مكان العدة

الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > مكان العدة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 42 دقيقة قراءة

مكان العدة - الأقوال والأدلة

مَكانُ العدَّةِ:

المَرأةُ المُعتدةُ إما أنْ تَكونَ مُعتدةً مِنْ وَفاةٍ أو طَلاقٍ، والطَّلاقُ إما رَجعيٌّ وإما بائنٌ، وفي كلِّ واحِدةٍ منهُنَّ تَفصيلٌ، وإنْ كانَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ أنها تَعتدُّ في بيتِ الزَّوجيةِ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي:

أولاً: مَكانُ العدَّةِ للمُتوفَّى عنها زَوجُها:

اختَلفَ الفُقهاءُ في مَكانِ العدَّةِ للمُتوفَّى عنها زَوجُها، هل يَجبُ عليها أنْ تَعتدَّ في بَيتِ الزَّوجِ ولا يَجوزُ لها أن تَخرجَ منه إلا لضَرورةٍ؟ أم يَجوزُ لها أنْ تَعتدَّ في أيِّ مَوضعٍ شاءَتْ؟ على قَولينِ:

القَولُ الأولُ: أنه يَجبُ عليها لُزومُ بَيتِ زَوجِها الذي تُوفِّيَ عنها وهي فيه، وإليهِ ذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ مِنْ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهو قَولُ عُمرَ وعُثمانَ رضي الله عنهما، ورُويَ ذلكَ عن ابنِ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ وأمِّ سَلمةَ، وبه يَقولُ مالِكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وإسحاقُ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وبه يَقولُ جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ بالحِجازِ والشامِ والعِراقِ ومِصرَ (١).

واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١].

(١) «المغني» (١٨/ ٤٤).

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه عندَ هذهِ الآيةِ: فكانَتْ هذهِ الآيةُ في المُطلَّقاتِ، وكانَتِ المُعتدَّاتُ مِنْ الوَفاةِ مُعتدَّاتٍ كعدَّةِ المطلَّقةِ، فاحتملَتْ أنْ تكونَ في فَرضِ السُّكنَى للمُطلَّقاتِ ومَنعِ إخراجِهنَّ تَدلُّ على أنَّ في مثلِ مَعناهُنَّ في السُّكنَى ومَنعُ الإخراجِ المُتوفَّى عنهُنَّ؛ لأنهُنَّ في مَعناهنَّ في العدَّةِ.

قالَ: ودلَّتْ سُنةُ رَسولِ اللهِ على أنَّ على المُتوفَّى عنها أنْ تَمكثَ في بَيتِها حتى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه.

واحتَملَ أنْ يَكونَ ذلكَ على المُطلَّقاتِ دُونَ المُتوفَّى عنهُنَّ (١).

ولحَديثِ سَعدِ بنِ إسحاقَ عن كَعبِ بنِ عُجرةَ عن عمَّتِه زَينبَ بنتِ كَعبٍ عن فُريعةَ بنتِ مالكٍ رضي الله عنها قالَتْ: «خرَجَ زَوجِي في طَلبِ أعلاجٍ له، فأدرَكَهُم بطَرَفِ القَدُومِ، فقَتَلوهُ، فجاءَ نَعيُ زَوجِي وأنا في دارٍ مِنْ دُورِ الأنصارِ شاسِعةٍ عن دارِ أهلِي، فأتَيتُ النبيَّ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنه جاءَ نَعيُ زَوجِي وأنا في دارٍ شاسِعةٍ عن دارِ أهلِي ودارِ إخوَتي، ولمْ يَدعْ مالًا يُنْفِقُ عليَّ، ولا مالًا وَرثتُه، ولا دارًا يَملِكُها، فإنْ رَأيتَ أنْ تَأذنَ لي فألحَقَ بدارِ أهلِي ودارِ إخوَتي، فإنه أحَبُّ إليَّ وأجمَعُ لي في بعضِ أمرِي، قالَ: فافعَلِي إنْ شِئتِ، قالَتْ: فخرَجْتُ قَريرةً عَينِي لِما قَضى اللَّهُ لي على لِسانِ رَسولِه ، حتى إذا كُنْتُ في المَسجدِ، أو في بَعضِ الحُجرةِ

(١) «الأم» (٥/ ٢٢٦).

دَعانِي فقالَ: كيفَ زَعَمتِ؟ قالَت: فقَصَصتُ عليه، فقالَ: امكُثِي في بَيتِكِ الذي جاءَ فيه نَعيُ زَوجِكِ حتى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه، قالَتْ: فاعتَدَدتُ فيه أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، قالَتْ: فأرسَلَ إليَّ عُثمانُ فأخبَرْتُه فأخَذَ به» (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وحَديثُ سَعدِ بنِ إسحاقَ هذا مَشهورٌ عندَ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ مَعمولٌ به عندَهُم تَلقَّوهُ بالقَبولِ وأفتَوا به، وإليه ذهَبَ مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ ابنُ سَعدٍ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، كلُّهم يَقولُ: إنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتدُّ في بيتِها الذي كانَتْ تَسكنُه، وسَواءٌ كانَ لها أو لزَوجِها، ولا تَبيتُ إلا فيه حتَّى تَنقضيَ عِدتُها، ولها أنْ تَخرجَ نَهارَها في حَوائجِها.

وهو قَولُ عُمرَ وعُثمانَ وابنِ مَسعودٍ وأمِّ سَلمةَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ.

وبه قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وابنُ شِهابٍ (٢).

ونَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يَجوزُ لها الخُروجُ نَهارًا لحَوائجِها، وبَعضِ الليلِ عندَ الحَنفيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ، ولا تَبيتُ في غيرِ مَنزلِها؛ لأنها تَحتاجُ إلى الخُروجِ بالنهارِ لاكتِسابِ ما تُنفقُه؛ لأنه لا نَفقةَ لها مِنْ الزَّوجِ المُتوفَّى، بل نَفقتُها عليها،

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٢)، والنسائي (٣٥٣٢)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وأحمد (٢٧١٣٢).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢١٤).

فتَحتاجُ إلى الخُروجِ لتَحصيلِ النَّفقةِ، ولا تَخرجُ باللَّيلِ؛ لعَدمِ الحاجةِ إلى الخُروجِ بالليلِ.

وإذا خرَجَتْ بالنهارِ في حَوائجِها لا تَبيتُ عن مَنزلِها الذي تَعتدُّ فيهِ، والأصلُ فيه حَديثُ فُريعةَ السابقِ.

وهذا الحَديثُ أفادَنَا حُكمَينِ: إباحَةَ الخُروجِ بالنَّهارِ وحُرمةَ الانتقالِ حَيثُ لم يُنكِرْ خُروجَها ومنعَها مِنْ الانتقالِ، فدَلَّ على جَوازِ الخُروجِ بالنهارِ مِنْ غيرِ انتقالٍ.

ورَوى مُجاهدٌ قالَ: استَشهدَ رِجالٌ يومَ أحُدٍ، فجاءَ نِساؤُهم رَسولَ اللهِ وقُلْنَ: يا رَسولَ اللهِ نَستَوحشُ باللَّيلِ فنَبيتُ عندَ إحدانا، حتَّى إذا أصبَحْنا بادَرْنَا بُيوتَنا، فقالَ رَسولُ اللهِ : «تَحدَّثنَ عندَ إحداكُنَّ ما بدَا لكُنَّ، فإذا أردْتُنَّ النومَ فلْتَأتِ كلُّ امرأةٍ إلى بَيتِها» (١).

ورَوى عَلقمةُ «أنَّ نِسوةً مِنْ هَمدانَ نُعيَ إليهنَّ أزواجُهنَّ، فسَألْنَ ابنَ مَسعودٍ رضي الله عنه فقُلنَ: إنَّا نَستوحشُ، فأمَرَهنَّ أنْ يَجتمِعْنَ بالنهارِ، فإذا كانَ بالليلِ فلْتَرُحْ كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها».

ورَوى مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ أنه بلَغَه «أنَّ السَّائبَ بنَ خبَّابٍ تُوفِّيَ، وإنَّ امرَأتَه جاءَتْ إلى عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فذكَرَتْ له وَفاةَ زَوجِها، وذكَرَتْ له حَرثًا لهُم بقَناةَ، وسَألَتْه هل يَصلحُ لها أنْ تَبيتَ فيهِ؟

(١) ضَعِيفٌ: رواه البيهقي (٧/ ٤٣٦)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٦).

فنَهاها عن ذلكَ، فكانَتْ تَخرجُ مِنْ المَدينةِ سَحَرًا فتُصبحُ في حَرثِهم فتَظلُّ فيه يَومَها ثمَّ تَدخلُ المَدينةَ إذا أمسَتْ فتَبيتُ في بَيتِها» (١).

ورَوى مالكٍ عن نافعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنه كانَ يَقولُ: «لا تَبيتُ المُتوفَّى عنها زَوجُهَا ولا المَبتوتةُ إلا في بَيتِها» (٢).

ولأنَّ الليلَ مَظنةُ الفَسادِ، فلَم يَجُزْ لها الخُروجُ فيه مِنْ غيرِ ضَرورةٍ.

ورُويَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: لا بأسَ أنْ تَنامَ عن بَيتِها أقلَّ مِنْ نِصفِ الليلِ؛ لأنَّ البَيتوتةَ في العُرفِ عبارةٌ عن الكَونِ في البَيتِ أكثَرَ الليلِ، فما دُونَه لا يُسمَّى بَيتوتةً في العُرفِ، ومَنزلُها الذي تُؤمرُ بالسُّكونِ فيه للاعتِدادِ هو المَوضعُ الذي كانَتْ تَسكنُه قبلَ مُفارَقةِ زَوجِها وقبلَ مَوتِه، سَواءٌ كانَ الزوجُ ساكِنًا فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أضافَ البيتَ إليها بقَولِه ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبَيتُ المُضافُ إليها هو الذي تَسكنُه، وهذا في حالةِ الاختيارِ.

وأما في حالةِ الضَّرورةِ فإنِ اضطرَّتْ إلى الخُروجِ مِنْ بَيتِها -بأنْ خافَتْ سُقوطَ مَنزلِها، أو خافَتْ على مَتاعِها، أو كانَ المَنزلُ بأُجرةٍ ولا تَجدُ ما تُؤدِّيهِ في أجرَتِه في عدَّةِ الوَفاةِ، أو كانَتْ تَخافُ اللُّصوصَ، أو كانَتْ بينَ قَومٍ فسَقةٍ تَخافُ منهُم على نَفسِها- فلا بأسَ عندَ ذلكَ أنْ تَنتقلَ.

(١) ضَعِيفٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٢٣١).
(٢) صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٢٣٣).

وإنْ كانَ المَنزلُ لزَوجِها وقد ماتَ عنها فلهَا أنْ تَسكنَ في نَصيبِها إنْ كانَ نَصيبُها مِنْ ذلكَ ما تَكتفِي به في السُّكنَى وتَستتِرُ عن سائرِ الوَرثةِ ممَّن ليسَ بمَحرمٍ لها، وإنْ كانَ نَصيبُها لا يَكفيها أو خافَتْ على مَتاعِها منهُم فلا بأسَ أنْ تَنتقلَ، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ السُّكنَى وجَبَتْ بطَريقِ العِبادةِ حقًّا للهِ تعالَى عليها، والعِباداتُ تَسقطُ بالأعذارِ.

وقد رُويَ أنه لمَّا قُتلَ عُمرُ رضي الله عنه نقَلَ عليٌّ رضي الله عنه أمَّ كَلثومٍ رضي الله عنها؛ لأنها كانَتْ في دارِ الإمارةِ.

وقد رُويَ أنَّ عائِشةَ رضي الله عنها نقَلَتْ أختَها أمَّ كَلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ لمَّا قُتلَ طَلحةُ رضي الله عنه، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ الانتقالِ للعُذرِ (١).

قالَ الحَنفيةُ: وإذا كانَتْ تَقدرُ على أُجرةِ البَيتِ في عدَّةِ الوَفاةِ فلا عُذرَ ولا تَسقطُ عنها العِبادةُ، كالمُتيمِّمِ إذا قدَرَ على شِراءِ الماءِ بأنْ وجَدَ ثمَنَه وجَبَ عليهِ الشِّراءُ، وإنْ لم يَقدرْ لا يَجبُ؛ لعُذرِ العَدمِ، كذا ههُنا.

ونَصَّ الحَنفيةُ أيضًا والمالِكيةُ على أنها إذا انتَقلَتْ لعُذرٍ يَكونُ سُكناها في البَيتِ الذي انتَقلَتْ إليه بمَنزلِة كَونِها في المَنزلِ الذي انتَقلَتْ منه في حُرمةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و «الاستذكار» (٦/ ٢١٤)، و «القوانين الفقهية» (١٥٨)، و «البيان» (١١/ ٧٤)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٦٩، ١٧٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١١٢، ١١٣)، و «المغني» (٨/ ١٢٧، ١٢٨)، و «الكافي» (٣/ ٣٢٣، ٣٢٤)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٠٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٤٥٧).

الخُروجِ عنه؛ لأنَّ الانتقالَ مِنْ الأولِ إليهِ كانَ لعُذرٍ، فصارَ المَنزلُ الذي انتَقلَتْ إليه كأنَّه مَنزلُها مِنْ الأصلِ، فلَزمَها المُقامُ فيه حتَّى تَنقضيَ العدَّةُ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ عليها الاعتِدادُ في المَنزلِ الذي ماتَ زَوجُها وهي ساكِنةٌ به، سَواءٌ كانَ مَملوكًا لزَوجِها أو بإجارةٍ أو عارِيةً؛ لأنَّ النبيَّ قالَ لفُريعةَ: «امكُثِي في بَيتِكِ»، ولم تَكنْ في بَيتٍ يَملكُه زَوجُها، وفي بَعضِ ألفاظِه: «اعتَدِّي في البَيتِ الذي أتاكِ فيه نَعيُ زَوجكِ»، وفي لَفظٍ: «اعتَدِّي حيثُ أتاكِ الخبَرُ»، فإنْ أتاها الخبَرُ في غيرِ مَسكنِها رجَعَتْ إلى مَسكنِها فاعتدَّتْ فيه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ خافَتْ هَدمًا أو غَرقًا أو عَدوًّا أو نحوَ ذلكَ، أو حوَّلَها صاحِبُ المَنزلِ لكَونِه عارِيةً رجَعَ فيها، أو بإجارةٍ انقَضَتْ مُدتُها أو منَعَها السُّكنَى تَعدِّيًا أو امتَنعَ مِنْ إجارتِه أو طلَبَ به أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ، أو لم تَجدْ ما تَكتري به، أو لم تَجدْ إلا مِنْ مالِها؛ فلَها أنْ تَنتقلَ؛ لأنها حالُ عُذرٍ، ولا يَلزمُها بذلكَ أجرُ المَسكنِ، وإنما الواجِبُ عليها فِعلُ السُّكنَى لا تَحصيلُ المَسكنِ، وإذا تَعذَّرتِ السُّكنى سقَطَتْ، ولها أنْ تَسكنَ حَيثُ شاءَتْ، ذكَرَه القاضِي.

وذكَرَ أبو الخطَّابِ أنها تَنتقلُ إلى أقرَبِ ما يُمكنُها النقلَةُ إليه، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه أقرَبُ إلى مَوضعِ الوُجودِ، فأشبَهَ مَنْ وجَبَتْ عليهِ

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و «القوانين الفقهية» (١٥٨).

الزكاةُ في مَوضعٍ لا يَجدُ فيه أهلُ السُّهمانِ، فإنه يَنقلُها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُهم فيهِ.

ولنا: إنَّ الواجِبَ سقَطَ لعُذرٍ ولم يَرِدِ الشرعُ له ببَدلٍ فلا يَجبُ، كما لو سقَطَ الحجُّ للعَجزِ عنه وفَواتِ شَرطٍ، والمُعتكفِ إذا لم يَقدرْ على الاعتِكافِ في المَسجدِ.

ولأنَّ ما ذكَرَوهُ إثباتُ حُكمٍ بلا نَصٍّ ولا مَعنَى نصٍّ، فإنَّ معنَى الاعتِدادِ في بيتِها لا يُوجَدُ في السُّكنَى فيما قَرُبَ منه، ويُفارِقُ أهلَ السُّهمانِ؛ فإنَّ القصدَ نَفعُ الأقربِ، وفي نَقلِها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُه نَفعُ الأقرَبِ، فوجَبَ لذلكَ (١).

