الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره > هل تصح المنفعة أو الخدمة أن تكون صداقا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةوسَببُ الخِلافِ هو: هل يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ أو لا؟ فمَن قالَ: «لا يجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القُرآنِ» قالَ: لا يجوزُ أنْ يكونَ المهرُ تعليمَ القرآنِ، ومَن قالَ: «يجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ» قالَ: يَجوزُ أنْ يكونَ المهرُ تعليمَ القرآنِ، وإلى هذا أشارَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ حيثُ قالَ رحمة الله عليه: الفتوَى اليومَ على جَوازِ الاستئجارِ لتَعليمِ القُرآنِ والفقهِ، فيَنبغي أنْ يَصحَّ تَسميتُه مَهرًا؛ لأنَّ ما جازَ أخذُ الأجرِ في مُقابلتِه مِنَ المَنافعِ جازَ تَسميتُه صَداقًا كمَا قدَّمْنا نقْلَه عنِ «البَدائِع»، ولهذا ذُكرَ في «فَتْح القَديرِ» هنا أنه لمَّا جوَّزَ الشافِعيُّ أخْذَ الأجرِ على تعليمِ القُرآنِ صحَّحَ تَسميتَه صَداقًا، فكذا نَقولُ يَلزمُ على المُفتى به صحةُ تسميتِه صداقًا، ولمْ أرَ أحَدًا تعرَّضَ لهُ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ (١).
هل تَصحُّ المَنفعةُ أو الخِدمةُ أنْ تَكونَ صَداقًا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَهرِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَ منفعةً كتعليمِ صَنعةٍ أو فقهٍ أو حديثٍ أو خدمةٍ أم لا؟ على تَفصيلٍ عندَ الفقهاءِ.
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصحةِ الصداقِ أنْ يكونَ مالًا مُتقوّمًا، وما ليسَ بمالٍ لا يكونُ صداقًا، فلا يَصحُّ الزواجُ على تعليمِ القرآنِ ولا الفقهِ ولا تعليمِ الحَلالِ والحرامِ؛ لِقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، شرَطَ أنْ يكونَ المهرُ مالًا، فما لا يكونُ مالًا لا يكونُ
(١) «البحر الرائق» (٣/ ١٦٨).
مَهرًا فلا تَصحُّ تَسميتُه مَهرًا، وقَوله تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أمَرَ بتَنصيفِ المَفروضِ في الطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، فيَقتضي كونَ المَفروضِ مُحتمِلًا للتَّنصيفِ وهوَ المالُ.
وعلى هذا الأصلِ مَسائلُ:
إذا تزوَّجَ على تعليمِ القُرآنِ أو على تعليمِ الحَلالِ والحرامِ مِنَ الأحكامِ أو على الحجِّ والعُمرةِ ونحوِها مِنَ الطاعاتِ لا تَصحُّ التسميةُ؛ لأنَّ المسمَّى ليسَ بمالٍ، فلا يَصيرُ شيءٌ مِنْ ذلكَ مهرًا، ثمَّ الأصلُ في التسميةِ أنها إذا صَحَّتْ وتقرَّرَتْ يَجبُ المسمَّى، ثم يُنظَرُ إنْ كانَ المسمَّى عَشرةً فصاعدًا فليسَ لها إلا ذلكَ، وإنْ كانَ دونَ العشرةِ تُكمَّلُ العشرةُ.
وإذا فسَدَتِ التسميةُ أو تزلزَلَتْ يجبُ مهرُ المثلِ؛ لأنَّ العوضَ الأصليَّ في هذا البابِ هوَ مهرُ المثلِ؛ لأنه قيمةُ البُضعِ، وإنما يُعدَلُ عنه إلى المسمَّى إذا صحَّتِ التسميةُ، وكانتِ التسميةُ تَقديرًا لتلكَ القيمةِ، فإذا لم تَصحَّ التسميةُ أو تزلزَلَتْ لم يَصحَّ التقديرُ، فإذا لم يَصحَّ التقديرُ وجَبَ المَصيرُ إلى الفرضِ الأصليِّ، ولهذا كانَ المبيعُ بيعًا فاسِدًا مَضمونًا بالقيمةِ في ذواتِ القِيَمِ لا بالثمنِ، كذا هذا، والنكاحُ جائزٌ؛ لأنَّ جوازَه لا يَقفُ على التسميةِ أصلًا، فإنه جائزٌ عندَ عدمِ التسميةِ رأسًا، فعَدمُ التسميةِ إذا لم يَمنعْ جوازَ النكاحِ ففسادُها أَولى أنْ لا يَمنعَ، ولأنَّ التسميةَ إذا فسَدَتِ التحَقَتْ بالعدمِ فصارَ كأنه تزوجَها ولم يُسَمِّ شيئًا، وهناكَ النكاحُ صحيحٌ، كذا هذا، ولأنَّ
تَسميةَ ما ليسَ بمالٍ شرطٌ فاسدٌ، والنكاحُ لا تُبطلُه الشروطُ الفاسدةُ، بخلافِ البيعِ.
وكذلكَ إذا تزوَّجَ امرأةً على طلاقِ امرأةٍ أُخرى أو على العفوِ عنِ القصاصِ؛ لأنَّ الطلاقَ والعفوَ عن القصاصِ ليسَا بمالٍ.
وكذلكَ إذا تزوَّجَها على أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بلدِها أو على أنْ لا يتزوَّجَ عليها فإنَّ المَذكورَ ليسَ بمالٍ.
وكذا لو تزوَّجَ المُسلمُ المُسلمةَ على ميتةٍ أو دمٍ أو خَمرٍ أو خِنزيرٍ لم تَصحَّ التسميةُ؛ لأنَّ الميتةَ والدمَ ليسَا بمالٍ في حقِّ أحدٍ، والخمرَ والخِنزيرَ ليسَا بمالٍ مُتقوّمٍ في حقِّ المُسلمِ، فلا تَصحُّ تسميةُ شيءٍ مِنْ ذلكَ مهرًا.
ولو تزوَّجَ حرٌّ امرأةً على أنْ يخدِمَها سَنةً فالتسميةُ فاسدةٌ ولها مَهرُ مثلِها في قولِ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، وعندَ مُحمدٍ التَّسميةُ صَحيحةٌ ولها قيمةُ خدمةِ سَنةٍ.
فوَجهُ قولِ مُحمدٍ أنَّ مَنافعَ الحرِّ مالٌ؛ لأنها مالٌ في سائرِ العقودِ، حتى يجوزُ أخذُ العوضِ عنها فكذا في النكاحِ، وإذا كانَتْ مالًا صَحَّتِ التسميةُ إلا أنه تعذَّرَ التسليمُ؛ لِمَا في التسليمِ مِنْ استخدامِ الحُرةِ زوجَها وأنه حَرامٌ؛ لِمَا نذكرُ، فيَجبُ الرجوعُ إلى قيمةِ الخدمةِ، كمَا لو تزوَّجَها على عبدٍ فاستُحقَّ العبدُ أنه يَجبُ عليه قيمةُ العبدِ؛ لأنَّ تسميةَ العبدِ قد صحَّتْ؛ لكونِه مالًا، لكنْ تعذَّرَ تسليمُه بالاستحقاقِ فوجَبَتْ عليه قيمتُه لا مهرُ المثلِ؛ لِمَا قُلنا، كذا هذا.
وجهِ قولِهما أنَّ المَنافعَ ليسَتْ بأموالٍ مُتقوّمةٍ على أصلِ أصحابِنا، ولهذا لم تكنْ مَضمونةً بالغصبِ والإتلافِ، وإنما يَثبتُ لها حُكمُ التقوُّمِ في سائرِ العقودِ شرعًا ضرورةً دفعًا للحاجةِ بها، ولا يَمكنُ دفعُ الحاجةِ بها ههنا؛ لأنَّ الحاجةَ لا تندفعُ إلا بالتسليمِ وأنه ممنوعٌ عنه شرعًا؛ لأنَّ استخدامَ الحُرةِ زوْجَها الحُرَّ حرامٌ؛ لكونِه استهانةً وإذلالًا، وهذا لا يجوزُ، ولهذا لا يَجوزُ للابنِ أنْ يستأجِرَ أباه للخدمةِ، فلا تسلمُ خِدمتُه لها شرعًا، فلا يمكنُ دفعُ الحاجةِ بها، فلمْ يَثبتْ لها التقوُّمُ، فبقيَت على الأصلِ، فصارَ كما لَو سَمَّى ما لا قيمةَ له كالخمرِ والخَنزيرِ، وهناكَ لا تَصحُّ التسميةُ ويَجبُ مهرُ المثلِ، كذا ههنا.
حتَّى لو كانَ المسمَّى فعلًا لا استِهانةَ فيه ولا مذلَّةَ على الرَّجلِ كرعيِ دَوابِّها وزِراعةِ أرضِها والأعمالِ التي خارِجَ البيتِ تَصحُّ التسميةُ؛ لأنَّ ذلكَ منْ بابِ القيامِ بأمرِها لا مِنْ بابِ الخِدمةِ، بخلافِ العبدِ؛ لأنَّ استخدامَ زوْجتِه إياه ليسَ بحَرامٍ؛ لأنه عُرضةٌ للاستخدامِ والابتذالِ؛ لكونِه مَملوكًا مُلحَقًا بالبَهائمِ، ولأنَّ مَبنى النكاحِ على الاشتراكِ في القيامِ بمَصالحِ المعاشِ، فكانَ لها في خدمتِه حَقٌّ، فإذا جعَلَ خدمَتَه لها مهرَها فكأنه جعَلَ ما هو لها مهرَها فلم يَجُزْ، كالأبِ إذا استأجرَ ابنَه لخِدمتِه أنه لا يَجوزُ؛ لأنَّ خدمةَ الأبِ مُستحَقَّةٌ عليهِ، كذا هذا، بخلافِ العبدِ؛ لأنَّ خِدمتَه خالصُ مِلكِ المَولَى، فصحَّتِ التسميةِ.
ولو تزوَّجَها على منافعِ سائرِ الأعيانِ مِنْ سُكنى دارِه وخدمةِ عَبيدِه
وركوبِ دابتِه والحَملِ عليها وزراعةِ أرضِه ونحوِ ذلك مِنْ منافعِ الأعيانِ مدَّةً معلومةً صحَّتِ التسميةُ؛ لأنَّ هذه المَنافعَ أموالٌ أو التحَقَتْ بالأموالِ شرعًا في سائرِ العقودِ؛ لمَكانِ الحاجةِ، والحاجةُ في النكاحِ مُتحقِّقةٌ، وإمكانُ الدفعِ بالتسليمِ ثابتٌ بتسليمِ مَحالِّها؛ إذ ليسَ فيه استخدامُ المرأةِ زوْجَها، فجُعِلَتْ أموالًا والتحَقَتْ بالأعيانِ، فصحَّتْ تَسميتُها (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعندَهُم اختِلافٌ في هذه المَسألةِ، هل يَصحُّ أنْ يكونَ تعليمُ القرآنِ أو شيءٍ منه معلومٍ مَهرًا وكذا المنافعُ كالخدمةِ والإسكانِ ونحوِ ذلك أو إِحْجَاجها عامًا أو تَعليمها فِقهًا أو حَديثًا ونحوه؟
فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنه يَصحُّ معَ الكراهةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للرجلِ: «قد زَوَّجتُكَها بما مَعكَ مِنْ القُرآنِ»، ولأنها منفعةٌ مَعلومةٌ مِنْ غيرِ مَعرفةٍ، فجازَ أنْ يكونَ مهرًا، أصلُه العبدُ إذا تزوَّجَها على خدمةِ سَنةٍ.
والقولُ الثاني: أنَّ النكاحَ إنْ وقَعَ بمنفعةٍ كدارٍ أو عبدٍ أو دابةٍ كأنْ يقولَ: «أتزوَّجُكِ بمَنافعِ داري، أو دابتِي، أو عبدِي سَنةً» ويجعلَ تلكَ المَنافعَ صداقَها، وكأنْ يَجعلَ صداقَها خدمتَه لها في زرعٍ أو بناءِ دارٍ أو سفرِ الحَجِّ
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٩١، ٩٢)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٧، ٢٧٩)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٦٧، ٢٦٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٢٧، ٣٢٨)، و «اللباب» (٢/ ٤١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤٥، ١٤٦)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٦٨)، و «عمدة القارئ» (٢٠/ ٤٥).
مثلًا أو تَعليمِها قُرآنًا كسُورةٍ منه وإِحْجَاجِها مضَى النكاحُ ولا فسْخَ للنكاحِ على المشهورِ، وإنما مَضى على المشهورِ للاختِلافِ فيه.
والقولُ الثالثُ: أنه لا يَصحُّ ويُفسخُ قبلَ البناءِ ويَثبتُ بعدَه بصَداقِ المثلِ، ويَرجعُ عليها بقيمةِ الأجرةِ لوَقتِ فَسخِ الإجارةِ ولو بعدَ الدخولِ.
وأمَّا الجُعْلُ فلا خِلافَ في منعِه كأَنْ يقولَ لها: «أتزوَّجُكِ وأجعَلُ مهرَكِ إتياني لكِ بعَبدِكِ الآبقِ» فالجاعلُ الزَّوجةُ والمَجعولُ له هو ذلكَ الزوجُ، فهو نكاحٌ على خِيارٍ، وهو يُفسخُ قبلَ البناءِ لا بعدَه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ أنْ تكونَ منفعةُ الحرِّ صَداقًا، كالخياطةِ والبناءِ وتعليمِ القرآنِ وما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يَصحُّ استئجارُه عليهِ؛ لقَولِه تعالَى على لسانِ شعيبٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فذكَرَ أنَّ الرعيَ صَداقٌ في شرعِ مَنْ قَبلَنا ولم يعقبْه بنَكيرٍ.
و «زوَّجَ النبيُّ ﷺ المرأةَ التي وهَبتْهُ نفسَها مِنْ الرجلِ الذي خطَبَها بما معهُ مِنْ القرآنِ»، وتَقديرُه: على تعليمِ ما معَه مِنْ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ لا يَجوزُ أنْ يكونَ صداقًا.
(١) «الاستذكار» (٥/ ٤١٤، ٤١٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٩) رقم (١١٩٤)، و «تفسير القرطبي» (١٣/ ٢٧٣)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٨٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٥٤، ١٥٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٥، ٣٦).
ولأنَّ كلَّ مَنفعةٍ جازَ أنْ تُستَحقَّ بعقدِ الإجارةِ .. جازَ أنْ تُستَحقَّ بعقدِ النكاحِ، كمَنفعةِ العَبيدِ والأرضِ.
وإطلاقُ التعليمِ فيما تقدَّمَ شاملٌ لِمَا يجبُ تعلُّمُه كالفاتحةِ وغيرِها والقرآنِ والحديثِ والفقهِ والشعرِ والخَطِّ وغيرِ ذلك ممَّا ليسَ بمُحرَّمٍ ولتعليمِها هيَ أو ولَدِها الواجبَ عليها تعليمُه، فعلى هذا لا يَتعذَّرُ تعليمُ غيرِها بطلاقِها، أما إذا أَصْدَقَها تعليمَها بنفسِه فطلَّقَ قبلَ التعليمِ بعدَ دخولٍ أو قبلَه تَعذَّرَ تعليمُه؛ لأنها صارَتْ مُحرَّمةً عليه لا يَجوزُ اختِلاؤُه بها.
