الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره > الحكم إذا فسد المهر لحرمته أو لجهالته، هل يفسد النكاح أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةالتسميةِ هاهُنا أقلُّ مِنْ جَهالةِ مهرِ المثلِ؛ لأنه يُعتبَرُ بنِسائها ممَّن يُساويها في صفاتِها وبلدِها وزمانِها ونسبِها، ثم لو تزوَّجَها على مهرِ مثلِها صحَّ، فهاهنا مع قلَّةِ الجهلِ فيه أَولى، ويُفارقُ البيعَ؛ فإنه لا تُحتملُ فيه الجَهالةُ بحالٍ.
وقالَ مالكٌ: يصحُّ مَجهولًا؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بأكثرَ مِنْ تَركِ ذِكرِه.
وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ تَزوجَها على عبدٍ مِنْ عَبيده أو قميصٍ مِنْ قُمصانِه أو عمامةٍ مِنْ عَمائمِه ونحوِ ذلكَ صَحَّ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ في رِوايةِ مُهنَّا فيمَن تزوَّجَ على عبدٍ مِنْ عَبيده: جائزٌ، فإنْ كانوا عشرةَ عبيدٍ تُعطى مِنْ أوسطِهم، فإنْ تَشاحَّا أقرعَ بينَهم، قلتُ: وتَستقيمُ القرعةُ في هذا؟ قالَ: نعم، ووجهُهُ: أنَّ الجَهالةَ هاهُنا يسيرةٌ ويُمكنُ التعيينُ بالقرعةِ، بخِلافِ ما إذا أصدَقَها عبدًا مُطلَقًا فإنَّ الجهالةَ تَكثرُ فلا يَصحُّ … (١).
ولا خِلافَ بينَهم على أنَّ الصداقَ إذا كانَ مَجهولًا أنَّ النكاحَ صحيحٌ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا فسَدَ الصداقُ لجَهالتِه أو عَدَمِه أو العجزِ عن تسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ لا نعلمُ فيه خِلافًا (٢).
الحُكمُ إذا فسَدَ المَهرُ لحُرمتِه أو لجَهالتِه، هل يفسدُ النِّكاح أم لا؟
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المهرَ إذا فسَدَ لجَهالتِه أو عَدمِه أو عَجزٍ عن تَسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ.
(١) «المغني» (٧/ ١٦٨، ١٦٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٣٧).
(٢) «المغني» (٧/ ١٧٠).
قالَ ابنُ قدامةَ رحمة الله عليه: إذا فسدَ الصداقُ لجهالتِه أو عَدَمِه أو العجزِ عن تسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ لا نعلمُ فيه خلافًا (١).
إلا أنهم اختَلفوا فيما لو فسَدَ المهرُ بأنْ كانَ حرامًا كأنْ كانَ خَمرًا أو خِنزيرًا أو ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ مَهرًا، هل يَفسدُ العقدُ بذلك لفسادِ المهرِ؟ أم يَصحُّ العقدُ ويَفسدُ المسمَّى ويكونُ لها صَداقُ المثلِ؟
وسببُ اختلافهم: هل حكمُ النكاحِ في ذلكَ حُكمُ البيعِ أم ليس كذلكَ؟ فمَن قالَ: «حكمُه حكمُ البيعِ» قالَ: يَفسدُ النكاحُ بفسادِ الصداقِ كما يفسدُ البيعُ بفسادِ الثمَنِ، ومَن قالَ: «ليس مِنْ شرطِ صِحةِ عقدِ النكاحِ صحةُ الصداقِ، بدَليل أنَّ ذِكرَ الصداقِ ليسَ شرطاً في صحة العقدِ» قالَ: يَمضي النكاحُ ويُصحَّحُ بصداقِ المثلِ (٢).
فذهبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في روايةٍ إلى أنَّ النكاحَ يَفسدُ إذا كانَ الصداقُ ممَّا لا يَجوزُ تملُّكُه كالخمرِ والخنزيرِ والحُرِّ؛ لأنَّ شرْطَ الصداقِ أنْ يكونَ متموَّلًا يَصحُّ تملُّكُه شَرعًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأخبَرَ أنَّ مِنْ شَرطِ الإباحةِ أنْ يَبتغيَها بالمالِ، وهذا ابتغاءٌ بغيرِ مالٍ، ولأنه عقدُ مُعاوَضةٍ، فوجَبَ متى حصَلَ العوضُ فيه خمرًا أو خنزيرًا أنْ لا يَصحَّ العقدُ كسائرِ عقودِ المعاوَضاتِ، ولأنَّ العوضَ في
(١) «المغني» (٧/ ١٧٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢١).
النكاحِ آكَدُ، بدليلِ أنه يجبُ لحَقِّ اللهِ تعالى، فكانَ فسادُ العقدِ بفساده أَولى منه في سائرِ العقودِ.
فإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ قبلَ الدخولِ فُسخَ النكاحُ ولا شيءَ لها، وإنِ اطُّلعَ على ذلك بعدَ البناءِ فلها صَداقُ المثلِ.
