هل يثبت الخيار للصغيرة إذا بلغت؟

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > هل يثبت الخيار للصغيرة إذا بلغت؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

هل يثبت الخيار للصغيرة إذا بلغت؟ - الأقوال والأدلة

مِنْ قِبلِ أنَّ الشرعَ خَصَّه بذلكَ، وإمَّا مِنْ قِبلِ أنَّ ما يُوجَدُ فيه مِنْ الرَّأفةِ والرَّحمةِ لا يُوجَدُ في غيرِه، وهو الذي ذهَبَ إليه مالِكٌ رضي الله عنه، وما ذهَبَ إليه أظهَرُ واللهُ أعلَمُ، إلَّا أنْ يكونَ هناكَ ضَرورةٌ.

وقد احتَجَّ الحَنفيةُ بجوازِ إنكاحِ الصِّغارِ غيرُ الآباءِ بقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، قالَ: واليتيمُ لا يَنطلقُ إلا على غيرِ البالغةِ.

والفَريقُ الثَّاني قالُوا: إنَّ اسمَ اليتيمِ قد يَنطلقُ على بالِغةٍ، بدليلِ قولِه عليه الصلاة والسلام: «تُستأْمَرُاليتيمةُ»، والمُستأمَرةُ هي مِنْ أهلِ الإذنِ وهي البالِغةُ، فيكونُ لاختِلافِهم سَببٌ آخَرُ وهو اشتِراكُ اسمِ اليَتيمِ، وقد احتَجَّ أيضًا مَنْ لم يُجِزْ نكاحَ غيرِ الأبِ لها بقولِه عليه الصلاة والسلام: «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها» (١)، قالُوا: والصغيرةُ ليسَتْ مِنْ أهلِ الاستِئْمارِ باتِّفاقٍ، فوجَبَ المنعُ، ولِأولئكَ أنْ يقولُوا: إنَّ هذا حُكمُ اليتيمةِ التي هي مِنْ أهلِ الاستِئمارِ، وأمَّا الصغيرةُ فمَسكوتٌ عنها (٢).

هل يَثبتُ الخِيارُ للصَّغيرةِ إذا بلَغَتْ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في الصغيرةِ -وكذا الصَّغير- إذا زوَّجَها أبوها وهي صَغيرةٌ، هل يَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والنسائي (٣٢٧٠)، وأحمد (١٩٦٧٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٥، ٦).

لا يَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ؛ لِما ثبَتَ في الصَّحيحينِ «أنَّ أبَا بكرٍ رضي الله عنه زوَّجَ ابنتَه عائِشةَ رضي الله عنها وهي صَغيرةٌ»، ولأن رَسولَ الله لم يُخيِّرْها، ولو كانَ الخِيارُ ثابتًا لها لخيَّرَها كما خيَّرَ عندَ نُزولِ آيةِ التَّخييرِ حتَّى قالَ لعائِشةَ: «إني أَعرِضُ عليكِ أمرًا فلا تُحدِثِي فيه شَيئًا حتَّى تَستشيرِي أبوَيكِ، ثمَّ تَلا عليها قولَه تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)[الأحزاب: ٢٨]، فقالَتْ: أَفِي هذا أَستشيرُ أبوَيَّ؟! أنا أختَارُ اللهَ تعالى ورَسولَه»، ولمَّا لم يُخيِّرْها هُنا دَلَّ أنه لا خِيارَ للصَّغيرةِ إذا بلَغَتْ وقد زوَّجَها أبوها.

قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وذكَرَ ابنُ سِماعةَ رَحمَه اللهُ تعالَى ذكَرَ فيه قِياسًا واستِحسانًا، قالَ: في القِياسِ يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنه عقَدَ عليها عقدًا يَلزمُها تَسليمُ النَّفسِ بحُكمِ ذلكَ العقدِ بعدَ زوالِ ولايةِ الأبِ، فيَثبتُ لها الخيارُ كما لو زوَّجَها أخوها.

ولكنَّا نَقولُ: ترَكْنا القِياسَ للحَديثِ، ولأنَّ الأبَ وافِرُ الشَّفقةِ يَنظرُ لها فوقَ ما يَنظرُ لنفسِه، ومع وُفورِ الشَّفقةِ هو تامُّ الولايةِ؛ فإنَّ وِلايتَه تَعمُّ المالَ والنَّفسَ جَميعًا، فلهذا لا يَثبتُ لها الخِيارُ في عَقدِه، وليسَ النكاحُ كالإجارةِ؛ لأنَّ إجارةَ النَّفسِ ليسَتْ مِنْ المَصالحِ وَضعًا، بل هو كَدٌّ وتعَبٌ، وإنما تَثبتُ الولايةُ فيه على الصغيرِ لِحاجتِه إلى التأدُّبِ وتَعلُّمِ الأعمالِ، وذلك يَزولُ بالبلوغِ، فلهذا أثبَتْنا لها الخيارَ (١).

(١) «المبسوط» (٤/ ٢١٣).

وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصَّغيرةَ ولا يُشاورَها؛ لتَزويجِ رسولِ اللهِ عائِشةَ وهي بِنتُ سِتِّ سِنينَ، إلا أنَّ العِراقيينَ قالُوا: لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ، وأبى ذلكَ أهلُ الحِجازِ، ولا حُجةَ مع مَنْ جعَلَ لها الخِيارَ عندِي، واللهُ أعلَمُ.

قالَ أبو قُرَّةَ سألْتُ مالِكًا عن قولِ النبيِّ عليه السلام: «والبِكرُ تُستأذَنُ في نفسِها»، أيُصيبُ هذا القولُ الأبَ؟ قالَ: لا، لم يُعْنَ الأبَ بهذا، إنما عُنِيَ به غيرُ الأبِ، قالَ: وإنكاحُ الأبِ جائزٌ على الصغارِ مِنْ ولَدِه، ذكَرَا كانَ أو أُنثى، قالَ: ولا يُنكِحُ الجاريةَ الصغيرةَ أحَدٌ مِنْ الأولياءِ غيرُ الأبِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ المُسلمونَ على جوازِ تزويجِه بنتَه البكرَ الصَّغيرةَ؛ لهذا الحَديثِ -أي حَديث عائِشةَ-، وإذا بلَغَتْ فلا خِيارَ لها في فَسخِه عندَ مالكٍ والشافعيِّ وسائرِ فُقهاءِ الحِجازِ، وقالَ أهلُ العِراقِ: لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ (٢).

وأمَّا إذا زوَّجَها غيرُ الأبِ فلا يَجوزُ عندَ الجُمهورِ، وكذا الجَدُّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ خِلافًا للشَّافعيةِ، وعندَ أبي حَنيفةَ: يَجوزُ لسائرِ الأولياءِ، ويَثبتُ لها الخِيارُ إذا بلَغَتْ (٣).

(١) «التمهيد» (١٩/ ٩٨).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٦).
(٣) المصادر السابقة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في بيان ما يثبت به الرضاع

مَنْكُوحَةُ ابْنِهِ وَلَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ مَنْكُوحَةٍ كَانَتْ لَهُ فَتَحْرُمُ بِنِكَاحِ الْبِنْتِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ أَيْ: يَظْهَرُ بِهِ فَالرَّضَاعُ يَظْهَرُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِقْرَارُ وَالثَّانِي الْبَيِّنَةُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 522 - 524

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله