لفظ الهبة

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > لفظ الهبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

لفظ الهبة - الأقوال والأدلة

وذهَبَ ابنُ تَيميةَ وغيرُه إلى أنه يَحصلُ بكُلِّ لَفظٍ يُؤدِّي معناه؛ لأنه لم يَرِدْ نَصٌّ مِنْ القُرآنِ أو السُّنةِ أو أقوالِ الصَّحابةِ يَدلُّ على أنَّ النكاحَ لا يَحصلُ إلا بهذه الألفاظِ.

وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:

١ - لفظُ الهِبةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في النكاحِ، هل يَنعقدُ بلَفظِ الهِبةِ ويكونُ مِنْ الكِناياتِ؟ أم لا يَنعقدُ ولا بُدَّ مِنْ لفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ؟

فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ النكاحُ بلَفظِ الهِبةِ، ولا يَصحُّ إلَّا بلَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ أو ما اشتُقَّ منهُما فقط، ولا يَنعقدُ بلفظِ الهبةِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فذكَرَ ذلكَ خالِصًا لرسولِ اللهِ ، وأنه مَخصوصٌ بالنكاحِ بلَفظِ الهبةِ، وأنَّ غيْرَه لا يُساويهِ، ولأنهُ لفظٌ يَنعقدُ به غيرُ النكاحِ، فلمْ يَنعقدْ به النكاحُ كلَفظِ الإجارةِ والإباحةِ والإحلالِ، ولأنه ليسَ بصَريحٍ في النِّكاحِ، فلا يَنعقدُ به، كالَّذي ذكَرْنا، وهذا لأنَّ الشَّهادةَ شَرطٌ في النكاحِ، والكِنايةُ إنَّما تُعلَمُ بالنيةِ، ولا يُمكِنُ الشَّهادةُ على النيةِ؛ لعَدمِ اطِّلاعِهم عليها، فيَجبُ أنْ لا يَنعقدَ.

وقد قالَ النبيُّ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أخَذتُموهُنَّ

بأمانِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ» (١)، وكَلِمتُه الَّتي أحَلَّ بها الفُروجَ في كتابِه الكريمِ لَفظُ النِّكاحِ والتَّزويجِ فقط، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وبقَولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [لقمان: ٣٧]، ولم يُذكَرْ في القُرآنِ سِواهُما، فوجَبَ الوُقوفُ معهُما تَعبُّدًا واحتِياطًا؛ لأنَّ النكاحَ يَنزَعُ إلى العِباداتِ لوُرودِ النَّدبِ فيه، والأذكارُ في العِباداتِ تُتَلقَّى مِنْ الشَّرعِ، والشَّرعُ إنَّما ورَدَ بلَفظَي النكاحِ والتَّزويجِ.

ولأنَّ الحُكمَ الأصليَّ للنكاحِ هو الازدِواجُ، والمِلكُ يَثبتُ وَسيلةً إليه، فوجَبَ اختِصاصُه بلَفظٍ يَدلُّ على الازدِواجِ، وهو لَفظُ التَّزويجِ والإنكاحِ لا غَير، ولأنَّ لفْظَ الهبةِ لا يَقتضِي عِوضًا، والنِّكاحُ لا يَخلُو عن عِوضٍ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -على تَفصيلٍ سيأتي عِندَهم- إلى أنَّ النكاحَ يَصحُّ ويَنعقدُ بلفظِ الهِبةِ؛ لأنه تَمليكٌ، والهِبةُ تَمليكٌ، وقد ثبَتَ في «صَحِيح البُخاريِّ» عن أبي حازمٍ أنهُ سَمِعَ سَهلًا يقولُ: «جاءَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ

(١) رواه مسلم (١٢١٨).
(٢) «البيان» (٩/ ٢٣٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٧٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٦)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «الديباج» (٣/ ١٨٣)، و «المغني» (٧/ ٦٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١١٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٤٧، ٥٤٨).