القَولُ الثَّاني: أنه لا يَجبُ عليها لُزومُ بَيتِ زَوجِها، بل تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمَدَ واختيارُ المُزنِيِّ مِنْ الشافِعيةِ، واختارَهُ جَماعةٌ مِنْ المُتقدِّمينَ مِنْ الصَّحابةِ وغيرِهم، منهُم عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ وعائِشةُ وجابرُ بنُ زَيدٍ، والحَسنُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وعِكرمةُ، وحكاهُ البَغويُّ عن أبي حَنيفةَ، وهو قَولُ داودَ الظاهِريِّ وابنِ حَزمٍ أيضًا (٢).

(١) «المغني» (٨/ ١٢٧، ١٢٨).
(٢) «المغني» (٨/ ١٤٤)، و «فتاوى السبكي» (٢/ ٣١٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٣١)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٦/ ٢٩٠)، و «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ١٧٧)، و «المحلى» (١٠/ ٢٨٢).

واستَدلُّوا بقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٤٠].

قالَ مُجاهدٌ رحمة الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.

قالَ: كانَتْ هذه العدَّةُ، تَعتدُّ عندَ أهلِ زَوجِها واجبًا، فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٤٠]، قالَ: جعَلَ اللهُ لها تَمامَ السَّنةِ سَبعةَ أشهُرٍ وعِشرينَ لَيلةً وَصيةً، إنْ شاءَتْ سَكنَتْ في وَصيتِها، وإنْ شاءَتْ خرَجَتْ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعدَّةُ كما هي واجِبةٌ عليها.

وقالَ عَطاءٌ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نسَخَتْ هذهِ الآيةُ عدَّتَها عندَ أهلِها، فتَعتدُّ حَيثُ شاءَتْ، وقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: إنْ شاءَتِ اعتَدَّتْ عندَ أهلِها وسكَنَتْ في وَصيتِها، وإنْ شاءَتْ خرَجَتْ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، قالَ عَطاءٌ: ثم جاءَ المِيراثُ فنسخَ السُّكنى، فتَعتدُّ حيثُ شاءَتْ (١).

ووَجهُ الدَّلالةِ أنَّ خُروجَهنَّ لا حرَجَ فيه.

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٢)، والنسائي (٣٥٣١)، وعَنْوَنَ عليهِ بقَولِه: (٦١ باب الرُّخصَة للمُتوفَّى عنها زَوجُها أنْ تَعتدَّ حَيثُ شاءَتْ).

واستَدلُّوا أيضًا بأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالاعتِدادِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا دُونَ تَعرُّضٍ لذِكرِ مكانٍ مُعيَّنٍ، فدَلَّ على عَدمِ اشتِراطِه.

واستَدلُّوا أيضًا بما رَواهُ الدارَقطنيُّ بسَندِه إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ أمَرَ المُتوفَّى عنها زَوجُها أنْ تَعتدَّ حيثُ شاءَتْ» (١).

وقالُوا أيضًا: إنَّ كَثيرًا مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم قُتلَ مع النبيِّ في الجِهادِ، ولم يُعلَمْ أنه ألزَمَ نِساءَهم بالبقاءِ في بُيوتِ أزواجِهنَّ مُدةَ العدَّةِ، ولو حصَلَ ذلك لَكانَ مِنْ أظهَرِ الأشياءِ وأبيَنِها، ولَمَا خَفيَ على عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وغيرِهما مِنْ الصَّحابةِ، ولو كانَتْ السُّنةُ جاريةً بذلكَ لم تأتِي فُريعةُ بالاستِئذانِ، ولَمَا أَذِنَ لها ثم رَدَّها ومنَعَها مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ هذا يُفضِي إلى تَغييرِ الحُكمِ مَرَّتينِ، وهذا غيرُ مَعهودٍ في الشَّريعةِ، وأجابُوا عن أدلَّةِ الجُمهورِ بأنَّ الآيةَ لا تَشملُ المُتوفَّى عنها زَوجُها.

وإليكَ بعضَ الآثارِ التي رَواها عبدُ الرزَّاقِ في مُصنَّفِه عن الصَّحابةِ والتابعينَ، وذكَرَها ابنُ القيِّمِ في «زَاد المَعادِ»:

رَوى عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ «عن عائِشةَ رضي الله عنها أنها كانَتْ تُفتِي المُتوفَّى عنها بالخُروجِ في عدَّتِها، وخرَجَتْ بأختِها أمِّ كُلثومٍ حينَ قُتلَ عنها طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ إلى مكَّةَ في عُمرةٍ».

(١) رواه الدارقطني (٣٧١٥)، وضعَّفَه.

