الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > عدة الزانية لغير الزاني بها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ، فقالَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ وابنُ عُمرَ: عدَّتُها حَيضةٌ، وبه قالَ أبانُ بنُ عثمانَ وإسحاقُ بنُ رَاهويهِ.
وفيهِ قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ عدَّتَها عدَّةُ المطلَّقةِ، روينَا هذا القَولَ عن عَليِّ ابنِ أبي طالِبٍ، وبهِ قالَ ابنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ والحسَنُ والشعبيُّ وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ وأبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ والنخَعيُّ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عمرٍو وأبو عياضٍ ومالِكٌ واللَّيثُ بنُ سعدٍ والأوزاعيُّ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لحَديثٍ روينَاهُ عن النبيِّ ﷺ «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اختَلعَتْ منهُ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ عدَّتَها حيضةً»، ولقَولِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ، ولا يَثبتُ حَديثُ عليٍّ (١).
عِدَّةُ الزانيةِ لغَيرِ الزاني بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ الزانيةِ هل عليها عِدَّةٌ أو استِبراءٌ؟ أم ليسَ عليها عدَّةٌ ويَجوزُ لها أنْ تتزوَّجَ ممَّن زَنَى بها أو غيرِه؟
(١) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٦٠).
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا عدَّةَ على الزانيةِ ويَجوزُ لها أنْ تتزوَّجَ؛ إذ لا حُرمةَ لماءِ الزِّنا، ويَحلُّ وَطؤُها وتَستحقُّ النَّفقةَ عندَ الحَنفيةِ، ويَجوزُ العَقدُ عليها حتى لو كانَتْ حامِلًا، إلا أنه لا يَدخلُ بها حتى تضَعَ حمْلَها عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ عَقدُ النكاحُ على المَزنِيّ بها حتَّى تُستبرأَ مِنْ الزنا، ولا على الحامِلِ مِنْ الزِّنا، ولو كانَ هو الزَّاني بها؛ لقَولِه ﷿: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعَمَّ، ولأنها حامِلٌ، فحَرُمَ عليه نِكاحُها كسائرِ الحَواملِ (٢).
(١) «الهداية» (١/ ١٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٤)، و «العناية» (٤/ ٣٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٤/ ٦٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥١١)، و «المهذب» (٢/ ٤٥)، و «نهاية المطلب» (١٢/ ٢١٩، ٢٢٠)، و (١٤/ ٣٠٦)، و «البيان» (٩/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٥١٢)، و «التفريع في فقه الإمام» مالك لابن الجلاب (٢/ ٧٨)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩)، و «المعونة» (١/ ٥٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٧، ٣١٨)، رقم (١١٥٣، ١١٥٤)، و «عيون المسائل مسألة» (٦٦٢)، و «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).
قالَ المالِكيةُ: الرجلُ إذا زنَى بالمَرأةِ ثم أرادَ نِكاحَها فذلكَ جائزٌ له بعدَ أنْ يَستبرئَها عن مائِه الفاسِدِ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبلَ أنْ يَستبرئَها فهو كالناكِحِ في العدَّةِ، ولا تَحلُّ له أبدًا إنْ كانَ وَطؤُه في ذلكَ.
قالَ مالِكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حُرةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بوَلدٍ بعدَ شَهرٍ أنه لا يَنكحُها أبدًا؛ لأنه وَطأَها في عدَّةٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أما حُجةُ مالكٍ فإنه قاسَ استِبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزِّنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةِ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجَميعِ كالنكاحِ الصَّحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ الزِّنى؛ لأنه لا يَستبرئُ رَحِمَ غيرِه في حرَّةٍ بأقلَّ مِنْ ثلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١).
وقالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: ورَأى مالِكٌ أنَّ ماءَ الزِّنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلطَ الحَرامُ بالحَلالِ ويُمزجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العزَّةِ، فكانَ نَظرُ مالكٍ أشَدَّ مِنْ نَظرِ سائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: المَرأةُ إذا زنَتْ لم يَحلَّ نكاحُها إلا إذا استُبرئَتْ بالأقراءِ أو الشُّهورِ عندَ عَدمِ القُرءِ، فيَلزمُها العدَّةُ ويَحرمُ نكاحُها فيها؛ لأنها في
(١) «الاستذكار» (٧/ ٥١٢).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣٨)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٥٩).
الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرَّحمِ، ولأنها قبلَ العدَّةِ يُحتملُ أنْ تَكونَ حامِلًا فيَكونَ نِكاحُها باطِلًا، فلَم يَصحَّ كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ، ولأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحامِلِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطْءَ الحاملِ لا يُفضِي إلى اشتباهِ النَّسبِ، ولأنه وَطءٌ في القُبلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوَطءِ الشُّبهةِ (١).
إلا أنَّ الإمامَ ابنَ قُدامةَ رحمة الله عليه قالَ: وكلُّ مُعتدةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصَّحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ فقياسُ المَذهبِ تَحريمُ نِكاحِها على الواطئِ وغَيرِه.
والأَولى حِلُّ نِكاحُها لمَن هي مُعتدةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه نَسبُ وَلدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصِيانِة نَسبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائِه المُحترمِ، ولا يُحفظُ نَسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نِكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَن لا يَلحقُه نَسبُ وَلدِها كالزانيةِ لا يَحلُّ له نِكاحُها؛ لأنَّ نِكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النَّسبِ، فالواطئُ كغَيرِه في أنَّ الولَدَ لا يلحَقُ نَسبُه بواحِدٍ منهُما (٢).
وأما إنِ استُبرئَتِ الزانيةُ ولم تَكنْ حامِلًا فقَدِ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَجوزُ لها أنْ تَتزوجَ.
(١) «المغني» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).
(٢) «المغني» (٨/ ١٠٢).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في أحكام وأقسام الاستبراء ومن يلزمه والمواضعة وما يتعلق بها]
(فَصْلٌ) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي أَحْكَام وَأَقْسَام الِاسْتِبْرَاء وَمنْ يَلْزَمهُ وَالْمُوَاضَعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
(بَابٌ) (فِي أَحْكَامِ وَأَقْسَامِ الِاسْتِبْرَاءِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَالْمُوَاضَعَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْأَمْرِ الْعَارِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الرَّحِمِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِحِفْظِ النَّسَبِ وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ سَبَايَا أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» ، وَأَوْطَاسُ وَادٍ فِي هَوَازِنَ بِهِ كَانَتْ غَزْوَتُهُ هَوَازِنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ) ابْنُ عَرَفَةَ الِاسْتِبْرَاءُ مُدَّةً دَلِيلُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ فَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ، وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ وَلَوْ لِلِعَانٍ وَالْمَوْرُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ لَا لِذَاتِ الْمَوْتِ عج لَوْ أُسْقِطَ، أَوْ طَلَاقٍ لِسَلَمٍ مِنْ جَعْلِ الْقَسْمِ قَسِيمًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَافِعِ الْعِصْمَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ بِمُدَّةِ إقَامَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ مَعَ أَنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في عدة الأشهر
الْعِدَّةِ عَلَى الْكَافِرَةِ لِجَرَيَانِ حُكْمِنَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَجْرِي حُكْمُنَا عَلَى الْحَرْبِيَّةِ وَلَا عِدَّةَ عَلَى الزَّانِيَةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ.
وَمِنْهَا الْفُرْقَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي أَوْ بِالْمُتَارَكَةِ، وَشَرْطُهَا الدُّخُولُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يُجْعَلُ مُنْعَقِدًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ وَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الِانْعِقَادِ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَصِيَانَةً لِلْمَاءِ عَنْ الضَّيَاعِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَتَجِبُ هَذِهِ الْعِدَّةُ عَلَى الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ، وَالْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفُرْقَةُ، وَالْمَوْتُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذِهِ الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْرَاءِ وَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ، فَأَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ إظْهَارُ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ - اللَّهُ تَعَالَى - وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ نِعْمَةً ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْوُجُوبُ فِي الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الْفُرْقَةِ، وَفِي الْمَوْتِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ مِنْ آخِرِ وَطْءٍ وَطِئَهَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.