فقالَتْ: جِئتُ أهَبُ نَفسِي، فقامَتْ طَويلًا، فنظَرَ وصوَّبَ، فلمَّا طالَ مَقامُها قالَ رَجلٌ: زَوِّجْنيها إن لم تَكنْ لكَ بها حاجةٌ، قالَ: عندَكَ شيءٌ تُصدِقُها؟ قالَ: لا، قالَ: انظُرْ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ فقالَ: واللهِ إنْ وَجَدتُ شيئًا، قالَ: اذهَبْ فالْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فذهَبَ ثمَّ رجَعَ قالَ: لا واللهِ ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، وعليه إزارٌ ما عليهِ رِداءٌ، فقالَ: أُصدِقُها إزارِي، فقالَ النبيُّ : إزارُكَ إنْ لَبسَتْه لم يَكنْ عليكَ منه شيءٌ، وإنْ لَبسْتَه لم يكنْ عليها منه شيءٌ، فتَنحَّى الرَّجلُ فجلَسَ، فرآهُ النبيُّ مُوَلِّيًا فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فقالَ: ما معكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: سُورةُ كذا وكذا، لِسُوَرٍ عدَّدَها، قالَ: قد مَلَّكتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١)، وهذا نَصٌّ، ولأنه لَفظٌ يَنعقدُ به تَزويجُ النبيِّ ، فانعَقدَ به نكاحُ أمَّتِه كلَفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ، ولأنه أمكَنَ تَصحيحُه بمَجازِه، فوجَبَ تَصحيحُه كإيقاعِ الطَّلاقِ بالكِناياتِ، ولأنه لَفظُ تَمليكٍ لا يَقتضِي تَوقيتًا، فأشبَهَ لفْظَ النكاحِ والتَّزويجِ، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ أنْ يُعقَدَ بأكثرَ مِنْ لَفظينِ كالبيعِ (٢).

قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ يَصحُّ بلَفظِ الهِبةِ؛ لأنه انعَقدَ نكاحُ رَسولِ اللهِ بلَفظِ الهِبةِ في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [لقمان: ٥٠]، فيَنعقدُ به نكاحُ أمَّتِه.

(١) رواه البخاري (٥٥٣٣).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٢، ٣١٣) رقم (١١٤٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٩٦).

ودَلالةُ الوَصفِ قولُه تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [لقمان: ٥٠] مَعطوفًا على قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [لقمان: ٥٠]، أخبَرَ اللهُ تعالَى أنَّ المرأةَ المُؤمِنةَ التي وهَبَتْ نفْسَها للنبيِّ عندَ استِنكاحِه إيَّاها حَلالٌ له، وما كانَ مَشروعًا في حَقِّ النبيِّ يكونُ مَشروعًا في حَقِّ أمَّتِه، هو الأصلُ حتَّى يَقومَ دَليلُ الخُصوصِ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: قد قامَ دَليلُ الخُصوصِ ههُنا، وهو قولُه تعالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ منهُ: خالِصةً لكَ مِنْ دونِ المُؤمنِينَ بغَيرِ أجْرٍ -مَهرٍ-، فالخُلوصُ يَرجعُ إلى الأجرِ لا إلى لَفظِ الهبةِ لوُجوهٍ:

أحَدُها: ذكَرَه عَقيبَه، وهو قولُه ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [لقمان: ٥٠]، فدَلَّ أنَّ خُلوصَ تلكَ المرأةِ له كانَ بالنكاحِ بلا فَرضٍ منه.

والثَّاني: أنهُ قالَ تعالَى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ومَعلومٌ أنه لا حرَجَ كانَ يَلحقُه في نَفسِ العِبارةِ، وإنَّما الحرَجُ في إعطاءِ البَدلِ.

والثَّالثُ: أنَّ هذا خرَجَ مَخرجَ الامتِنانِ عليه وعلى أمَّتِه في لَفظِ الهِبةِ ليسَتْ تلكَ في لَفظةِ التَّزويجِ، فدَلَّ أن المِنَّة فيما صارَتْ له بلا مَهرٍ، فانصرَفَ الخُلوصُ إليه.

