وعدم المرض

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > وعدم المرض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

وعدم المرض - الأقوال والأدلة

قالَ الدُّسوقيُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: فإذا أُكرِهَ على النِّكاحِ ثمَّ زالَ الإكراهُ فلا بُدَّ مِنْ فَسخِه، ولا عِبرةَ بإجازتِه اتفاقًا؛ وذلكَ لأنه غيرُ مُنعقِدٍ، ولو انعَقدَ لَبطَلَ؛ لأنه نِكاحٌ فيه خيارٌ (١).

٥ - وعَدمُ المَرضِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المَريضِ، هل يَصحُّ أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ إلى عَدمِ صحَّةِ نكاحِ المَريضِ ولا المَريضةِ ولا هُمَا معًا، سَواءٌ كانَ مرَضًا مَخُوفًا اتفاقًا، أو غيرَ مَخوفٍ على المَشهورِ، وسواءٌ أَذِنَ له الوارثُ الرَّشيدُ في ذلكَ أم لا على المَشهورِ؛ لاحتِمالِ مَوتِ الآذِنِ قبلَ موتِ المريضِ، ويكونُ الوارِثُ لذلكَ المريضِ غيرَ الآذِنِ، فلمَّا احتُملَ ذلكَ كانَ إذنُ الوارِثِ له بمَنزلةِ العدمِ.

وسَواءٌ احتاجَ المَريضُ إلى النكاحِ أم لا على المَشهورِ الراجحِ؛ للنَّهيِ عن إدخالِ وارِثٍ، وإنما لم يُمنَعْ مِنْ وَطءِ زوْجَتِه لأنَّ في النكاحِ إدخالَ وارِثٍ مُحقَّقٍ، وليسَ عن كلِّ وَطءٍ حَمْلٌ.

وفي قَولٍ -قالَ في «الجَواهِر»: إنَّه المَشهورُ-: أنَّ منْعَ النكاحِ المَذكورِ وإنْ أَذِنَ الوارثُ مُقيَّدٌ بعدمِ الاحتياجِ إلى النكاحِ أو إلى مَنْ يَقومُ به ويَخدمُه في مَرضِه، وعليهِ: إنِ احتاجَ إلى ذلكَ جازَ له النكاحُ وإنْ منَعَه الوارثُ منه.

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٢٤٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٠٥، ٣٠٧).

ويلحَقُ بالمريضِ في ذلكَ كلُّ مَحجورٍ مِنْ حاضِرِ صَفِّ القتالِ ومُقرَّبٍ لقَطعٍ ومَحبوسٍ لقَتلٍ وحامِلِ سِتَّةٍ بأنْ يكونَ زَوجُها طلَّقَها بائنًا دونَ الثَّلاثِ وأرادَ أنْ يَعقدَ عليها بعدَ مُضيِّ سِتةِ أشهُرٍ فأكثَرَ مِنْ حَملِها، فإنه لا يَجوزُ له ذلكَ ولا لها؛ لأنها مَحجورٌ عليها في تلكَ الحالةِ.

وللمَريضةِ التي فُسخَ نكاحُها بعدَ الدُّخولِ المسمَّى، فإذا تزوَّجَتْ حالَ مَرضِها ودخَلَ بها الزوجُ فإنه يُقضَى لها مِنْ رأسِ مالِه بالمسمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ وإنْ حَرُمَ، ومثلُ الدُّخولِ موتُه، فيُقضَى لها به مِنْ رأسِ مالِه، أو مَوتُها قبْلَه وقبْلَ الفَسخِ، ولا ميراثَ لمَن بقيَ حيًّا بعدَ موتِ صاحبِه.

وإذا تزوَّجَ المريضُ مَرضًا مَخوفًا في مَرضِه ودخَلَ ولم يُفسَخِ النِّكاحُ فتارَةً يَموتُ فيكونُ عليه مِنْ ثُلثِ مالِه الأقلُّ مِن المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ، فإنْ كانَ الثَّلثُ أقلَّ منهُما أخَذَتْه فقطْ، فتَحصَّلَ مِنْ ذلكَ أنَّ عليه الأقلَّ مِنْ الثلاثةِ أشياءَ: الثَّلثِ والمُسمَّى وصَداقِ المثلِ.

وتارةً يَصحُّ مِنْ المَرضِ فلا يُفسخُ النكاحُ، فتأخُذُ المسمَّى مِنْ رأسِ مالِه.

ومتَى عُثرَ عليه فُسِخَ ولو بعدَ البناءِ ولو حائِضًا، فإنْ فُسخَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ عليهِ، إلا أنْ يَصحَّ المَريضُ فلا يُفسَخُ (١).

(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «الكافي» ص (٢٤٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٣٢، ١٣٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٩٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٠١، ١٠٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٤٨، ٦٥١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ.

وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ.

والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضي الله عنه أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ رضي الله عنه دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي».

ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الخلع)
(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)

(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)

(مسألة:)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَرِيضَ فَخَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا ثُمَّ مَاتَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ، كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ يصح طلاقه بغير بدل، فصح بالبدل كَالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي الْمَرَضِ، كَجَوَازِهِ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا صَحَّ خُلْعُهُ سَوَاءٌ خَالَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ صَحَّ، فَإِذَا خَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ إِذَا خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ يَكُونَ مُحَابَاةً فِي الثُّلُثِ كَالْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ.

قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنِ الْبُضْعِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ صَحَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، فَإِذَا أَزَالَهُ بِقَلِيلِ الْبَدَلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كان معتبراً من فيه الثلث، فكذلك إذا حابا فِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَلِيلِ الْبَدَلِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَ إِزَالَةُ الملك عن المال في المرض معتباراً مِنَ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَكُنْ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنِ الْبُضْعِ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 48 - 50

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده