الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره > تجهيز المرأة نفسها بالمهر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةتَجهيزُ المَرأةِ نَفسَها بالمهرِ:
لا خِلافَ بينَ علماءِ المُسلمِينَ أنَّ الزوجةَ لا يَجبُ عليها تَجهيزُ بيتِها إذا لم يُعطِها الزوجُ مهرَها.
إلا أنَّ الفقهاءَ اختَلفوا فيما لو أعطَى الزوجُ إلى زَوجتِه المهرَ، هل يَلزمُها أنْ تتجهَّزَ بجهازِ العُرسِ بهذا المَهرِ؟ أم لا يَلزمُها ويكونُ المهرُ خالصَ حقِّها؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ (والظاهِريةُ) وابنُ وَهبٍ مِنَ المالِكيةِ إلى أنه لا يَجبُ على المرأةِ أنْ تجهِّزَ نفسَها بالمهرِ، وأنَّ المهرَ خالصٌ لها تتصرَّفُ فيه كيفَما شاءَتْ، وليسَ عليها أنْ تَشتريَ به أو تُعِدَّ به بيتَ الزَّوجيةِ، ولا يُوجَدُ نصٌّ ولا شيءٌ ورَدَ في الشريعةِ الإسلاميةِ أنه يَجبُ عليها ذلكَ، ولا يجبُ على وليِّها أيضًا؛ لأنه لم يُوجدْ نصٌّ مِنْ الشريعةِ يُوجبُ عليه ذلكَ، إلا أنْ تتَطوَّعَ بذلك أو وليُّها كما هو العُرفُ في كثيرٍ مِنْ بلدانِ المسلمينَ الآنَ كمِصرَ أنْ يُجهِّزَ والدُ الزوجةِ نصفَ ما يَستلزمُ البيتُ مِنْ المَفروشاتِ، فهذا تَبرعٌ منه غيرُ واجبٍ.
والدليلُ على أنَّ المهرَ مِلكُ المرأةِ وحقُّها قولُه ﷿: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أضافَ المهرَ إليها، فدَلَّ أنَّ المهرَ حقُّها ومِلكُها، ولأنه بَدلُ بُضعِها، وبضعُها حقُّها ومِلكُها، وقولُه ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وقولُه تعالَى: ﴿مِنْهُ﴾ أي مِنَ الصداقِ؛ لأنه هو المُكَنَّى السابقُ، أباحَ للأزواج التناوُلَ مِنْ مُهورِ النساءِ إذا
طابَتْ أنفسُهنَّ بذلكَ، ولذا علَّقَ ﷾ الإباحةَ بطيبِ أنفُسِهنَّ، فدَلَّ ذلكَ كلُّه على أنَّ مهرَها مِلكُها وحقُّها (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٠)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٢٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣)، و «المبدع» (٧/ ١٥١)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٥٦)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٩٢)، وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه في «المحلى»: ولا يجوزُ أنْ تُجبَرَ المَرأةُ على أنْ تَتجهَّزَ إليه بشيءٍ أصلًا، لا صَداقِها الذي أصدَقَها ولا مِنْ غيرِه مِنْ سائرِ مالِها، والصداقُ كلُّه لها تَفعلُ فيه كلِّه ما شاءَتْ، لا إذنَ للزوجِ في ذلكَ ولا اعتِراضَ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ والشافعيِّ وأبي سُليمانَ وغيرِهم.
وقالَ مالكٌ: إنْ أصدَقَها دنانيرَ أو دَراهمَ أُجبِرتْ على أنْ تَبتاعَ بكلِّ ذلك شورَةً مِنْ ثيابٍ ووِطاءٍ وحُليٍّ تَتجملُ به له، ولا يَحلُّ لها أنْ تَقضيَ منها دَينًا عليها إلا ثَلاثةَ دنانيرَ فأقلَّ، فإنْ أصدَقَها نِقَارَ ذَهبٍ أو نِقارَ فضةٍ فهو لها، ولا تُجبَرُ على أنْ تَبتاعَ بها شورةً أصلًا، فإنْ أصدَقَها حُليًّا أُجبِرتْ على أنْ تَتحلَّى به له، فإنْ أصدَقَها ثيابًا ووِطاءً أُجبِرتْ على أنْ تَلبسَها بحَضرتِه، ولم تَجبْ لها عليهِ كِسوةٌ حتى تَمضيَ مدَّةٌ تَخلَقُ فيها تلكَ الثيابُ، فإنْ أصدَقَها خادمًا أُنثى أُجبِرتْ على أنْ تَخدمَها ولم يَكنْ لها بيعُها، وإنْ أصدَقَها عبدًا فلها أنْ تَفعلَ فيه ما شاءَتْ مِنْ بيعٍ أو غيرِه.
فلو أصدَقَها دابةً أو ماشِيةً أو ضَيعةً أو دارًا أو طعامًا لم يَكنْ للزَّوجِ في كلِّ ذلكَ رأيٌ، وهو لها تَفعلُ فيه ما شاءَتْ مِنْ بيعٍ أو غيرِه، وليسَ للزَّوجِ أنْ يَنتفعَ بشيءٍ مِنْ ذلكَ ولا أنْ يَنظرَ فيه إلا بإذنِها إنْ شاءَتْ.
قالَ أبو مُحمدٍ: قولُ مالكٍ هذا يَكفي مِنْ فسادِه عَظيمُ تَناقضِه وفَرْقُه بينَ ما فرَّقَ مِنْ ذلكَ بلا بُرهانٍ مِنْ قرآنٍ ولا مِنْ سُنةٍ ولا رِوايةٍ سَقيمةٍ ولا قَولٍ أحَدٍ نَعلمُه قبلَه ولا قياسٍ ولا رأيٍ له وَجهٌ.
وأطرفُ شَيءٍ إباحتُه لها قضاءَ الثلاثةِ دَنانيرَ والدِّينارينِ في دَينِها فقطْ لا أكثَرَ مِنْ ذلكَ، فليتَ شِعرِي إنْ كانَ صَداقُها ألفَي دَينارٍ أو كانَ صَداقُها دينارًا واحدًا كيفَ العملُ في ذلكَ؟ إنَّ هذا لَعجَبٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قالَ أبو مُحمدٍ: وبُرهانُ صحةِ قولِنا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] فافتَرضَ اللهُ ﷿ على الرِّجالِ أنْ يُعطُوا النِّساءَ صَدُقاتهنَّ نِحلةً، ولم يُبِحْ للرجالِ منها شيئًا إلا بطيبِ أنفُسِ النساءِ، فأيُّ بَيانٍ بعدَ هذا نَرغبُ؟ أم كيفَ تَطيبُ نفسُ مُسلمٍ على مُخالَفةِ هذا الكلامِ لرأيٍ فاسدٍ مُتخاذلٍ مُتنافرٍ لا يُعرَفُ لقائلِه فيه سلفٌ؟
ووجَدْنا اللهَ ﷿ قد أوجَبَ للمرأةِ حُقوقًا في مالِ زوجِها أحَبَّ أم كَرهَ، وهي الصَّداقُ والنَّفقةُ والكِسوةُ والإسكانُ ما دامَتْ في عِصمتِه، والمتعةُ إنْ طلَّقَها، ولم يَجعلْ للزَّوجِ في مالِها حقًّا أصلًا، لا ما قَلَّ ولا ما كَثُرَ، ولا شيءَ أطرَفُ مِنْ إسقاطِهم عن الزوجِ الكِسوةَ ما دامَ يُمكِنُها أنْ تَكتسيَ مِنْ صداقِها ولم يُسقِطْ عنه النفقةَ ما دامَ يُمكِنُها أنْ تُنفِقَ على نفسِها مِنْ صداقِها، فهل سمعَ بأسقَطَ مِنْ هذا الفرقِ الفاسدِ؟
وشغَّبَ بعضُهم بقولِ اللهِ ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، فقُلنا: صدَقَ اللهُ ﷿، ولا يَحِلُّ تَحريفُ الكَلِمَ عن مَواضعِه، ولا أنْ نَقولَ عليهِ ﷿ ما لم يَقلْ، فهذا مِنْ أكبَرِ الكبائرِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ذِكرٌ لقيامِه على شيءٍ من مالِها، ولا للحُكمِ برأيِه ولا للتصرُّفِ فيه، وإنما فيها أنه قائمٌ عليها يُسكِنُها حيثُ يَسكنُ، ويَمنعُها مِنْ الخُروجِ إلى غيرِ الواجبِ، ويُرحِّلُها حيثُ يَرحلُ، ثمَّ لو كانَ في الآيةِ لِمَا ادَّعيتمُ لَكنتُم أولَ مُخالفينَ لها؛ لأنكم خصَّصْتم بعضَ الصَّدقاتِ دونَ بعضٍ ودونَ سائرِ مالِها، كلُّ ذلكَ تَحكُّمٌ بالباطلِ بلا برهانٍ.