ولأنَّ الانعِقادَ بلَفظِ النِّكاحِ والتَّزويجِ لِكَونِه لفظًا مَوضوعًا لحُكمِ أصلِ النكاحِ شَرعًا، وهو الازدِواجُ، وأنه لم يُشرَعْ بدُونِ المِلكِ، فإذا أتَى به يَثبتُ الازدِواجُ باللَّفظِ ويَثبتُ المِلكُ الَّذي يُلازمُه شَرعًا، ولفظُ التَّمليكِ مَوضوعٌ لحُكمٍ آخَرَ أصليٍّ للنكاحِ وهو المِلكُ، وأنه غيرُ مَشروعٍ في النكاحِ بدُونِ الازدِواجِ، فإذا أتَى به وجَبَ أنْ يَثبتَ به المِلكُ ويَثبتَ الازدِواجُ الَّذي يُلازمُه شَرعًا؛ استِدلالًا لأحَدِ اللَّفظينِ بالآخَرِ؛ وهذا لأنهما حُكمانِ مُتلازِمانِ شَرعًا، ولم يُشرَعْ أحَدُهما بدُونِ الآخَرِ، فإذا ثبَتَ أحَدُهما ثبَتَ الآخَرُ ضَرورةً، ويكونُ الرِّضا بأحَدِهما رِضًا بالآخَرِ.

وأمَّا الحَديثُ فنَقولُ بمُوجبِه، لكنْ لِمَ قُلتُم: «إنَّ استِحلالَ الفُروجِ بهذه الألفاظِ استِحلالٌ بغيرِ كَلمةِ اللهِ؟ فيَرجعُ الكَلامُ إلى تَفسيرِ الكَلمةِ المَذكورةِ».

فنَقولُ: كَلمةُ اللهِ تعالى تَحتملُ حُكمَ اللهِ ﷿، كقَولِه تعالَى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾، فلِمَ قُلتُم بأنَّ جوازَ النكاحِ بهذه الألفاظِ ليسَ حُكمَ اللهِ تعالى؟، والدَّليلُ على أنه حُكمُ اللهِ تعالَى ما ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ، مع ما أنَّ كُلَّ لَفظٍ جُعِلَ عَلَمًا على حُكمٍ شَرعيٍّ فهو حُكمُ اللهِ تعالى، وإضافةُ الكَلمةِ إلى اللهِ تعالى باعتبارِ أنَّ الشَّارعَ هو اللهُ تعالى، فهو الجاعِلُ اللَّفظَ سَببًا لثُبوتِ الحُكمِ شَرعًا، فكانَ كَلمةَ اللهِ تعالى، فمِن هذا الوجهِ على الاستِحلالِ بكَلمةِ اللهِ لا يَنفِي الاستحلالَ

لا بكَلمةِ اللهِ تعالَى، فكانَ مَسكوتًا عنه، فلا يَصحُّ الاحتِجاجُ به (١).

ولأنَّ رَجلًا وهَبَ ابنتَه لعُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَقِّ بشَهادةِ شاهدَينِ، فأجازَه عَليٌّ رضي الله عنه (٢).

ولأنَّ لفظَ الهِبةِ يُفيدُ المِلكَ، وأنه سَببٌ لمِلكِ المُتعةِ بواسِطةِ مِلكَ الرَّقبةِ كما في مِلكِ اليَمينِ، والسبَبيَّةُ مِنْ طُرقِ المَجازِ (٣).

وقالَ المالِكيةُ: يَنعقدُ النكاحُ إذا وقَعَ بلفظِ الهبةِ مِنْ وليِّ المرأةِ معَ تَسميةِ الصَّداقِ، كقولِ الوليِّ: «وهَبْتُ لكَ ابنتَي بكذا، أو بصَداقٍ قَدرُه كذا»، أو حُكمًا كقَولِه: «وهَبتُها لكَ تَفويضًا»، فإنْ لم يُسمِّ صَداقًا لم يَنعقدِ النكاحِ على المَشهورِ، وقيلَ: يَصحُّ.

وإنَّما قُلنا: «مِنْ المَولى» لأنَّ في هبةِ المرأةِ نفْسَها خِلافًا (٤).

وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنه لا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ، فكذلكَ يَنبغي أنْ يكونَ لفظُ الهِبةِ، على أنَّ

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٠).
(٢) «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٤).
(٣) «الاختيار» (٣/ ١٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩٢)، و «اللباب» (٢/ ٢٨).
(٤) «جامع الأمهات» (١/ ٢٥٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٤٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧٢، ١٧٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٣)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٩٦)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٤٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٢٧).

مالِكًا اختَلفَ قولُه في لفظِ الهبةِ، فقالَ مَرَّةً: إنه يَنعقدُ بلفظِ الهبةِ إذا أرادُوا النكاحَ وفوَّضُوا الصَّداقَ، وقالَه ابنُ القاسِمِ (١).

