الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > من المقصود بالولي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوالجَهلِ بمَكانِه أو العلمِ به، وحاجةِ البِنتِ إلى النكاحِ إمَّا لعَدمِ النَّفقةِ، وإما لِمَا يُخافُ عليها مِنْ عَدمِ الصَّونِ، وإمَّا للأمرَينِ جَميعًا.
فاتفقَ المَذهبُ على أنه إذا كانَتِ الغَيبةُ بَعيدةً أو كانَ الأبُ مَجهولَ الوَضعِ أو أسيرًا وكانَتْ في صَونٍ وتحتَ نَفقةٍ أنها إنْ لم تَدْعُ إلى التَّزويجِ لا تزوَّجُ، وإنْ دعَتْ فتزوَّجُ عندَ الأسرِ وعندَ الجهلِ بمكانِه.
واختَلفُوا هل تزوَّجُ مع العلمِ بمكانِه أم لا؟ إذا كانَ بعيدًا، فقيلَ: تزوَّجُ، وهو قولُ مالكٍ، وقيلَ: لا تُزوَّجُ، وهو قولُ عبدِ الملكِ وابنِ وَهبٍ.
وأمَّا إنْ عُدِمَتِ النفقةُ أو كانَتْ في غيرِ صَونٍ فإنها تزوَّجُ أيضًا في هذه الأحوالِ الثلاثةِ، أعني: في الغَيبةِ البَعيدةِ وفي الأسْرِ والجَهلِ بمكانِه، وكذلكَ إنِ اجتَمعَ الأمرَانِ، فإذا كانَتْ في غَيرِ صَونٍ تزوَّجُ وإنْ لم تَدْعُ إلى ذلكَ.
ولم يَختلفُوا فيما أَحسبُ أنها لا تزوَّجُ في الغَيبةِ القَريبةِ المَعلومةِ؛ لمَكانِ إمكانِ مُخاطَبتِه، وليسَ يَبعدُ بحَسبِ النظرِ المَصلحيِّ الَّذي انبَنَى عليهِ هذا النَّظرُ أنْ يُقالَ: إنْ ضاقَ الوقتُ وخَشيَ السلطانُ عليها الفسادَ زوِّجَتْ وإنْ كانَ المَوضعُ قريبًا (١).
مَنْ المَقصودُ بالوليِّ:
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوليَّ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٠، ١١).
المَذكورَ بالإشارةِ إليه في هذا الحَديثِ -أي: «لا نِكاحَ إلَّا بوَلِيٍّ» (١) - هوَ الوليُّ مِنْ النسَبِ والعَصبةِ (٢).
واتَّفقُوا أنَّ غيرَ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ كالخالِ وكُلِّ ذِي رَحمٍ لا يزوِّجونَ مع وُجودِ العصَباتِ.
إلَّا أنهُم اختَلفُوا هل لهُم التزويجُ عندَ عَدمِ وُجودِ العصَباتِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ مُحمدُ بنُ الحسَنِ مِنْ الحَنفيةِ -وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ أيضًا- والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ غيرَ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ لا يزوِّجونَ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ الوِلايةَ في النكاحِ لا تَثبتُ إلَّا لمَن يَرثُ بالتَّعصيبِ، عَدا رِوايةً عن أبي حَنيفةَ: أنَّ الوليَّ كلُّ وارثٍ، سَواءٌ كانَ إرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا وِلايةَ لغيرِ العصَباتِ مِنْ الأقاربِ كالأخِ مِنْ الأمِّ والخالِ وعَمِّ الأمِّ والجَدِ أبِ الأمِّ ونحوِهم، نَصَّ عليهِ أحمدُ في مَواضعَ، وهو قَولُ الشافعيِّ وإحدى الرِّوايتينِ عن أبي حَنيفةَ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨٠)، وأحمد (١٩٧٦١).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٣٩٣).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ١٣٤).
والثَّانيةُ: إنَّ كلَّ مَنْ يَرثُ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ يَلي؛ لأنه مِنْ أهلِ مِيراثِها، فوليُّها كعصَباتِها.
ولنَا: ما رُويَ عن عليٍّ أنه قالَ: «إذا بلَغَ النِّساءُ نَصَّ الحقائقِ فالعصَبةُ أَولى إذا أدرَكْنَ» (١)، رواهُ أبو عُبيدٍ في «الغَريبِ»، ولأنه ليسَ مِنْ عصَباتِها، فأشبَهَ الأجنبيَّ (٢).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في الوليِّ، فقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والشافعيُّ: الأولياءُ هم العصَبةُ الذينَ يَرثونَ، وليسَ الخالُ ولا الجَدُّ لأمٍّ ولا الإخوةُ لأمٍّ أولياءَ عندَ مالكٍ في النكاحِ، وخالَفَهم مُحمدُ بنُ الحَسنِ فقالَ: كلُّ مَنْ لَزمَه اسمُ وليٍّ فهو وليٌّ يَعقدُ النكاحَ، وبه قالَ أبو ثورٍ.
قالَ الأبهَريُّ: والحُجةُ لمالكٍ ومَن وافَقَه في أنَّ ذَوِي الأرحامِ ليسُوا أولياءَ في النكاحِ وأنَّ الأولياءَ في ذلكَ العصَبةُ: هو أنَّ الوليَّ لمَّا كانَ مُستحِقًّا بالتَّعصيبِ لم يَكنْ للرَّحمِ مَدخلٌ فيهِ لعَدمِ التَّعصيبِ، كذلكَ عَقدُ النكاحِ؛ لأنَّ ذلكَ بولايةِ التَّعصيبِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: وقولُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٧)، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٤٧٣).
