الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > الحالة الثانية: أن تكون حاملا وتوفي عنها زوجها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ في جَميعِ الأعصارِ على أنَّ المُطلَّقةَ الحامِلَ تَنقضي عِدتُها بوَضعِ حَملِها، وكذلكَ كلُّ مُفارقةٍ في الحَياةِ (١).
الحَالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ حامِلًا وتُوفِّيَ عنها زَوجُها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ حامِلًا مِنْ زَوجٍ وماتَ عَنها زَوجُها فعدَّتُها بوَضعِ الحَملِ، سَواءٌ كانَتْ حُرةً أم أمَةً، مُسلمةً أو كافِرةً، فعدَّتُها بوَضعِ الحَملِ ولو بعدَ ساعةٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وعن سُليمان بنِ يَسارٍ «أنَّ أبا سَلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ وابنَ عبَّاسٍ اجتَمعَا عندَ أبي هُريرةَ وهُمَا يَذكرانِ المَرأةَ تُنفَسُ بعدَ وِفاةِ زَوجِها بلَيالٍ، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: عِدَّتُها آخِرُ الأجَلَينِ، وقالَ أبو سَلمةَ: قد حلَّتْ، فجَعَلَا يَتنازَعانِ ذلكَ، قالَ: فقالَ أبو هُريرةَ: أنا معَ ابنِ أخِي، يَعني أبا سَلمةَ، فبَعثُوا كُرَيبًا مَولَى ابنِ عبَّاسٍ إلى أمِّ سَلمةَ يَسألُها عن ذلكَ، فجاءَهُم فأخبَرَهُم أنَّ أمَّ سَلمةَ قالَتْ: إنَّ سُبَيعةَ الأسلَميَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بلَيالٍ، وإنها ذكَرَتْ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ فأمَرَها أنْ تَتزوَّجَ» (٢).
وعن ابنِ شِهابٍ: حَدَّثني عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ «أنَّ
(١) «المغني» (٨/ ٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٢٦)، ومسلم (١٤٨٥).
أباهُ كتَبَ إلى عمَرَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأرقَمِ الزُّهريِّ يَأمرُه أنْ يَدخلَ على سُبيعةَ بنتِ الحارثِ الأسلَميةِ فيَسألَها عن حَديثِها وعَمَّا قالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ استَفتَتْه، فكتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ اللهِ إلى عَبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ يُخبِرُه أنَّ سُبيعةَ أخبَرَتْه أنها كانَتْ تحتَ سَعدِ بنِ خَولةَ وهو في بَني عامرِ بنِ لُؤيٍّ وكانَ ممَّن شَهِدَ بَدرًا، فتُوفِّيَ عنها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حاملٌ، فلَم تَنشَبْ أنْ وضَعَتْ حمْلَها بعدَ وَفاتِه فلمَّا تعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تَجمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بَعكَكٍ -رَجلٌ مِنْ بَني عَبدِ الدارِ- فقالَ لها: ما لي أرَاكِ مُتَجمِّلةً؟ لعَلَّكِ تَرْجينَ النِّكاحَ؟ إنكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتَّى تَمرَّ عَليكِ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، قالَتْ سُبيعةُ: فلمَّا قالَ لي ذلكَ جَمَعتُ عليَّ ثِيابي حينَ أمسَيتُ فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فسَألْتُه عن ذلكَ، فأفتَاني بأنِّي قد حَلَلتُ حينَ وَضَعتُ حَملِي، وأمَرَني بالتزوُّجِ إنْ بدَا لي»، قالَ ابنُ شِهابٍ: فلا أرَى بَأسًا أنْ تَتزوَّجَ حينَ وضَعَتْ وإنْ كانَتْ في دَمِها، غيرَ أنْ لا يَقربُها زَوجُهَا حتى تَطهُرَ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في أجَلِ الحاملِ المُتوفَّى عنها، فقالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ: أجَلُها أنْ تضَعَ حمْلَها ولو وضَعَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بيَومٍ أو ساعةٍ، هذا قولُ عُمرُ بنِ الخطَّابِ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ وابنِ المُسيبِ والزُّهريِّ وقتادةَ ومالِكٍ وسُفيانَ الثوريِّ والحارِثِ العُكليِّ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأبي عُبيدٍ وأصحابِ الرأيِ.
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٤).
قالَ أبو بَكرٍ: وبه نَقولُ؛ لظاهِرِ الآيةِ، ولإذنِ النبيِّ ﷺ لسُبيعةَ بالنكاحِ، وإنما وَلَدتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بلَيالٍ.
وفيهِ قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ انقِضاءَ عِدتِها آخَرُ الأجَلَينِ، رُويَ ذلكَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ.
وكَرِهتْ طائفةٌ للنُّفساءِ أنْ تنكحَ ما دامَتْ في الدمِ، كَرِهَ ذلكَ الحَسنُ البَصريُّ والشعبيُّ وحمَّادٌ.
وأباحَ سائرُ أهلِ العِلمِ النكاحَ وهيَ في دَمِها.
قالَ أبو بكرٍ: وبه نَقولُ (١).
وقالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: وإذا كانَ المُتوفَّى عنها زَوجُها حامِلًا فعِدتُها بوَضعِ الحَملِ عندَ أكثرِ أهلِ العِلمِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بَعدَهم، رُويَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم: «أنها تَنتظرُ آخِرَ الأجَلَينِ مِنْ وَضعِ الحَملِ أو أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرةٍ»، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: «أُنزلَتْ سُورةُ النِّساءِ القُصرَى بعدَ الطُّولَى» أرادَ بالقُصرَى سُورةَ الطَّلاقِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزَلَتْ بعدَ قَولِه تعالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] في سُورةِ البَقرةِ، فحمَلَ على النَّسخِ، وعامَّةُ الفُقهاءِ خَصُّوا الآيةَ بحَديثِ سُبيعةَ (٢).
(١) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٥١).
(٢) «تفسير البغوي» (١/ ٢١٥).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: وقد رَوَتْ أمُّ سَلمةَ «أنَّ سُبيعةَ بنتَ الحارثِ ولَدَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بأربَعينَ ليلةً، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ بأنْ تَتزوَّجَ»، ورَوى مَنصورٌ عن إبراهيمَ عن الأسوَدِ عن أبي السَّنابلِ بنِ بَعككٍ «أنَّ سُبيعةَ بنتَ الحارثِ وضَعَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها ببِضعٍ وعِشرينَ ليلةً، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَتزوجَ»، وهذا حَديثٌ قد ورَدَ مِنْ طُرقٍ صَحيحةٍ لا مَساغَ لأحَدٍ في العُدولِ عنه مع ما عَضدَه مِنْ ظاهِرِ الكِتابِ (١).
وقالَ أبو بَكرٍ أيضًا: لم يَختلَفِ السلَفُ والخلَفُ بعدَهم أنَّ عدَّةَ المُطلَّقةِ الحامِلِ أنْ تضَعَ حمْلَها، واختَلفَ السَّلفُ في عدَّةِ الحاملِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، فقالَ عَليٌّ وابنُ عبَّاسٍ: «تَعتدُّ الحامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها آخِرَ الأجَلينِ»، وقالَ عُمرُ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عُمرَ وأبو مَسعودٍ البَدريُّ وأبو هُريرةَ: «عِدَّتُها الحَملُ، فإذا وضَعَتْ حلَّتْ للأزواجِ»، وهو قَولُ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: انقِضاءُ عدَّةِ الحَملِ بوَضعِ الحَملِ … إذا كانَتْ مُتوفَّى عنها زَوجُها عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم (٣).
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١٢٠).
(٢) «أحكام القرآن» (٥/ ٣٥٤).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٦).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ عدَّةَ الحاملِ المُتوفَّى عنها زَوجُها والمُطلَّقةِ الحاملِ أنْ تضَعَ حمْلَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: الحامِلُ التي يَتوفَّى عنها زَوجُها قالَ الجُمهورُ وجَميعُ فُقهاءِ الأمصارِ: عدَّتُها أنْ تضَعَ حمْلَها؛ مَصيرًا إلى عُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وإنْ كانَتِ الآيةُ في الطَّلاقِ، وأخذًا أيضًا بحَديثِ أمِّ سَلمةَ «أنَّ سُبيعةَ الأسلَميةَ ولَدَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بنِصفِ شَهرٍ، وفيهِ: فجَاءتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ لها: قد حَلَلْتِ فانكِحي مَنْ شِئتِ»، ورَوى مالكٌ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ عِدتَها آخِرُ الأجَلَينِ، يُريدُ أنها تَعتدُّ بأبعَدِ الأجَلينِ إما الحَملُ وإما انقِضاءُ العدَّةِ عدَّةِ المَوتِ، ورُويَ مثلُ ذلكَ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه، والحُجةُ لهُم أنَّ ذلكَ هو الذي يَقتضيهِ الجَمعُ بينَ عُمومِ آيةِ الحَواملِ وآيةِ الوَفاةِ (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها وَضعُ حَملِها عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لحَديثِ سُبيعةَ: فأخَذَ بهذا جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ فقالُوا: عدَّةُ المُتوفَّى عنها بوَضعِ الحَملِ، حتَّى لو وضَعَتْ بعدَ مَوتِ زَوجِها بلَحظةٍ قبلَ غُسلِه انقَضَتْ عدَّتُها وحلَّتْ في الحالِ
(١) «الإفصاح» (٢/ ١٩٩).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٧٢).
(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٧٤).
للأزواجِ، هذا قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا رِوايةً عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وسَحنونٍ المالِكيُّ أنَّ عدَّتَها بأقصَى الأجَلَينِ وهيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا ووَضعُ الحَملِ، وإلا ما رُويَ عن الشَّعبيِّ والحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ وحمَّادٍ أنها لا يَصحُّ زَواجُها حتى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها.
وحُجةُ الجُمهورِ حَديثُ سُبيعةَ المَذكورِ، وهو مُخصِّصٌ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومُبيِّنٌ أنَّ قولَه تَعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامٌّ في المُطلَّقةِ والمُتوفَّى عنها وأنه على عُمومِه، قالَ الجُمهورُ: وقد تَعارَضَ عُمومُ هاتَينِ الآيتينِ، إذا تعارَضَ العُمومانِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى مُرجِّحٍ لتَخصيصِ أحَدِهما، وقد وُجدَ هُنا حَديثُ سُبيعةَ المُخصِّصِ لأربَعةٍ أشهرٍ وعَشرًا، وأنها مَحمولةٌ على غيرِ الحامِلِ.
وأما الدَّليلُ على الشعبيِّ ومُوافِقيهِ فهو ما رَواهُ مُسلمٌ في البابِ أنها قالَتْ: «فأفتَاني النبيُّ ﷺ بأني قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعتُ حَملي»، وهذا تَصريحٌ بانقِضاءِ العدَّةِ بنَفسِ الوَضعِ، فإنِ احتَجُّوا بقَولِه: «فلمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها» أي: طَهُرتْ منه فالجَوابُ: أنَّ هذا إخبارٌ عن وَقتِ سُؤالِها ولا حُجةَ فيه، وإنَّما الحُجةُ في قَولِ النبيِّ ﷺ أنها حَلَّتْ حينَ وَضَعتْ، ولم يُعلِّلْ بالطُّهرِ مِنْ النِّفاسِ (١).
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٠٩).
وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإذا وجَبَتِ العدَّةُ على المُطلَّقةِ .. لم يَخلُ: إما أنْ تَكونَ حامِلًا، أو حائِلًا.
فإنْ كانَتْ حامِلًا .. لم تَنقَضِ عدَّتُها إلا بوَضعِ الحَملِ، حرَّةً كانَتْ أو أمَةً؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ولأنَّ العدَّةَ تُرادُ لبَراءةِ الرَّحمِ، وبَراءةُ الرَّحمِ تَحصلُ بوَضعِ الحَملِ، بدَليلِ قَولِه ﷺ في السَّبايَا: «لا تُوطأُ حامِلٌ حتى تضَعَ، ولا حائلٌ حتى تَحيضَ».
وإنْ كانَ الحَملُ ولَدًا واحِدًا .. لم تَنقَضِ العدَّةُ إلا بوَضعِ جَميعِه، فإنْ خرَجَ بعضُه دونَ بَعضٍ فاستَرجَعَها الزَّوجُ قبلَ انفِصالِ جَميعِه .. صحَّتْ رَجعتُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذهِ لم تضَعْ حمْلَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا كانَتْ حامِلًا أجَلُها وَضعُ حَملِها، إلا ابنَ عبَّاسٍ ورُويَ عن عليٍّ مِنْ وَجهٍ مُنقطعٍ أنها تَعتدُّ بأقصَى الأجَلَينِ، وقالَه أبو السَّنابلِ بنُ بَعككٍ في حَياةِ النبيِّ ﷺ فرَدَّ عليه النبيُّ ﷺ قَولَه، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه رجَعَ إلى قولِ الجَماعةِ لمَّا بلَغَه حَديثُ سُبيعةَ (٢).
(١) «البيان» (١١/ ٩).
(٢) «المغني» (٨/ ٩٥).
وقالَ شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ رحمة الله عليه: كلُّ امرَأةٍ حاملٍ مِنْ زَوجٍ إذا فارَقَتْ زوْجَها بطَلاقٍ أو فَسخٍ أو مَوتِه حُرةً كانَتْ أو أمَةً مُسلمةً أو كافِرةً فعدَّتُها بوَضعِ الحَملِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذا إجماعُ أهلِ المَدينةِ، إلا أنه رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وعن عَليٍّ مِنْ وَجهٍ أنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتدُّ بأطوَلِ الأجَلينِ، وقالَه أبو السَّنابلِ بنُ بَعككٍ في حَياةِ النبيِّ ﷺ فرَدَّ عليهِ النبيُّ ﷺ قولَه، وقد رُويَ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رجَعَ إلى قَولِ الجَماعةِ لمَّا بلَغَه حَديثُ سُبيعةَ، وكَرِهَ الحَسنُ والشعبيُّ أنْ تنكحَ في دمِها، وحُكيَ عن إسحاقَ وحمَّادٍ أنَّ عدَّتَها لا تَنقضِي حتى تَطهرَ، وأبَى سائرُ أهلِ العِلمِ هذا القَولَ وقالُوا: لو وضَعَتْ بعدَ ساعةٍ مِنْ وَفاةِ زَوجِها حَلَّ لها أنْ تَتزوجَ، ولكنْ لا يَطؤُها زَوجُها حتَّى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها وتَغتسلَ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ورُويَ عن أبيِّ ابنِ كَعبٍ قالَ: «قلتُ للنبيِّ ﷺ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] للمُطلقةِ ثَلاثًا أو المُتوفَّى عنها زَوجُها؟ قالَ: هيَ للمُطلقةِ ثَلاثًا والمُتوفَّى عنها»، وقالَ ابنُ مَسعودٍ: «مَنْ شاءَ باهَلْتُه أو لاعَنْتُه أنَّ الآيةَ التي في سُورةِ النساءِ القُصرَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزَلَتْ بعدَ التي في سُورةِ البقرةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]» يعنِي أنَّ هذهِ الآيةَ هي الأخيرةُ فتُقدَّمُ على ما خالَفَها مِنْ عُمومِ الآيةِ المُتقدمةِ ويَختصُّ بها عُمومُها.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في مسائل زوجة المفقود وما يناسبها]
(فَصْلٌ) وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ: الرَّفْعُ: لِلْقَاضِي، وَالْوَالِي، وَوَالِي الْمَاءِ، وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
ــ
منح الجليل
الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (الْحَمَّامَ) ابْنُ نَاجِي اُخْتُلِفَ فِي دُخُولِهَا الْحَمَّامِ فَقِيلَ لَا تَدْخُلُهُ أَصْلًا ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَدْخُلُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ (وَلَا تُطْلِي جَسَدَهَا) بِنَوْرَةٍ (وَلَا تَكْتَحِلُ) وَلَوْ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (إلَّا) اكْتِحَالُهَا (لِضَرُورَةٍ) فَيَجُوزُ اكْتِحَالُهَا بِغَيْرِ طِيبٍ بَلْ (وَإِنْ بِطِيبٍ) وَجَوَّزَ الطِّخِّيخِيُّ رُجُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ لِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَطَلْيِ الْجَسَدِ أَيْضًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي السَّابِقِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّهُ نَصٌّ وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ فَيُؤَيِّدُ تَقْرِيرَ الطِّخِّيخِيِّ أَيْضًا وَتَكْتَحِلُ لِلضَّرُورَةِ لَيْلًا (وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا) إنْ كَانَ بِطِيبٍ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْأَبِيُّ.
فَصَلِّ فِي مَسَائِل زَوْجَة الْمَفْقُود وَمَا يُنَاسِبهَا
(فَصْلٌ)
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.