ومِن طَريقِ عبدِ الرزَّاقِ: أخبَرَنا ابنُ جُريجٍ أخبَرَني عَطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «إنما قالَ اللهُ ﷿ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولم يَقلْ تَعتدُّ في بيتِها، فتَعتدُّ حيثُ شاءَتْ»، وهذا الحَديثُ سَمِعَه عَطاءٌ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ؛ فإنَّ عليَّ بنَ المَدينيِّ قالَ: حدَّثَنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ عن ابنِ جُريجٍ عن عَطاءٍ قالَ: سَمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: «قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولم يَقلْ: يَعتدِدْنَ في بُيوتِهنَّ، تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ»، قالَ سُفيانُ: قالَه لنا ابنُ جُريجٍ كما أخبَرَنا.

وقالَ عبدُ الرزَّاقِ: حدَّثَنا ابنُ جُريجٍ أخبَرَني أبو الزُّبيرِ أنه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: «تَعتدُّ المُتوفَّى عنها حَيثُ شاءَتْ».

وقالَ عبدُ الرزَّاقِ عن الثوريِّ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ عن الشعبيِّ: «أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ رضي الله عنه كانَ يُرحِّلُ المُتوفَّى عَنهنَّ في عدَّتهنَّ».

وذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ أيضًا عن مُحمدِ بنِ مُسلمٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن طاووسٍ وعَطاءٍ قالَا جَميعًا: المَبتوتةُ والمُتوفَّى عنها تَحُجَّانِ وتَعتمِرانِ وتَنتقِلانِ وتَبيتانِ.

وذكَرَ أيضًا عن ابنِ جُريجٍ عن عَطاءٍ قالَ: لا يَضرُّ المُتوفَّى عنها أينَ اعتَدَّتْ.

وقالَ ابنُ عُيينةَ عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن عَطاءٍ وأبي الشَّعثاءِ قالَا جَميعًا: المُتوفَّى عنها تَخرجُ في عدَّتِها حيثُ شاءَتْ.

وذكَرَ ابنُ أبي شَيبةَ حدَّثَنا عبدُ الوَهابِ الثقفيُّ عن حَبيبٍ المُعلِّمِ قالَ: سَألتُ عَطاءً عن المُطلَّقةِ ثَلاثًا والمُتوفَّى عنها: أتَحُجَّانِ في عدَّتِهما؟ قالَ: نَعمْ، وكانَ الحَسنُ يقولُ بمثلِ ذلكَ.

وقالَ ابنُ وَهبٍ: أخبَرَني ابنُ لَهيعةَ عن حنينِ بنِ أبي حَكيمٍ أنَّ امرَأةَ مُزاحمٍ لمَّا تُوفِّيَ عنها زَوجُها بخُناصِرةَ سَألتْ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ: أأَمكُثُ حتَّى تَنقضيَ عدَّتِي؟ فقالَ لها: بل الحَقِي بقَرارِكِ ودارِ أبيكِ فاعتدِّي فيها.

قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني يَحيَى بنُ أيُّوبَ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ الأنصاريِّ أنه قالَ في رَجلٍ تُوفِّيَ بالإسكَندريةِ ومعَه امرَأتُه وله بها دارٌ وله بالفُسطاطِ دارٌ، فقالَ: إنْ أحَبَّتْ أنْ تَعتدَّ حيثُ تُوفِّيَ زَوجُها فلْتَعتدَّ، وإنْ أحَبَّتْ أنْ تَرجعَ إلى دارِ زَوجِها وقَرارِه بالفُسطاطِ فتَعتدَّ فيها فلْتَرجعْ.

قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني عَمرُو بنُ الحارِثِ عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ قالَ: سَألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ بنَ عُمرَ عن المَرأةِ يَخرجُ بها زَوجُها إلى بَلدٍ فيُتوفَّى؟ قالَ: تَعتدُّ حيثُ تُوفِّيَ عنها زَوجُها أو تَرجعُ إلى بيتِ زَوجِها حتى تَنقضيَ عدَّتُها.

وهذا مَذهبُ أهلِ الظاهِرِ كلِّهم.

ولأصحابِ هذا القَولِ حُجَّتانِ احتَجَّ بهما ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقد حَكَينا إحداهُما وهي: أنَّ اللهَ سُبحانَه إنما أمَرَها باعتِدادِ أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ، ولم يَأمرْها بمَكانٍ مُعَينٍ.