وقيلَ: يَمضي مُطلَقًا، وقيلَ: يُفسخُ مُطلقًا، ولا شَكَّ أنَّ الفسخَ هنا بطَلاقٍ؛ للخلافِ المذكورِ، ولا شيءَ على الزوجِ فيما هلكَ مِنْ ذلك (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ إذا فسَدَ بأنْ عُقِدَ النكاحُ على مهرٍ باطلٍ كالخمرِ أو الخنزيرِ أو مَجهولٍ لم يَبطلِ النكاحُ؛ لحَديثِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما مَرفوعًا: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢)، فتَضمَّنَ هذا الخبَرُ نفيَ النكاحِ بعَدمِ الوليِّ والشاهدَينِ، وإثباتَ النكاحِ بوُجودِ الولي والشاهدَين، وهذا نكاحٌ بوليٍّ وشاهدَينِ، فوجَبَ أنْ يكونَ صَحيحًا؛ لأنه لم يفصِّلْ بينَ أنْ يكونَ المهرُ صَحيحًا أو فاسدًا.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٠)، و «الإفصاح» (٢/ ١٥٢).
(٢) صَحيحٌ مَوقوفٌ على ابنِ عباسٍ: رواه البيهقي (١٣٤٢٨)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٢٦٤).
ولأنَّ فسادَ المهرِ لا يُوجِبُ فسادَ العقدِ كالمهرِ المَغصوبِ، ولأنَّ كلَّ نكاحٍ صحَّ بالمَهرِ الصحيحِ صحَّ بالمهرِ الفاسدِ، كما لو أصدَقَها عَبدًا فبانَ حرًّا.
ولأنه ليسَ في فسادِ المهرِ أكثرُ مِنْ سقوطِه، وليسَ في سُقوطِه أكثرُ مِنْ فَقدِ ذِكرِه، ولو فُقدَ ذِكرُه لم يَبطلِ النكاحُ، فكذلكَ إذا ذُكرَ فاسدًا.
وعلى هذا إذا دخَلَ بها أو ماتَ عنها وجَبَ لها مهرُ المثلِ بالِغًا ما بلغَ عندَ عامَّةِ العُلماءِ؛ لأنَّ البُضعَ مفوتٌ بالعقدِ، فلمْ تَقدرْ على استِرجاعِه، فوجَبَ أنْ تعدلَ إلى قيمتِه وهي مهرُ المثلِ؛ لأنها دخَلَتْ في العقدِ على أنْ يكونَ لها المسمَّى، فإذا لم يُسَمّ وتعذَّرَ رجوعُها إلى بضعِها رجَعَتْ إلى قيمتِه، كمَن اشتَرى عبدًا بثوبٍ فماتَ في يدِه وردَّ بائعُه الثوبَ بعَيبٍ رجَعَ بقيمةِ العبدِ حينَ فاتَ الرجوعُ بعينِه.
ولأنَّ العوضَ الأصليَّ في هذا الباب هو مهرُ المثلِ؛ لأنه قيمةُ البضعِ، وإنما يُعدَلُ عنه إلى المسمَّى إذا صحَّتِ التسميةُ، وكانَتِ التسميةُ تَقديرًا لتلكَ القيمةِ، فإذا لم تَصحَّ التسميةُ أو تزلزَلَتْ لم يَصحَّ التقديرُ، فإذا لم يَصحَّ التقديرُ فوجَبَ المَصيرُ إلى الفرضِ الأصليِّ؛ ولهذا كانَ المبيعُ بيعًا فاسدًا مَضمونًا بالقيمةِ في ذواتِ القِيَمِ لا بالثمنِ، كذا هذا.
وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ وجَبَ لها أيضًا نصفُ مهرِ المثلِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، وعندَ الحَنفيةِ يَجبُ لها المتعةُ.
قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ طلَّقَ قبلَ الدخولِ فلها نصفُ مهرِ
المثلِ، وبهذا قالَ الشافعيُّ، وقالَ أصحابُ الرأيِ: لها المُتعةُ؛ لأنه لو لم يُسَمِّ لها صداقًا كانَ لها المتعةُ، فكذلكَ إذا سمَّى لها تسميةً فاسدةً؛ لأنَّ هذه التَّسميةَ كعدمِها.
وذكرَ القاضِي في «الجامِع» أنه لا فرْقَ بينَ مَنْ لم يُسمِّ لها صداقًا وبينَ مَنْ سمَّى لها مُحرَّمًا كالخمرِ أو مَجهولًا كالثوبِ، وفي الجَميعِ روايتَان:
إحداهُما: لها المتعةُ إذا طلَّقَها قبلَ الدخولِ؛ لأنَّ ارتفاعَ العقدِ يُوجبُ رفْعَ ما أوجَبَه مِنْ العوضِ كالبيعِ، لكنْ ترَكْناه في نصفِ المسمَّى لتَراضيهِما عليهِ، فكانَ ما تراضَيَا عليه أَولى، ففي مهرِ المثلِ يَبقى على الأصلِ في أنه يَرتفعُ وتَجبُ المتعةُ.