وشغَّبُوا أيضًا بالخبَرِ الثابتِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ: «تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لحَسبِها ومالِها وجَمالِها ودِينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبتْ يَداكَ»، وهذا عَجبٌ جِدًّا لا نَظيرَ له، أولُ ذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يأمرْ أنْ تُنكَحَ لمالِها ولا ندَبَ إلى ذلكَ ولا صوَّبَه، بل إنما أورَدَ ذلكَ إخبارًا عن فعلِ الناسِ فقطْ، وهذه أفعالُ الطمَّاعينِ المَذمومِ فعلُهم في ذلكَ، بل في الخبَرِ نفسِه الإنكارُ لذلكَ بقولهِ عليه الصلاة والسلام: «فاظفَرْ بذاتِ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الدِّينِ»، فلمْ يأمرْ بأنْ تُنكَحْ بشيءٍ مِنْ ذلكَ إلا للدِّينِ خاصةً، لكنَّ الواجِبَ أنْ تَنكحَ المرأةُ الزوجَ لمالِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوجَبَ لها الصَّداقَ عليهِ والنفقةَ والكِسوةَ. وقد جاءَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ بيانُ النهيِ عن أنْ تُنكَحَ المرأةُ لمالِها كما حدَّثَنا أحمدُ بنُ مُحمدٍ الطَّلمنكيُّ نا ابنُ مُفرِّجٍ القاضي نا مُحمدُ بنُ أيوبَ الرقِّيِّ نا البزَّارُ نا سَلمةُ بن شَبيبٍ نا عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَنكحُوا النساءَ لحُسنِهنَّ، فلَعلَّ حُسنَهنَّ يُردِيهِنَّ، ولا تَنكحوهنَّ لأموالهنَّ، فلعلَّ أموالهُنَّ يُطغيهنَّ، وانكِحوهنَّ للدِّينِ، ولَأمَةٌ سوداءُ خَرماءُ ذاتُ دِينٍ أفضلُ».
ثم إنهم أولُ مُخالِفينَ لِمَا موَّهُوا به؛ لأنه ليس في نكاحِ المَرأةِ لمالِها لو أُبيحَ ذلكَ أو نُدبَ إليه شيءٌ ممَّا أتَوا به مِنْ التَّخليطِ في الفرقِ بينَ صداقِ فِضةٍ مَضروبةٍ وذَهبٍ مَضروبٍ وبينَ سَبائكِ فضةٍ وذَهبٍ غيرِ مَضروبةٍ، والفرق بينَ إصداقِ ثيابٍ ووِطاءٍ وجَوهرٍ وخادمٍ وبينَ إصداقِ حَريرٍ وقُطنٍ وكتَّانٍ وصُوفٍ ودابةٍ وماشيةٍ وعبدٍ وطعامٍ، والفرق بينَ قضاءِ ثلاثةِ دنانيرَ مِنْ دَينِها فأقلَّ وبينَ قضائِها أكثرَ مِنْ ذلكَ، فوضَحَ عظيمُ فَسادِ تَخليطِ هذه الأقوالِ، وباللهِ تعالى التَّوفيقُ.
وربَّما يُموِّهونَ بما نَذكرُه ممَّا رُوِّيناه مِنْ طريقِ الحجَّاجِ بنِ المِنهالِ نا همَّامُ بن يحيَى أنا قَتادةُ عن جلالِ بن أبي الجَلالِ العَتَكيِّ عن أبيه أنَّ رَجلًا خطَبَ إلى رجلٍ ابنتَه مِنْ امرأةٍ عرَبيةٍ فأنكَحَها إياهُ، فبعَثَ إليه بابنةٍ له أُخرى أمُّها أعجَميةٌ، فلمَّا دخَلَ بها عَلِمَ بعدَ ذلكَ، فأتى معاويةَ فقَصَّ عليهِ فقالَ: مُعضلةٌ ولا أبَا حَسنٍ -وكانَ عليٌّ حَربًا لمُعاويةَ-، فقالَ الرجلُ لمُعاويةَ: فأْذَنْ لي أنْ آتيَه، فأَذِنَ له معاويةُ، فأتى الرجلُ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ فقالَ: السلامُ عليكَ يا عليُّ، فرَدَّ عليهِ السلامَ، فقَصَّ عليه القِصةَ فقضَى عليٌّ على أبي الجاريةِ بأنْ يُجهِّزَ ابنتَه التي أنكَحَها إياهُ بمثلِ الصداقِ الذي ساقَ منها لأختِها بما أصابَ مِنْ فرجِها، وأمَرَه أنْ لا يَمَسَّ امرأتَه حتى تَنقضيَ عدَّةُ أختِها.=
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزوجةَ إذا قبَضَتِ الحالَّ مِنْ صداقِها قبلَ أنْ يَبنيَ بها زوجُها فللزوجِ أنْ يُلزِمَها أنْ تَتجهَّزَ بذلكَ لا بأزيَدَ منه على
= قالَ الحجَّاجُ بنُ المِنهالِ: وأخبَرَني هُشيمٌ قالَ: أخبَرَني المُغيرةُ عن إبراهيمَ النخَعيِّ أنَّ رَجلًا تزوَّجَ جاريةً فأدخَلَ عليهِ غيرَها، فقالَ إبراهيمُ: للتي دخَلَ بها الصَّداقُ الذي ساقَ، وعلى الذي غَرَّه أنْ يَزِفَّ إليهِ امرأته بمثلِ صداقِها.
قالَ أبو مُحمدٍ: هذا كلُّه عليهم لا لهُم؛ لأنه ليسَ في شيءٍ مِنْ هذَينِ الخبَرينِ أنَّ للزوجِ في ذلكَ حقًّا ولا أَرَبًا إنَّما فيهما أنْ يَضمنَ للتي زُوِّجتْ منه وزُفَّ إليه غيرُها صَداقَها الذي استَهلكَ لها وأُعطيَ لغيرِها بغيرِ حقٍّ، وهكذا نَقولُ.
ثمَّ هُمْ يُخالِفونَ هذه الروايةِ عن عليٍّ في مَوضعينِ: أحَدُهما: أنه جعَلَ للتي زُفَّتْ إليه الصَّداقَ الذي سمَّى لأختها، وهم لا يَقولونَ بهذا، بل إنما يَقضونَ لها بصَداقِ مثلِها.
والمَوضعُ الثاني: أمرُ عليٍّ له أنْ لا يطَأَ التي صَحَّ نكاحُه معها إلا حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ الأخرى التي زُفَّتْ إليه، وهم لا يَقولونَ بهذا، فمِن المَقتِ والعارِ والإثمِ تَمويهُ مَنْ يُوهِمُ أنه يَحتجُّ بأثرٍ هو أولُ مَنْ يُخالِفُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ الخُذلانِ، هذا مع أنَّ الجَلالَ بنَ أبي الجَلالِ غيرُ مشهورٍ.
وبما أخبَرناهُ أحمَدُ بنُ قاسمٍ نا أبي قاسمُ بنُ مُحمدِ بنِ قاسمٍ نا جَدِّي قاسمُ بنُ أصبَغَ نا أحمدُ بنُ زُهيرٍ نا الحسنُ بنُ حمَّادٍ نا يحيَى بنُ يَعلى عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ عن قتادةَ عن الحسَنِ عن أنسٍ، فذكَرَ خِطبةَ عليٍّ فاطِمةَ رضي الله عنهما، وأنَّ عليًّا باعَ دِرعَه بأربعمائةٍ وثمانينَ، قالَ: «فأتيتُ بها رسولَ اللهِ ﷺ فوضَعْتُها في حِجرِه، فقَبضَ منها قبضةً فقالَ: يا بلالُ ابتَغِنَا بها طِيبًا، وأمَرَهم أنْ يُجهِّزُوها، قالَ: فجُعلَ لنا سَريرٌ مَشروطٌ ووِسادةٌ مِنْ أُدمٍ حَشوُها ليفٌ وملءُ البيتِ كَثيبًا» (رواه ابن حبان في «صحيحه» ٦٩٤٤).
قالَ أبو مُحمدٍ: وهذا حُجةٌ عليهم؛ لأنه لا تَبلغُ قَبضةٌ في طِيبٍ وسَريرٌ مَشروطٌ بالشَّريط ووِسادةٌ مِنْ أُدمٍ حَشوُها ليفٌ عُشرَ أربعِمائةِ درهمٍ وثمانينَ دِرهمًا، فظهَرَ فسادُ قَولِهم، والحَمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. «المحلى» (٩/ ٥٠٧، ٥٠٩).
العادةِ في جهازِ مِثلِها لمثلِه مِنْ حَضَرٍ وبَدْوٍ، حتى لو كانَ العُرفُ شِراءَ خادمٍ أو دارٍ لَزمَها ذلكَ.
وأما إذا تأخَّرَ القبضُ عن البناءِ فإنه لا يَلزمُها التجهيزُ به، سواءٌ كانَ حالًّا أو مُؤجَّلًا فحَلَّ قبلَه أو بعدَه؛ لأنه رَضيَ حيثُ دخَلَ بعَدمِ التجهيزِ، إلا لشَرطٍ أو عُرفٍ.
وكما لو كانَ الصداقُ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ أو حيوانًا أو عُروضًا أو عَقارًا، فإنه لا يَلزمُ بيعُه لتَتجهَّزَ به، وإنما يَلزمُها التجهيزُ إذا كانَ ما قبضَتْه عينًا -أي ذهَبًا أو فِضةً أو أموالًا-.
ومثلُ حالِّ الصَّداقِ إذا عجَّلَ لها المؤجَّلَ وكانَ نقدًا، وإنْ كانَ لا يَلزمُها قبولُه.
وإذا دعَا زوجتَه إلى قبضِ ما حَلَّ مِنْ صداقِها والتَّجهيزِ به وأبَتْ أخْذَه لئلَّا يُلزمَها التجهيزَ به فإنه يُقضَى عليها بأنْ تَقبضَ ذلكَ على المَشهورِ وتتجهَّزَ به.
إلا أنْ يُسمِّي شَيئًا أزيدَ ممَّا قبضَتْه أو يَجري به عُرفٌ فيَلزمُ ما سَمَّاه، بأنْ شرَطَ الزوجُ لنفسِه كِسوةً تُخرجُها له الزوجةُ في الشُّوَارِ للِباسِه.
ولا تُنفِقُ مِنْ الصداقِ على نَفسِها ولا تَقضي منهُ دَينًا؛ لأنه يَلزمُها التَّجهيزُ بما قبضَتْه، إلا المحتاجةَ؛ لأنها تُنفِقُ منه وتَكتسي الشيءَ القليلَ بالمَعروفِ، وإلا الدَّينَ القليلَ كالدينارِ مِنْ مَهرٍ كثيرٍ، وأما إنْ كانَ قَليلًا فتَقضي منه بحَسبهِ.
ثمَّ إنْ طلَّقَ قبلَ البناءِ وهي مُعسِرةٌ اتبعَ ذِمتَها بنصفِ ما أنفَقَتْ.
وإذا شرَطَ الزوجُ على المرأةِ التجهيزَ بأكثرَ مِنْ صداقِها أو جرتِ العادةُ بذلكَ فتجهَّزَتْ بما شُرطَ أو اعتيدَ ثمَّ ماتَتِ المرأةُ قبلَ البناءِ فطالَبَ أولياؤُها زوْجَها بما يَخصُّهم مِنْ الصداقِ أو ما حَلَّ منه -أي بقدرِ ميراثِهم منهُ- فطالَبَهم الزوجُ أنْ يُبْرِزوا جهازَها المُشتَرَطَ أو المُعتادَ ليَنظرَ قدْرَ ميراثِه منه فلا يَلزمُهم ذلكَ، ويُحَطُّ عن الزوجِ مِنْ الصَّداقِ ما زادَه لأجْلِ جهازِها، ويُخيَّرُ الزوجُ بينَ الرضا بالجهازِ المُساوِي لمَهرِها والطلاقِ ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ الموضوعَ قبلَ البناءِ، وأما إنْ فاتَ النكاحُ بالدخولِ أُجبِرَ الأبُ على ما جرَى به العرفُ مِنْ تجهيزِها به مِنْ مالِها (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا اشتَرَت بالصداقِ جهازًا أو ما يُصلِحُها ويُصلحُ زوْجَها ممَّا جرَى مِنْ العرفِ في موضِعها بأنَّ المرأةَ تتجهَّزُ به للرَّجلِ ثمَّ طلَّقَها قبلَ الدخولِ فله نِصفُ ما اشتَرتْ، ولا يَلزمُها أنْ تغرمَ له عَينًا.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: عليها أنْ تَردَّ له نصفَ العينِ التي قبَضَتْ منه.
فدليلُنا أنَّ العرفَ إذا كانَ جاريًا في مَوضعِها بأنَّ المرأةَ تتجهَّزُ للرجلِ وأنه يَلتمسُ ذلك منها فعليه دخَلَا، فكأنها فعلَتْ ذلك بأمرِه؛ لأنه قد عَلِمَ
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٦٠٦، ٦٠٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٨٤، ٢٨٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٧، ٥٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٧٤، ١٧٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ١٣٦، ١٣٨).
أنها تَتصرَّفُ فيه فكانَ كما لو صرَّحَ فقالَ: «قد أذِنْتُ لكِ أنْ تَشتري بصداقِكِ جهازًا»، ولو فعَلَ ذلكَ لم يكنْ له إلا نصفُ ما اشتَرتْهُ.
فدليلُنا على وُجوبِ تجهيزِ المرأةِ للزوجِ إذا كانَ العرفُ عندَهم جاريًا بذلكَ، فدليلُنا قولُه تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ولأنه ﷺ أخَذَ صَداقَ فاطمةَ عليها السلام فصرَفَه في جهازِها مِنْ طِيبٍ وفرشٍ وغيرِ ذلكَ، ولأنَّ عليًّا رضي الله عنه قضَى بذلكَ في قضيةٍ ارتفعَ إليه فيها، فقَضَى على الأبِ بوُجوبِ تجهيزِ ابنتِه وقالَ الزوجُ لمَّا طلَّقَ فطلَبَ نصفَ ما دفَعَ فقالَ: آخُذُ صُوفًا وخِرَقًا وقد أعطَيْتُ دراهمَ؟ قالَ: أنتَ أضَعْتَ مالَكَ، ولم يُخالِفْ عليه أحدٌ (١).
قالَ المالِكيةُ أيضًا: للزوجِ التَّمتعُ بشَورتِها -الشَّورَةُ بفتحِ الشينِ هيَ مَتاعُ البيتِ، وبضَمِّها هي الجَمالُ-، والمعنى أنه يَجوزُ للرجلِ أنْ يَتمتعَ مع زوجتِه بشَورتِها التي تجهَّزَتْ بها ودخَلَتْ عليه بها مِنْ غِطاءٍ ووِطاءٍ ولباسٍ ونحوِها، وسواءٌ تمتَّعَ بها معَها أو وحدَه، وتَمتعُه بها حقٌّ له، فله مَنعُها مِنْ بيعِها وهِبتِها؛ لأنه يَفوتُ عليه التمتعُ بها وهو حقٌّ له، والمُرادُ بشَورتِها التي دخَلَتْ بها مِنْ مَقبوضِ صَداقِها التي تجهَّزتْ به، وأما لو لم تَقبضْ شيئًا وإنما تجهَّزَتْ مِنْ مالِ نفسِها فليسَ له عليها إلا الحَجرُ إذا تبَرَّعتْ بزائدِ الثلثِ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٧، ٣٦٨) رقم (١٢٠٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل المهر
فَمَمْنُوعٌ بَلْ أَتَى بِنِكَاحٍ مُؤَقَّتٍ، وَالنِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَالْمُتْعَةُ مَنْسُوخَةٌ وَصَارَ هَذَا كَالنِّكَاحِ الْمُضَافِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَا يُقَالُ: يَصِحُّ النِّكَاحُ وَتَبْطُلُ الْإِضَافَةُ؛ لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ نِكَاحٌ مُضَافٌ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَذَا هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنْ أُطَلِّقَك إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ أَبَّدَ النِّكَاحَ ثُمَّ شَرَطَ قَطْعَ التَّأْبِيدِ بِذِكْرِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَنَّ " أَنْ " كَلِمَةُ شَرْطٍ، وَالنِّكَاحُ الْمُؤَبَّدُ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ الْمَهْرُ
(فَصْلٌ) :
وَمِنْهَا الْمَهْرُ فَلَا جَوَازَ لِلنِّكَاحِ بِدُونِ الْمَهْرِ عِنْدَنَا، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَنَّ الْمَهْرَ هَلْ هُوَ شَرْطُ جَوَازِ النِّكَاحِ أَمْ لَا؟ وَفِي بَيَانِ أَدْنَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْلُحُ مَهْرًا، وَفِي بَيَانِ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ، وَبَيَانِ حُكْمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَفَسَادِهَا، وَفِي بَيَانِ مَا يَجِبُ بِهِ الْمَهْرُ، وَبَيَانِ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَكَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ كُلُّ الْمَهْرِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْكُلُّ، وَفِي بَيَانِ مَا يَسْقُطُ بِهِ النِّصْفُ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمَهْرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ.
الْمَهْرَ شَرْطُ جَوَازِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِ.
ارجع إلى أقل المهر وأكثره للاطلاع على جميع المسائل.