًا؛ لأنَّ الصُّماتَ عدمُ الإذنِ، فلا يكونُ إذنًا، ولأنه مُحتمِلٌ الرِّضا والحياءَ وغيرَهما، فلا يكونُ إذنًا كما في حَقِّ الثيِّبِ، وإنما اكتُفيَ به في حَقِّ الأبِ لأنَّ رِضاءَها غيرُ مُعتبَرٍ.

وهذا شُذوذٌ عن أهلِ العلمِ وتَركٌ للسُّنةِ الصحيحةِ الصريحةِ يُصانُ الشافعيُّ عن إضافتِه إليهِ وجَعْلِه مَذهبًا له مع كَونِه مِنْ أَتْبَعِ الناسِ لسُنةِ رسولِ اللهِ ، ولا يُعرِّجُ مُنصِفٌ على هذا القولِ،

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥) رقم (١١٤١).

وقد تقدَّمَتْ رِوايتُنا عن رسولِ اللهِ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ فكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ».

وفي رِوايةٍ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ البِكرَ تَستحيِي؟ قالَ رِضاها صُماتُها» مُتفَقٌ عليهِ.

وفي روايةٍ: «واليَتيمةُ تُستأمَرُ، فصَمتُها إقرارُها» رواهُ النَّسائيُّ.

وفي روايةٍ: «تُستأمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سَكتَتْ فهو إذنُها»، وهذا صَريحٌ في غيرِ ذاتِ الأبِ.

ورَوى الأثرَمُ عن عَديٍّ الكِنديِّ عن رسولِ اللهِ أنه قالَ: «الثيِّبُ تُعرِبُ عن نَفسِها، والبِكرُ رِضاها صُماتُها»، والأخبارُ في هذا كَثيرةٌ، ولأنَّ الحَياءَ عُقلةٌ على لِسانِها يَمنعُها النطقَ بالإذنِ، ولا تَستحيِ مِنْ إِبائِها وامتناعِها، فإذا سَكتَتْ على الظنِّ أنه لرِضاها فاكتُفيَ به، وما ذكَرُوه يُفضِي إلى أنْ لا يكونَ صُماتُها إذنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنهُم جعَلَوا وُجودَه كعَدمِه، فيكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ بالكُليةِ واطِّراحًا للأخبارِ الصريحةِ الجليلةِ وخَرقًا لإجماعِ الأمَّةِ المَرضيةِ.

فإنْ نطَقَتْ بالإذنِ فهو أبلَغُ وأتَمُّ في الإذنِ مِنْ صَمتِها، وإنْ بكَتْ أو ضَحكَتْ فهو بمَنزلةِ سُكوتِها.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنْ بكَتْ فليسَ بإذنٍ؛ لأنه يَدلُّ على الكَراهيةِ، وليسَ بصَمتٍ فيَدخلَ في عُمومِ الحديثِ.

ولنا: ما روَى أبو بكرٍ بإسنادِه عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «تُستأمَرُ اليَتيمةُ، فإنْ بكَتْ أو سكَتَتْ فهو رِضاها، وإنْ أبَتْ فلا جَوازَ عليها»، ولأنها ناطِقةٌ بالامتِناعِ مع سَماعِها للاستِئذانِ، فكانَ إذنًا منها كالصُّماتِ والضَّحكِ، والبكاءُ يَدلُّ على فَرطِ الحياءِ لا على الكَراهةِ، ولو كَرهَتْ لامتَنعَتْ؛ فإنها لا تَستحيِي مِنْ الامتِناعِ، والحَديثُ يَدلُّ بصَريحِه على أنَّ هذا الصَّمتَ إذنٌ، وبمَعناهُ على ما في مَعناهُ مِنْ الضحكِ والبُكاءِ، وكذلكَ أقَمْنا الضَّحكَ مَقامَه (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا قولُه في البِكرِ: «إذنُها صُماتُها» فظاهِرُه العُمومُ في كلِّ بكرٍ وكلِّ وليٍّ، وأنْ سُكوتَها يَكفِي مُطلقًا، وهذا هو الصَّحيحُ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: إنْ كانَ الوليُّ أبًا أو جَدًّا فاستِئذانُه مُستحَبٌّ ويكفِي فيه سكوتُها، وإنْ كانَ غيرَهما فلا بُدَّ مِنْ نُطقِها؛ لأنها تَستحِي مِنْ الأبِ والجَدِّ أكثرَ مِنْ غيرِهما، والصَّحيحُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّ السكوتَ كافٍ في جميعِ الأولياءِ؛ لعُمومِ الحَديثِ لوُجودِ الحَياءِ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٣٤، ٣٥).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٤)، و «البيان» (٩/ ١٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات)

قال: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال: "الأيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا" . ورَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لَيْسَ لِلْوَلِىِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ" . رَواهما النَّسَائِىُّ وأبو دَاودَ . ولأنَّها رَشِيدةٌ عالمةٌ بالمَقْصودِ من النِّكاحِ مُخْتَبرةٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُها عليه، كالرَّجُلِ. القسم الثانى، الثَّيِّبُ الصغيرةُ، وفى تزْوِيجِها وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ تَزْوِيجُها، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ. واخْتِيارُ ابن حامدِ، وابنِ بَطَّةَ، والقاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ الإجْبارَ يَخْتَلِفُ بالبَكارَةِ والثُّيُوبةِ، لا بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وهذه ثَيِّبٌ، ولأنَّ فى تَأْخِيرِها فائِدَةً، وهو أن تَبْلُغَ فتَخْتارَ لِنَفْسِها ويُعْتَبَرَ إذْنُها، فوَجَبَ التَّأْخيرُ، بخِلافِ البِكْرِ. الوَجْه الثانى، أن لأَبِيها تَزْوِيجَها، ولا يَسْتَأْمِرُها. اختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّها صغيرةٌ، فجاز إجْبارُها كالبِكْرِ والغُلامِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّها لا تَزِيدُ بالثُّيُوبةِ على ما حصل للغُلامِ بالذُّكُورِيَّةِ، ثم الغُلامُ يُجْبَرُ إذا كان صغيرًا، فكذا هذه، والأخبارُ محمولةٌ على الكبيرةِ، فإنه جَعَلَها أحَقَّ بنَفْسِها من وَلِيِّها، والصغيرةُ لا حَقَّ لها. ويتَخَرّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ ابْنةَ تِسْعِ سِنِين يُزَوِّجُها وَلِيُّها بإذْنِها، ومَن دُونَ ذلك، على ما ذكَرْنا من الخِلافِ؛ لما ذكرنا فى البِكْرِ. واللَّه أعلم.

١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ)

أمَّا الثَّيِّبُ، فلا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فى أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللسانَ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 556 - 561

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله