الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > الضرب الثاني: أن لا تعلم سبب رفع حيضها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وعَنه -أي الإمامِ أحمَدَ-: تَعتدُّ سَنةً كمَن ارتَفعَ حَيضُها لا تَدرِي ما رفَعَه (١).
الضَّربُ الثاني: أنْ لا تَعلمَ سبَبَ رَفعِ حَيضِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا كانَتْ ممَّن تَحيضُ ثم انقَطعَ حَيضُها وارتَفعَ أو تَباعدَ لغيرِ سَببٍ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنها تَنتظرُ حتى تَحيضَ فتَعتدَّ بالأقراءِ، أو تَيأسَ فتَعتدَّ بالأشهُرِ بعدَ سنِّ اليأسِ؛ لأنَّ اللهَ ﷾ لم يَجعلِ الاعتِدادَ بالأشهُرِ إلا للتي لم تَحضْ والآيِسةِ بقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذهِ ليسَتْ واحِدةً منهُما، فدَلَّ على أنه لا يَجوزُ لغيرِ الآيِسةِ والصَّغيرةِ أنْ تَعتدَّ بالشُّهورِ، وهذهِ غيرُ آيِسةٍ قبلَ أنْ تَمضيَ عليها مُدةُ الإياسِ (٢).
(١) «الإنصاف» (٩/ ٢٨٧)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٦)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٥٠)، و «اختلاف العلماء» للمروذي ص (١٧٠)، و «الأم» (٥/ ٣١٢)، و «البيان» (١١/ ٢٢، ٢٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٧٠٦، ٧٠٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣١، ١٣٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٧، ٨٨)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١٩، ٢٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٥٤، ١٥٦)، و «الديباج» (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنها تَمكثُ حتى تَعلمَ بَراءةَ رَحمِها ثم تَعتدُّ بالشُّهورِ وذلكَ سَنةٌ تَمكثُ تِسعةَ أشهُرٍ غالِبَ مُدةِ الحَملِ لتَعرفَ فَراغَ الرَّحمِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الحَملَ لا يَمكثُ في البَطنِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ العدَّةَ تُرادُ لبَراءةِ الرَّحمِ، فإذا عُلِمَ بَراءتُه فلا معنَى للتربُّصِ، ولأنَّا لو قُلنا: «تَقعدُ إلى الإياسِ» لَأضَرَّ ذلكَ بها في مَنعِها مِنْ النكاحِ، وأضَرَّ بالزَّوجِ في وُجوبِ النَّفقةِ والسُّكنَى عليه، فوجَبَ إزالَتُه.
ثمَّ تَعتدُّ بعدَه بثَلاثةِ أشهُرٍ عندَهم جَميعًا -إلا قَولًا لبَعضِ الشافِعيةِ أفتَى به البارَزليُّ- أنَّ الثلاثةَ أشهُرٍ تكونُ مِنْ التِّسعةِ لدَفعِ الضَّررِ عن النِّساءِ؛ لا سيِّما الشَّبابِ، قالَ الأزرَقُ: ويَجوزُ تَقليدُه؛ لعِظَمِ المَشقةِ في الصبر إلى اليَأسِ، ولغَلبةِ الظنِّ ببَراءةِ الرحمِ (١).
وذلكَ لِما رَواهُ الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ وعن يَزيدَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُسيطٍ اللَّيثيِّ عن سَعيدِ بن المُسيبِ أنه قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما امرَأةٍ طُلِّقتْ فحاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثمَّ رفَعَتْها حيضَتُها فإنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ بانَ بها حَملٌ فذَلكَ، وإلا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسعةِ الأشهُرِ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثمَّ حلَّتْ» (٢).
(١) «الديباج» (٥/ ٥٥٦).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٨٢)، رقم (١٢١٢).
قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: الأمرُ عِندَنا في المُطلَّقةِ التي تَرفعُها حَيضتُها حينَ يُطلِّقُها زَوجُها أنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحَيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثانيةَ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثالِثةَ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ، فإنْ لم تَحِضْ استَقبلَتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثم حلَّتْ، ولزَوجِها عليها في ذلكَ الرَّجعةُ قبلَ أنْ تَحِلَّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَتَّ طَلاقَها (١).
وقالَ الإمامُ البَيهقيُّ رحمة الله عليه: وقد عابَ الشافِعيُّ في القَديمِ على مَنْ خالَفَه وقالَ: كانَ يَقضِي به أميرُ المَؤمنينَ عُمرُ بينَ المُهاجرينَ والأنصارِ رَضيَ اللهُ تعالَى عنهُم، ولم يُنكَرْ عليه، فكيفَ تَجوزُ مُخالَفتُه.
وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ: تَتربصُ أربَعَ سِنينَ؛ لأنها أكثَرُ مُدةِ الحَملِ، ثم تَعتدُّ بالأشهُرِ تَعبدًا (٢).
(١) «الموطأ» (٢/ ٥٨٣)، و «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٢٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (١١/ ١٨٧، ١٨٨)، و «البيان» (١١/ ٢٢، ٢٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٧٠٦، ٧٠٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣١، ١٣٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٧، ٨٨)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١٩، ٢٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٥٤، ١٥٦)، و «الديباج» (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦)، ويُنظَر: «المغني» (٨/ ٨٩، ٩٠)، و «الكافي» (٣/ ٣٠٨)، و «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦)، و «المبدع» (٨/ ١٢٤)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٨٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٩١).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن امرَأةٍ شابَتْ لم تَبلغْ سنَّ الإياسِ وكانَتْ عادَتُها أنْ تَحيضَ، فشَربَتْ دَواءً فانقَطعَ عنها الدمُ واستَمرَّ انقِطاعُه، ثم طلَّقَها زَوجُها وهيَ على هذهِ الحالةِ، فهل تَكونُ عدَّتُها مِنْ حينِ الطَّلاقِ بالشُّهورِ؟ أو تَتربصُ حتَّى تَبلغَ سنَّ الآيِساتِ؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، إنْ كانَتْ تَعلمُ أنَّ الدمَ لا يَأتي فيما بعدُ فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ كانَ يُمكنُ أنْ يَعودَ الدمُ ويُمكنُ أنْ لا يَعودَ فإنها تَتربصُ بعد سَنةٍ ثم تتزوَّجُ كما قضَى به عُمرُ بنُ الخطَّابِ في المَرأةِ يَرتفعُ حَيضُها لا تَدري ما رفَعَه فإنها تَتربصُ سَنةً، وهذا مَذهبُ الجُمهورِ كمَالكٍ والشافِعيِّ، ومَن قالَ: «إنها تَدخلُ في سنِّ الآيِساتِ» فهذا قَولٌ ضَعيفٌ جِدًّا مع ما فيهِ مِنْ الضررِ الذي لا تَأتي الشَّريعةُ بمِثلِه أو تُمنَعُ مِنْ النكاحِ وقْتَ حاجتِها إليهِ ويُؤذنُ لها فيه حينَ لا تَحتاجُ إليهِ (١).
وقالَ: هذا الذي ذكَرْناهُ هو أحسَنُ قَوليِ الفُقهاءِ وأسهَلُهما، وبه قضَى عُمرُ وغَيرُه، وأما على القَولِ الآخَرِ فهذهِ المُستريبةُ تَبقَى في عدَّةٍ حتى تَطعنَ في سنِّ الإياسِ فتَبقَى على قَولِهم تَمامَ خَمسينَ أو سِتينَ سَنةً لا تتزوَّجُ، ولكنْ في هذا عُسرٌ وحَرجٌ في الدِّينِ وتَضييعُ مَصالحِ المُسلمينَ (٢).
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٠).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.
أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.
قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.
(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.
وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)
فثبت الرد بالبرص بالخبر.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.