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: يَنعقدُ النِّكاحُ بما عَدَّه الناسُ نكاحًا بأيِّ لُغةٍ ولَفظٍ وفِعلٍ كانَ، ومِثلُه كُلُّ عَقدٍ، والشَّرطُ بينَ الناسِ ما عَدُّوه شَرطًا (٢).

وقالَ أيضًا: الَّذي عليه أكثَرُ العلماءِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بغَيرِ لَفظِ «الإنكاحِ» و «التَّزويج»، قالَ: وهو المَنصوصُ عن الإمامِ أحمَدَ رحمة الله عليه وقياسُ مَذهبِه، وعليه قُدَماءُ أصحابِه، فإنَّ الإمامَ أحمَدَ رحمة الله عليه نَصَّ في غيرِ مَوضعٍ على أنه يَنعقدُ بقَولِه: «جَعلْتُ عِتقَكِ صَداقكِ»، وليسَ في هذا اللَّفظِ إنكاحٌ ولا تَزويجٌ، ولم يُنقَلْ عن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه أنه خَصَّه بهذَينِ اللَّفظينِ، وأولُ مَنْ قالَ مِنْ أصحابِ الإمامِ أحمَدَ رحمة الله عليه فيما عَلِمْتُ أنه يَختصَّ بلَفظِ «الإنكاحِ» و «التَّزويجِ» ابنُ حامَدٍ، وتَبِعَه على ذلكَ القاضي ومَن جاءَ بعدَه؛ لسَببِ انتِشارِ كُتبِه وكَثرِة أصحابِه وأتْباعِه. انتهى (٣).

وقالَ ابنُ عبدِ الهادِي الحَنبليُّ رحمة الله عليه: قلتُ: وقالَ شَيخُنا أبو العبَّاسِ: أصَحُّ قَوليِ العُلماءِ أنَّ النكاحَ يَنعقدَ بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، وهذا مَذهبُ

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٠).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٢٩).
(٣) «الإنصاف» (٨/ ٤٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧).

جُمهورِ العُلماءِ كأبي حَنيفة ومالكٍ، وأحَدُ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ، بل نُصوصُهم لا تَدلُّ إلَّا على هذا الوجهِ.

أمَّا الوَجهُ الآخَرُ -وهو أنه إنَّما يَنعقدُ بلَفظِ الإنكاحِ والتزويجِ- فهو قَولُ أبي عبدِ اللهِ ابنِ حامدٍ وأتْباعِه.

وأمَّا قُدَماءُ أصحابِ أحمدَ وجُمهورُهم فلمْ يَقولُوا بهذا، وقد نَصَّ أحمدُ في غيرِ مَوضعٍ على أنه إذا قالَ: «أعتَقْتُ أمَتِي وجَعلْتُ عِتقَها صَداقَها» انعَقدَ النكاحُ، وليسَ هو بلفظِ النكاحِ والتَّزويجِ. اه

ومِن أُصولِ أحمدَ أنَّ العُقودَ تَنعقدُ بما يَدلُّ على مَقصودِها مِنْ قولٍ وفِعلٍ، فهو لا يَرَى اختِصاصَها بالصِّيَغِ.

وقالَ شَيخُنا في مَوضعٍ آخَرَ: وقد ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ المُرادَ بكَلمةِ اللهِ قَولُه: «أنكَحتُكِ وزوَّجتُكِ» وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ هذا ليسَ كلامَ اللهِ، بل هذا كَلامُ المَخلوقِينَ، وهو مَخلوقٌ، وكَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ، وإنَّما كَلِمتُه ما تكَلَّمَ به، وهو شَرعُه وإباحَتُه وإذنُه في ذلكَ (١).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ العَسقلانِيُّ رحمة الله عليه: وقد ذهَبَ جُمهورُ العلماءِ إلى أنَّ النكاحَ يَنعقدَ بكُلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ وإحدى الرِّوايتينِ عن أحمَدَ، واختَلفَ التَّرجيحُ في مَذهبِه، فأكثَرُ نُصوصِه تَدلُّ على مُوافَقةِ الجُمهورِ، واختارَ ابنُ حامدٍ وأتْباعُه الرِّوايةَ الأُخرى

(١) «تنقيح تحقيق أحاديث التعليق» (٣/ ١٧٠، ١٧١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 258 - 265

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله