الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > لفظ البيع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالمُوافِقةَ للشَّافعيةِ، واستَدلَّ ابنُ عَقيلٍ منهم لصحَّةِ الرِّوايةِ الأُولى بحَديث: «أعتَقَ صَفيَّةَ وجعَلَ عِتقَها صَداقَها»، فإنَّ أحمَدَ نَصَّ على أنَّ مَنْ قالَ: «أعتَقْتُ أمَتِي وجَعلْتُ عِتقَها صَداقَها» أنه يَنعقدُ نِكاحُها بذلكَ، واشتَرطَ مَنْ ذهَبَ إلى الروايةِ الأُخرى بأنه لا بُدَّ أنْ يَقولَ في مثلِ هذهِ الصُّورةِ: «تَزوَّجتُها»، وهي زِيادةٌ على ما في الخبَرِ وعلى نَصِّ أحمدَ، وأصولُه تَشهدُ بأنَّ العُقودَ تَنعقدُ بما يَدلُّ على مَقصودِها مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ (١).
[٢ - لفظ البيع]
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النِّكاحِ بلَفظِ البَيعِ، هل يَصحُّ؟ أم لا يَصحُّ إلَّا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ وأكثَرُ المالِكيةِ كابنِ القَصَّارِ والقاضي عبدِ الوهابِ والباجِيِّ وابنِ العرَبيِّ وغيرِهم إلى أنه يَصحُّ النكاحُ ويَنعقدُ بلَفظِ البَيعِ؛ لأنه لَفظٌ يَقتضِي التأبيدَ دُونَ التَّوقيتِ، فيَنعقدُ ب «بِعْتُ» كقولِ الوليِّ: «بِعْتُ لكَ ابنَتي بصَداقٍ قَدرُه كذا، أو: بِعتُكَ ابنَتي بكذا» أو تَقولَ المَرأةُ عندَ الحَنفيةِ: «بِعتُ نفْسِي منكَ»؛ لأنَّ البَيعَ تَمليكٌ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ للرَّجلِ: «قد مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (٢)، وهذا نَصٌّ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا
(١) «فتح الباري» (٩/ ٢١٥).
(٢) رواه البخاري (٥٥٣٣).
يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ أنْ يُعقدَ بأكثرَ مِنْ لَفظينِ كالبَيعِ.
وهل يَنعقدُ بلَفظِ الشِّراءِ مثلَ أنْ يقولَ: «اشتَريتُكِ بكَذا» فأجابَتْ بنَعمْ؟ الصَّحيحُ أنه يَنعقدُ به عندَ الحَنفيةِ (١).
لكنْ يُشتَرطُ في ألفاظِ الكِناياتِ -الهبةِ والبَيعِ والشَّراءِ والصَّدقةِ والتَّمليكِ- النيَّةُ أو قَرينةٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنفيةِ خِلافاً للزَّيلعيِّ؛ حيثُ لم يَجعلِ النيَّةَ شَرطًا عندَ ذِكرِ المَهرِ، وخِلافًا للسَّرخسيِّ؛ حيثُ لم يَجعلْها شَرطًا مُطلَقًا.
وحاصِلُ الأمرِ أنَّ المُختارَ أنه لا بُدَّ مِنْ فَهمِ الشُّهودِ المُرادَ، فإنَّ حُكمَ السَّامعِ بأنَّ المُتكلِّمَ أرادَ مِنْ اللَّفظِ ما لم يُوضَعْ له لا بُدَّ له مِنْ قَرينةٍ على إرادتِه ذلكَ، فإنْ لم تَكنْ فلا بُدَّ مِنْ إعلامِ الشُّهودِ بمُرادِه.
والظَّاهرُ أنه إذا لم يَدلَّ الحالُ فلا بُدَّ مع النيَّةِ مِنْ إعلامِ الشُّهودِ؛ لأنه لا بُدَّ مِنْ فَهمِهما.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٤) «الاختيار» (٣/ ١٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩٢، ٢٩٣)، و «اللباب» (٢/ ٢٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٢، ٣١٣) رقم (١١٤٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٩٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٣، ١٤)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٩٦)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٤٥).
فحاصِلُ الأمرِ ومُلخَّصُه أنه لا بُدَّ في كِناياتِ النكاحِ مِنْ النيَّةِ مع قَرينةٍ، أو تَصديقِ القابِلِ للمُوجِبِ وفَهمِ الشُّهودِ المُرادَ أو إعلامِهم به (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ رُشدٍ وغيرُه والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ بلفظِ البَيعِ، ولا يَنعقدُ إلا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط أو ما اشتُقَّ منهُما؛ لأنه لَفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ؛ ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.
وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (٢)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٩٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٨).
(٢) رواه مسلم (١٢١٨).
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.