(٢) «المغني» (٧/ ١٣)، ويُنظَر: «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٤)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٦١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٨).
دَليلٌ على أنَّ الأولياءَ مِنْ العصَبةِ؛ لأنَّ مَعقِلًا لمَّا منَعَ أختَه مِنْ التَّزويجِ نزَلَتْ فيه هذهِ الآيةُ فتَلاها عليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
وجهُ قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ حديثُ: «النِّكاحُ إلى العصَباتِ» (٢)، وإدخالُ الألِفِ والَّلامِ دَليلٌ على أنَّ جَميعَ الولايةِ في بابِ النكاحِ إنما تَثبتُ لمَن هو عصَبةٌ دونَ مَنْ ليسَ بعَصبةٍ، والدَّليلُ عليه أنه لا يَثبتُ لغيرِ العَصباتِ ولايةُ التصرُّفِ في المالِ بحالٍ، وأنَّ مَولَى العَتاقةِ مقدَّمٌ عليهم، فلو كانَ لقَرابتِهم تأثيرٌ في استحقاقِ الولايةِ بها لَكانوا مُقدَّمينَ على مولَى العَتاقةِ إذ لا قَرابةَ لمَولَى العَتاقةِ.
ولأنَّ الأصلَ في الولايةِ هم العَصباتُ، فإنْ كانَ الرأيُ وتَدبيرُ القبيلةِ وصِيانتُها عمَّا يُوجِبُ العارَ والشَّينَ إليهِم فكانوا هم الَّذينَ يُحرزُونَ عن ذلكَ بالنظرِ والتأمُّلِ في أمرِ النكاحِ، فكانوا هم المُحقِّينَ بالولايةِ، ولهذا كانَتْ قَرابةُ التَّعصيبِ مُقدَّمةً على قرابةِ الرَّحمِ بالإجماعِ (٣).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٥٠)، و «الإشراف» (٥/ ١٥).
(٢) قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في «الدِّرِاية في تَخريجِ أحادِيثِ الهداية» (٢/ ٦٢): لم أَجِدْه.
(٣) «المبسوط» (٤/ ٢٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٠، ٢٤١)، و «الاختيار» (٣/ ١١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٠).
لغيرِ العَصباتِ مِنْ الأقاربِ التَّزويجُ عندَ عَدمِ العَصباتِ، وسَواءٌ في ذلكَ الذَّكرُ والأُنثى، كالأمِّ والخالِ والخالةِ والأختِ وكلِّ ذِي رَحِم، لكُلِّهِم تَزويجُ مَنْ لم يَحتلمْ، وأَولاهُم الأمُّ ثمَّ الجدَّةُ ثم الأختُ للأبوَينِ ثمَّ الأختُ للأبِ ثمَّ الأختُ للأمِّ ثمَّ أَولاهُم، وأُولُوا الأرحامِ أَولى مِنْ الحاكمِ.
ولأبِي حنيفةَ عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ العصَباتِ وغيرِهم، فتَثبتُ وِلايةُ الإنكاحِ على العُمومِ إلَّا مَنْ خُصَّ بدَليلٍ؛ لأنَّ سبَبَ ثُبوتِ الولايةِ هو مُطلَقُ القَرابةِ وذاتُها؛ لأنَّ القَرابةَ حامِلةٌ على الشَّفقةِ في حَقِّ القريبِ داعيةٌ إليها، وقد وُجِدَ هاهُنا، فوُجِدَ السببُ ووُجدَ شَرطُ الثُّبوتِ أيضًا وهو عَجزُ المُولَّى عليهِ عن المُباشَرةِ بنَفسِه، وإنما العُصوبةُ وقُربُ القَرابةِ شَرطُ التقدُّمِ لا شَرطُ ثُبوتِ أصلِ الولايةِ، فلا جرَمَ أنَّ العصَبةَ تتقدَّمُ على ذِي الرَّحمِ، والأقرَبُ مِنْ غيرِ العَصبةِ يتقدَّمُ على الأبعدِ، ولأنَّ ولايةَ الإنكاحِ مُرتِّبةٌ على استحقاقِ المِيراثِ؛ لاتِّحادِ سَببِ ثُبوتِها وهو القَرابةُ، فكُلُّ مَنْ استَحقَّ مِنْ المِيراثِ استَحقَّ الولايةَ؛ أَلَا ترَى أنَّ الأبَ إذا كانَ عبدًا لا وِلايةَ له؛ لأنَّ العَبدَ لا يَرثُ أحَدًا، وكذا إذا كانَ كافِرًا والمُولَّى عليهِ مُسلمٌ لا وِلايةَ له؛ لأنه لا يَرثُه، وكذا إذا كانَ مُسلمًا والمُولَّى عليهِ كافرٌ لا ولايةَ له؛ لأنه لا مِيراثَ لهُ منه، فثبَتَ أنَّ الولايةَ تَدورُ مع استِحقاقِ المِيراثِ، فثبَتَ لكلِّ قَريبٍ يَرثُ يُزوِّجُ.
ولأنَّ الأصلَ في هذهِ الولايةِ إنما هو القَرابةُ الدَّاعيةُ إلى الشفقةِ والنظرِ في حَقِّ المولَّى عليهِ، وذلكَ يَتحقَّقُ في كُلِّ مَنْ هو مُختصٌّ بالقرابةِ، وشَفقةُ
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.