والثانيةُ: أنَّ لها نصفَ مهرِ المثلِ؛ لأنَّ ما أوجَبَه عقدُ النكاحِ يتنصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ، ومهرُ المثلِ قد أوجَبَه العقدُ فيَتنصَّفُ به كالمسمَّى، والخِرقيُّ فرَّقَ بينَهما فأوجَبَ في التسميةِ الفاسدةِ نِصفَ مهرِ المثلِ وفي المُفوِّضةِ المُتعةَ، وهو مذهبُ الشافعيِّ، لأنَّ المفوِّضةَ رَضيَتْ بلا عِوضٍ وعادَ إليها بُضعُها سَليمًا، وإيجابُ نِصفِ المهرِ لها لا وجْهَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوجَبَ لها المتعةَ، ففي إيجابِ نصفِ المهرِ جَمعٌ بينَهما أو إسقاطٌ للمُتعةِ المنصوصِ عليها، وكِلاهُما فاسدٌ، وأما التي اشتَرطتْ لنَفسِها مهرًا فلمْ تَرْضَ إلا بعوضٍ ولم يَحصلْ لها العوضُ الذي اشتَرطَتْه، فوجَبَ لها بدلُ ما فاتَ عليها مِنْ العوضِ وهو مهرُ المثلِ، أو نصفُه إنْ كانَ قبلَ الدخولِ، ولأنَّ الأصلَ وُجوبُ مهرِ المثلِ؛ لأنه وجَبَ بالعقدِ بدليلِ أنه
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل
الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام الصداق]
فَصْلٌ) الصَّدَاق تَعْرِيفه الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ: كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ؛ لَا هُوَ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام الصَّدَاق
فَصْلٌ)
(فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّدَاقِ) وَأَخَّرَهُ لِيَتَفَرَّغَ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (الصَّدَاقُ) أَيْ الْمَالُ الْمُلْتَزَمُ لِلْمَخْطُوبَةِ لِمِلْكِ عِصْمَتِهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَيُقَالُ لَهُ صَدُقَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} النساء: ٤ مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ فِي مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَيُسَمَّى مَهْرًا وَطَوْلًا بِفَتْحِ الطَّاءِ وَأُجْرَةً وَنَفَقَةً وَنِحْلَةً بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ وَإِسْقَاطُهُ مُنَافٍ لَهُ فَإِمْكَانُ لُزُومِهِ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ بِلُزُومِهِ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ فَلَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الْأَصْلِيَّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ رُكْنٌ يُرَدُّ بِعَدَمِهِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضٍ وَقَعَ فِيهِ طَلَاقٌ أَوْ مَوْتٌ قَبْلَ الْبِنَاء لِأَنَّ رُكْنَ الْعَامِّ رُكْنٌ لِلْخَاصِّ، وَفِيهَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ مَهْرَهَا صَحَّ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَبَطَلَ فِي التَّفْوِيضِ قَبْلَ فَرْضِهِ إذْ لَيْسَ بِمَالٍ لَهَا فَيَشْرِطُهُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٤١ - مسألة؛ قال: (وإذا تزوجها، وشرط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، فلها شرطها؛ لما
شُرُوطِهِمْ ". ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا. ورَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، أَنَّ رَجُلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها. فقال الرجلُ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ . ولأنَّه شَرْطٌ لها فيه مَنْفعةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ المَقْصُودَ من النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو شَرَطَتْ عليه زِيادةً فى المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ. وقولُه عليه السلام: " كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فى كِتَابِ اللَّه، فَهُوَ باطِلٌ". أى ليس فى حُكْمِ اللَّه وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ ، وقد ذكرْنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّتِه، على أَنَّ الخِلافَ فى مَشْرُوعيَّتِه وعلى مَنْ نَفَى ذلك الدليلُ. وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلَالَ. قُلْنا: لا يُحَرِّمُ حلالًا، وإنما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به. وقولُهم: ليس من مَصْلَحَتِه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ فإنَّه من مصلحةِ المرأةِ، وما كان من مصلحةِ العاقدِ كان من مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِراطِ الرَّهْنِ والضَّمِين فى البَيْعِ، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادةِ على مَهْرِ المِثْلِ، وشَرْطِ غيرِ نَقْدِ البَلَدِ. إذا ثَبَتَ أنَّه شَرْطٌ لازمٌ فلم يَفِ لها به، فلها الفَسْخُ؛ ولهذا قال الذى قَضَى عليه عمرُ بلُزُومِ الشَّرْطِ: إذًا تُطَلِّقِينَا. فلم يَلْتَفِتْ عمرُ إلى ذلك، وقال: مقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. ولأنَّه شَرْطٌ لازمٌ فى عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ والضَّمِينِ فى البَيْعِ.
ارجع إلى أقل المهر وأكثره للاطلاع على جميع المسائل.