الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > عدة المرأة التي ارتفع حيضها أو تباعد حيضها (والمرتابة)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةعِدَّةُ المرأةِ التي ارتَفعَ حَيضُها أو تَباعَدَ حَيضُها (والمُرتابةِ):
المَرأةُ إذا كانَتْ تَحيضُ ثم ارتَفعَ حَيضُها فهذا لا يَخلُو مِنْ حَالاتٍ: إما أنْ تَكونَ قد حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ، أو يَكونَ قد ارتَفعَ حَيضُها أو تَباعَدَ، وهذا لا يَخلُو: إما أنْ تَعرفَ سبَبَ ارتِفاعَ الحَيضِ، وإما أنْ لا تَعرفَ.
الحالَةُ الأُولى: أنْ تَكونَ حاضَتْ حَيضةً أو حَيضَتينِ ثم ارتَفعَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ تطلقُ فتَحيضُ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم تَرتفعُ حَيضتُها، ما الذي يَجبُ عليها؟ هل تَنتظرُ الحيضَ وإنْ طالَتِ المُدةُ؟ أو تَدخلُ في سِنِّ اليَأسِ؟ أم تَمكثُ تِسعةَ أشهُرٍ مُدةَ الحَملِ ثمَّ ثَلاثةَ أشهُرٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وأشهَبُ وابنُ العَربيِّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ المَرأةَ التي ارتَفعَ حَيضتُها مِنْ غيرِ حَملٍ ولا يأسٍ ولم يَتبينْ لها ذلكَ فانقِضاءُ عدَّتِها في الطلاقِ وسائِرِ وُجوهِ الفُرَقِ بالحَيضِ أبدًا؛ لأنها مِنْ ذواتِ الأقراءِ إلا أنه ارتَفعَ حَيضُها لعارِضٍ، فلا تَنقضِي عِدتُها حتى تَحيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ أو حتَّى تَدخلَ في حَدِّ الإياسِ وهو السِّنُّ التي لا تَحيضُ في مِثلِه مِثلُها مِنْ النساءِ فتَستأنفَ عدَّةَ الآيِسةِ ثَلاثةَ أشهُرٍ.
ولأنها إذا كانَتْ عادَتُها وهي شابَّةٌ أنها تَحيضُ في كلِّ سَنةٍ مرَّةً فهذهِ غيرُ مُرتابٍ في إياسِها، بل قد تَيقَّنَ أنها مِنْ ذَواتِ الحيضِ، فكَيفَ يَجوزُ أنْ تكونَ عِدتُها سَنةً مع العِلمِ بأنها غيرُ آيِسةٍ وأنها مِنْ ذواتِ الحيضِ؟! وتَراخِي ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ المُدةِ لا يُخرجُها مِنْ أنْ تكونَ مِنْ ذَواتِ الحيضِ،
فالموجِبُ عليها عدَّةَ الشُّهورِ مُخالِفٌ للكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ عدَّةَ ذَواتِ الأقراءِ الحيضُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولم يُفرِّقْ بينَ مَنْ طالَتْ مُدةُ حَيضتِها أو قَصُرتْ.
ولِما رَواهُ الأعمَشُ ومَنصورٌ عن إبراهيمَ عن عَلقمةَ بنِ قَيسٍ أنه طلَّقَ امرَأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ ثم حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ حَيضُها سَبعةَ عشَرَ شَهرًا أو ثَمانيةَ عشَرَ شَهرًا ثم ماتَتْ، فجاءَ إلى ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه فسَألَه فقالَ: «حبَسَ اللهُ عليكَ مِيراثَها، فورَّثَه مِنها» (١) (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المَرأةَ إذا حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ حَيضُها لا تَدرِي ما رفَعَه لم تَنقَضِ عِدتُها إلا بعدَ سَنةٍ بعدَ انقِطاعِ الحَيضِ تِسعةَ أشهُرٍ تَتربَّصُ فيها ليُعلَمَ بَراءتُها مِنْ الحَملِ؛ لأنها غالِبُ مُدتِه، ثم تَعتدُّ بعدَ ذلكَ ثَلاثةَ أشهُرٍ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: هذا قَضاءُ عُمرَ بينَ المُهاجرينِ والأنصارِ لا يُنكِرُه مُنكِرٌ عَلِمْناه فصارَ إجماعًا.
فإنْ حاضَتْ قبلَ انقِضاءِ السَّنةِ ولو بلَحظةٍ لَزمَها الانتقالُ إلى القُروءِ؛ لأنها الأصلُ، فبطَلَ حُكمُ البَدلِ كالمُتيمِّمِ إذا رَأَى الماءَ، وإنْ عادَ الحَيضُ
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤١٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٥)، و «أحكام القرآن» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٦)، و «اختلاف العلماء» للمروذي ص (١٧٠)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٨٥).
بعدَ انقِضاءِ السَّنةِ وتَزوجَها لم تَعُدْ إلى الأقراءِ؛ لأنَّنا حَكَمْنا بانقِضاءِ عدَّتِها وصِحةِ نِكاحِها، فلَم تَبطلْ كما لو حاضَتِ الصَّغيرةُ بعدَ اعتِدادِها وتَزوُّجِها.
وذلكَ لِما رَواهُ الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ وعن يَزيدَ ابنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُسيطٍ اللَّيثيِّ عن سَعيدِ بن المُسيبِ أنه قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما امرَأةٍ طُلِّقتْ فحاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثمَّ رفَعَتْها حيضَتُها فإنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ بانَ بها حَملٌ فذَلكَ، وإلا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسعةِ الأشهُرِ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثمَّ حلَّتْ» (١).
قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: الأمرُ عِندَنا في المُطلَّقةِ التي تَرفعُها حَيضتُها حينَ يُطلِّقُها زَوجُها أنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحَيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثانيةَ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثالِثةَ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ، فإنْ لم تَحِضْ استَقبلَتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثم حلَّتْ، ولزَوجِها عليها في ذلكَ الرَّجعةُ قبلَ أنْ تَحِلَّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَتَّ طَلاقَها (٢).
(١) «رواه مالك في الموطأ» (٢/ ٥٨٢)، رقم (١٢١٢).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٥٨٣)، و «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٢٧)، و «الاستذكار» (٦/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٠، ١١)، رقم (١٣٦٤)، و «القوانين الفقهية» ص (١٥٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٢٧٣).
وحُجةُ مالكٍ أنَّ المُرتابةَ تَعتدُّ بالأشهُرِ؛ لأنَّ في ذلكَ يَظهرُ حَملُها على كلِّ حالٍ، فلا يُمكنُ أنْ يَستمرَّ الحَملُ في الشَّهرِ التاسعِ، فإذا استُوقِنَ أنْ لا حمْلَ في هَذهِ المُدةِ قيلَ: قد عَلِمْنا أنكِ لسْتِ مُرتابةً ولا مِنْ ذَواتِ الأقراءِ، فاستَأنِفي ثَلاثةَ أشهُرٍ كما قالَ اللهُ تعالَى فيمَن لَسْنَ مِنْ ذَواتِ الأقراءِ؛ قياسًا على أنَّ العدَّةِ بالشُّهورِ لصِغَرٍ إذا حاضَتْ قبلَ تَمامِ الثلاثةِ الأشهُرٍ عُلِمَ أنها مِنْ ذَواتِ الأقراءِ، فقيلَ لها: استَأنِفي الأقراءَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعرفُ له -أي لعُمرَ- مُخالِفًا، قالَ ابنُ المُنذِرِ: قضَى به عُمرُ بينَ المُهاجرينَ والأنصارِ ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ.
وقالَ الأثرَمُ: سَمعتُ أبا عَبدِ اللهِ يُسألُ عن الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَه فتَحيضُ حَيضةً ثم يَرتفعُ حَيضُها، قالَ: أذهَبُ إلى حَديثِ عُمرَ إذا رُفعَتْ حَيضتُها فلَم تَدْرِ ممَّا ارتفَعَتْ فإنها تَنتظرُ سَنةً، قيلَ له: فحاضَتْ دونَ السَّنةِ؟ فقالَ: تَرجعُ إلى الحَيضةِ، قيلَ له: فإنِ ارتفَعَتْ حَيضتُها أيضًا لا تَدرِي ممَّا ارتفَعَتْ؟ قالَ: تَقعدُ سَنةً أخرَى، وهذا قَولُ كلِّ مِنْ وافَقَنا في المَسألةِ الأُولى؛ وذلكَ لأنها لمَّا ارتفَعَتْ حَيضتُها حصَلتْ مُرتابةً، فوجَبَ أنْ تَنتقلَ إلى الاعتِدادِ بسَنةٍ كما لو ارتَفعَ حَيضُها حينَ طلَّقَها، ووجَبَ عليها سَنةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تَنبنِي على عدَّةٍ أُخرَى، ولذلكَ لو حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم يَئِسَت انتقَلتْ إلى ثلاثةِ أشهُرٍ (٢).
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٨٤، ٤٨٥).
(٢) «المغني» (٨/ ٩٠)، و «الكافي» (٣/ ٣٠٨)، و «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به
أَجَلَهُنَّ؛ لِأَنَّ أَجَلَهُنَّ مُدَّةُ حَمْلِهِنَّ، وَهَذِهِ الْعِدَّةُ إنَّمَا تَجِبُ لِئَلَّا يَصِيرَ الزَّوْجُ بِهَا سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ النِّكَاحِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ الْعِدَّةَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا جَازَ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ تَضَعْ لِئَلَّا يَصِيرَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَّةِ وَمَا تَنْقَضِي بِهِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في بيان أحكام تداخل العدد والاستبراء]
(فَصْلٌ) إنْ طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ انْهَدَمَ الْأَوَّلُ وَائْتَنَفَتْ:
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام تداخل الْعَدَد وَالِاسْتِبْرَاء
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَدَاخُلِ الْعِدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَيْ طَرَيَان بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ نَوْعٍ أَوْ لَا، وَيُسَمَّى مَبْحَثَ التَّدَاخُلِ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالِامْتِحَانِ بِمَسَائِلِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى اسْتِحْضَارِ مَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَدِقَّتهَا فَلَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْهَا إلَّا ذُو مَلَكَةٍ بِمُمَارَسَةِ مَا تَقَدَّمَ وَأَنْوَاعُهُ الْعَقْلِيَّةُ تِسْعَةٌ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ نَوْعَانِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَعِدَّةُ وَفَاةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ نَوْعٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ يَطْرَأُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مِثْلِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي مِثْلِهَا وَالْوَاقِعِيَّةُ سَبْعَةٌ بِتَقْدِيمِ السِّينِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ عِدَّةَ طَلَاقٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ وَإِنْ كَانَ اسْتِبْرَاءٌ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ أَوْ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، وَإِنْ كَانَ عِدَّةُ وَفَاةٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَلَا عِدَّةُ وَفَاةٍ.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.