فإنْ قيلَ: الأجنبيةُ يُباحُ النظرُ إليها للتعليمِ، وهذهِ صارَتْ أجنبيةً، فَهلَّا جازَ تعليمُها؟
أُجيبَ بأنَّ كلًّا مِنَ الزوجَينِ تعلَّقَتْ آمالُه بالآخرِ وحصَلَ بينَهما نَوعُ ودٍّ، فقَويَتِ التُّهمةُ فامتَنعَ التعليمِ؛ لقُربِ الفتنةِ، بخلافِ الأجنبيِّ؛ فإنَّ قوَة الوَحشةِ بينَهما اقتَضَتْ جوازَ التعليمِ.
وقيلَ: المرادُ بالتعليمِ الذي يَجوزُ النظرُ له هو التعليمُ الواجبُ كقراءَةِ الفاتحةِ، فما هنا مَحلُّه في غيرِ الواجبِ، ورجَّحَ هذا السبكيُّ.
وقيلَ: التعليمُ الذي يُجوِّزُ النظَرَ خاصٌّ بالأَمْرَدِ، بخلافِ الأجنبيِّ، ورجَّحَ هذا الجَلالُ المَحليُّ، والمُعتمدُ الأولُ.
ولو أَصدَقَ زوْجتَه الكتابيةَ تعليمَ قرآنٍ صَحَّ إنْ توقَّعَ إسلامَها، وإلا فلا، ولو أصدَقَها تعليمَ التَّوراةِ أو الإنجيلِ وهُمَا كافرانِ ثمَّ أَسلَمَا أو ترافَعَا
إلينا بعدَ التعليمِ فلا شيءَ لها سواه، أو قبْلَه وجبَ لها مهرُ المثلِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: إنْ أصدَقَها على تعليمِ شيءٍ مُعيَّنٍ مِنْ القرآنِ لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفُروجَ لا تُستباحُ إلا بالأموالِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، والطَّولُ المالُ، وقد رُويَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ زوَّجَ رَجلًا على سُورةٍ مِنَ القُرآنِ ثمَّ قالَ: لا تَكونُ لأحدٍ بعدَكَ مهرًا» (٢) رواهُ النَّجادُ بإسنادِهِ.
ولأنَّ تعليمَ القُرآنِ لا يَجوزُ أنْ يقَعَ إلا قُربةً لفاعلِه، فلمْ يَصحَّ أنْ يكونَ صَداقًا كالصومِ والصلاةِ وتعليمِ الإيمانِ، ولأنَّ التعليمَ مِنَ المعلِّمِ والمُتعلِّمِ مُختلِفٌ ولا يكادُ يَنضبطُ، فأشبَهَ الشيءَ المجهولِ.
وأما حديثُ الموهوبةِ -وقولِه ﷺ: «زوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» مُتفَقٌ عليه- فقيلَ: معناهُ: زوَّجتُكَها لأنكَ مِنْ أهلِ القُرآنِ، كمَا زوَّجَ أبا طَلحةَ على إسلامِه، وليسَ فيه ذِكرُ التعليمِ، ويَحتملُ أنْ يكونَ خاصًّا بذلكَ الرَّجلِ؛ لحَديثِ النجادِ.
فإذا تزوَّجَها على تعليمِ شيءٍ مِنْ القُرآنِ وجَبَ لها مهرُ المثلِ، وكذا كلُّ موضِعٍ لا تَصحُّ فيه التسميةُ أو خَلا العقدُ عن ذِكرِه؛ لأنَّ المرأةَ لا تُسلَّمُ
(١) «البيان» (٩/ ٣٧٤)، و «الإقناع» (٢/ ٤٢٥)، و «كفاية الأخيار» (٤٢٣).
(٢) مُنكَرٌ: أخرَجَه سعيدُ بنُ مَنصورٍ (١/ ١٧٦) عن أبي النُّعمانِ الأزديِّ مُرسَلًا، وضعَّفَه الحافظُ في «الفَتح» (٩/ ١٢٠).
إلا ببَدلٍ، وتعذَّرَ ردُّ العوضِ فوجَبَ بدلُه، كما لو باعَه سِلعةً بخَمرٍ فتلفَتْ عندَ المُشتري.
وإنْ أَصدَقَها تعليمَ أبوابِ فقهٍ أو أبوابِ حديثٍ أو تعليمَ شيءٍ مِنْ شِعرٍ مباحٍ أو أدَبٍ أو صنعةٍ أو كتابةٍ أو ما يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه وهو مُعيَّنٌ صحَّ؛ لأنه يَصحُّ أخذُ الأجرةِ على تعليمِه، فجازَ أنْ يكونَ صداقًا كمنافعِ الدار، حتَّى ولو كانَ لا يحفظُه ويَتعلمُه ثم يُعلِّمُها؛ لأنه بذلكَ يَخرجُ مِنْ عُهدةِ ما وجَبَ عليهِ، وإنْ تعلَّمَتْ ما أصدَقَها تعليمَه مِنْ غيرِه لَزمتْه أجرةُ التعليمِ، أو تَعذَّرَ عليهِ تَعليمُها بأنْ أصدَقَها خياطةً فتَعذَّرَ لَزمتْه أجرةُ التعليمِ؛ لأنه لمَّا تعذَّرَ الوفاءُ بالواجبِ وجَبَ الرجوعُ إلى بَدلِه، وإنْ علَّمَها ما أَصدَقَها تعليمَه ثم نَسيَتْها -أي الصَّنعةَ- التي علَّمَها إياها فلا شيءَ عليه؛ لأنه قد وفَّاها، وإنْ لقَّنَها الجَميعَ وكلَّما لقَّنَها شيئًا نَسيَتْه لم يُعتَدَّ بذلكَ تعليمًا؛ لأنَّ العُرفَ لا يَعُدُّه تَعليمًا، وإنِ ادَّعى أنه علَّمَها وادَّعتْ أنْ غيرَه علَّمَها فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وإنْ جاءَتْه بغَيرِها فقالَتْ: «عَلِّمْه السُّورةَ التي تُريدُ تَعليمي إياها» لم يَلزمْه؛ لأنَّ المُستَحقَّ عليه العملُ في عَينٍ لم يَلزمْه إيقاعُه في غيرِها، كما لو استأجرَتْه لخياطةِ ثوبٍ فأتَتْه بغيرِه، ولأنَّ المتعلِّمِينَ يَختلفونَ في التعليم اختلافًا كَثيرًا، أو أتاها بغيرِه يعلِّمُها لم يَلزمْها قبولُه؛ لأنَّ المُعلِّمينَ يَختلفونَ في التعليمِ وقد يكونُ لها غرضٌ في التعليمِ منه لكَونِه زوْجَها، وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ وقبلَ تعليمِها فعليهِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح
الْمُعَيَّنِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوْصُوفِ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، فَالزَّوْجُ مَجْبُورٌ عَلَى دَفْعِهِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا فَكَانَ مُسْتَقِرًّا مَهْرًا بِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِاسْتِقْرَارِ - وَهُوَ يَوْمُ الْعَقْدِ - فَأَمَّا الثَّوْبُ - وَإِنْ وُصِفَ - فَلَمْ يَتَقَرَّرْ مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ بَلْ الزَّوْجُ مُخَيَّرٌ فِي تَسْلِيمِهِ وَتَسْلِيمِ قِيمَتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ مَهْرًا بِالتَّسْلِيمِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّسْلِيمِ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا جُعِلَ مَهْرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا التَّغَيُّرُ فِي رَغَبَاتِ النَّاسِ بِحُدُوثِ فُتُورٍ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَيُعْتَبَرُ سِعْرُهُ، وَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَةً فَرَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّى مَا هُوَ أَدْنَى مَالِيَّةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَانَ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ ذِكْرٌ لِكُلِّهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَمَّى ذَلِكَ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ ازْدَادَتْ، قِيمَتُهُ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ وَبَيَانُ حُكْمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَفَسَادِهَا فَنَقُولُ: لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ شَرَائِطُ مِنْهَا.
أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهَذَا عِنْدَنَا.
ارجع إلى أقل المهر وأكثره للاطلاع على جميع المسائل.