والثانيةُ: ما رَواهُ أبو داودَ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ مُحمدٍ المَروزيُّ حدَّثَنا مُوسَى بنُ مَسعودٍ حدَّثَنا شِبلٌ عن ابنِ أبي نَجيحٍ قالَ: قالَ عَطاءٌ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «نَسخَتْ هذهِ الآيةُ عدَّتَها عندَ أهلِها، فتَعتدُّ حَيثُ شاءَتْ، وهو قَولُ اللهِ ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾»، قالَ عَطاءٌ: إنْ شاءَتْ اعتَدَّتْ عندَ أهلِه وسكَنَتْ في وَصيتِها، وإنْ شاءَتْ خرَجَتْ؛ لقَولِ اللهِ ﷿: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٤٠]، قالَ عَطاءٌ: ثم جاءَ المِيراثُ فنسَخَ السُّكنى، تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ.

وقالَ عبدُ الرزَّاقِ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن الزُّهريِّ قالَ: أخَذَ المُترخِّصونَ في المُتوفَّى عنها بقَولِ عائِشةَ رضي الله عنها، وأخَذَ أهلُ العَزمِ والوَرعِ بقولِ ابنِ عُمرَ (١).

(١) روى هذه الآثار عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٠٥٠، ١٢٠٦٠)، وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: تَعتدُّ المُتوفَّى عنها والمطلَّقةُ ثلاثًا حيثُ أحبَبْنَ.
٢٠٠٠ - مَسألةٌ: وتَعتدُّ المُتوفَّى عنها والمطلَّقةُ ثلاثًا أو آخِرَ ثَلاثٍ والمُعتَقةُ تَختارُ فِراقَ زوجِها حيثُ أحبَبْنَ، ولا سُكنى لهنَّ، لا على المطلِّقِ ولا على ورثةِ الميتِ ولا على الذي اختارَتْ فِراقَه، ولا نَفقةَ.
ولهنَّ أنْ يَحجُجنَ في عدتِهنَّ، وأنْ يَرحلْنَ حيث شِئنَ.
وأما كلُّ مُطلقةٍ للذي طلَّقَها عليها الرَّجعةُ ما دامَتْ في العدةِ فلا يَحلُّ لها الخروجُ مِنْ بيتِها الذي كانَتْ فيه إذ طلَّقَها، ولها عليهِ النَّفقةُ والكسوةُ، فإنْ كانَ خوفٌ شديدٌ أو لَزمَها حدٌّ فلها أنْ تَخرجَ حينئذٍ، وإلا فَلا أصلًا لا ليلًا ولا نهارًا ألبتةَ، إلا لضَرورةٍ لا حيلةَ فيها.
بُرهانُ ذلكَ: قولُ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١، ٢].
فهذهِ صفةُ الطلاقِ الرجعيِّ، لا صفةُ الطلاقِ الباتِّ.
وأما الطلاقُ الباتُّ فكمَا روينَا مِنْ طريقِ مُسلمٍ أنا محمدُ بنُ المثنَّى أنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدي أنا سفيانُ الثوريُّ عن سلمةَ بنِ كهيلٍ عن الشعبيِّ عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ «عن النبيِّ في المطلَّقةِ ثلاثًا ليسَ لها سُكنى ولا نفقةٌ».
ولم يَصحَّ في وُجوبِ السُّكنى للمُتوفَّى عنها أثرٌ أصلًا.
والمنزلُ لا يخلُو مِنْ أنْ يكونَ مِلكًا للميتِ أو مِلكًا لغيرهِ، فإنْ كانَ ملكًا لغيرِه -وهو مُكترًى أو مباحٌ- فقدْ بطَلَ العقدُ بموتِه، فلا يَحلُّ لأحدٍ سُكناه إلا بإذنِ صاحبِه وطيبِ نفسِه، قالَ رسولُ اللهِ : «إنَّ دماءَكم وأموالَكُم عليكُم حرامٌ».
وإنْ كانَ مِلكًا للميتِ فقدْ صارَ للغُرماءِ أو للورثةِ أو للوصيةِ، فلا يَحلُّ لها مالُ الغُرماءِ والورثةِ والمُوصَى لهم؛ لِما ذكَرْنا، وإنما لها منه مِقدارُ ميراثِها إنْ كانتْ وارِثةً فقطْ، وهذا برهانٌ قاطعٌ لائحٌ، وما عَدا هذا فظُلمٌ لا خَفاءَ به، وهذا مكانٌ كَثُرَ فيه اختِلافُ الناسِ: فطائِفةٌ قالتْ بقَولِنا كما روينَا مِنْ طريقِ عبدِ الرزاقِ عن ابنِ جريجٍ عن عطاءٍ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ: «تعتدُّ المبتوتةُ حيثُ شاءَتْ» ثم ذكَرَ الآثارَ التي ذكَرْتُها قبلُ.
وقد رَوى الإمامُ مسلمٌ في صَحيحِه عن أبي الزُّبيرِ أنه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: طلقَتْ خالتِي فأرادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَها، فزجَرَها رَجلٌ أنْ تَخرجَ، فأتَتِ النبيَّ فقالَ: «بَلَى، فَجُدِّي نَخلَكِ، فإنكِ عَسَى أنْ تَصدَّقِي أو تَفعلي مَعروفًا».
فإذا كانَ يَجوزُ للمطلَّقةِ أنْ تَخرجَ مِنْ بيتِها للحاجةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ على عَدمِ خُروجِها لغيرِ حاجةٍ، فمِن بابِ أَولى المُتوفَّى عنها زوجُها يَجوزُ لها الخروجُ؛ لأنَّ العُلماءَ اختَلفوا هل تَعتدُّ في بيتِها؟ أو تَعتدُّ كما شاءَتْ كما تقدَّمَ؟ فإذا جازَ في المتفَقُ عليه فالمختلَفُ فيه مِنْ بابِ أَولى، واللهُ أعلَمُ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحضانة
فصل في بيان مكان الحضانة

الْبُلُوغِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيّ يُخَيَّرُ الْغُلَامُ إذَا عَقَلَ التَّخْيِيرَ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَنْتَزِعَ ابْنَهُ مِنِّي وَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَقَالَ «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَنْ يُشَاقُّنِي فِي ابْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْغُلَامِ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت فَاخْتَارَ أُمَّهُ فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ» وَلِأَنَّ فِي هَذَا نَظَرٌ لِلصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الْأَشْفَقَ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْأُمِّ «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي وَلَمْ يُخَيِّرْ» وَلِأَنَّ تَخْيِيرَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ لِغَلَبَةِ هَوَاهُ يَمِيلُ إلَى اللَّذَّةِ الْحَاضِرَةِ مِنْ الْفَرَاغِ وَالْكَسَلِ وَالْهَرَبِ مِنْ الْكُتَّابِ وَتَعَلُّمِ آدَابِ النَّفْسِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ فَيَخْتَارُ شَرَّ الْأَبَوَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يُهْمِلُهُ وَلَا يُؤَدِّبُهُ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في بيان أحكام تداخل العدد والاستبراء]

(فَصْلٌ) إنْ طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ انْهَدَمَ الْأَوَّلُ وَائْتَنَفَتْ:

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام تداخل الْعَدَد وَالِاسْتِبْرَاء

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَدَاخُلِ الْعِدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَيْ طَرَيَان بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ نَوْعٍ أَوْ لَا، وَيُسَمَّى مَبْحَثَ التَّدَاخُلِ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالِامْتِحَانِ بِمَسَائِلِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى اسْتِحْضَارِ مَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَدِقَّتهَا فَلَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْهَا إلَّا ذُو مَلَكَةٍ بِمُمَارَسَةِ مَا تَقَدَّمَ وَأَنْوَاعُهُ الْعَقْلِيَّةُ تِسْعَةٌ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ نَوْعَانِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَعِدَّةُ وَفَاةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ نَوْعٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ يَطْرَأُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مِثْلِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي مِثْلِهَا وَالْوَاقِعِيَّةُ سَبْعَةٌ بِتَقْدِيمِ السِّينِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ عِدَّةَ طَلَاقٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ وَإِنْ كَانَ اسْتِبْرَاءٌ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ أَوْ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، وَإِنْ كَانَ عِدَّةُ وَفَاةٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَلَا عِدَّةُ وَفَاةٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 134 - 146

ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله