الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > يجوز للمعتدة الزواج ولو كانت في نفاسها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالحالُ الخامِسُ: أنْ تضَعَ مُضغةً لا صُورةَ فيها ولم تَشهَدِ القَوابلُ بأنها مُبتدأُ خَلقِ آدَميٍّ، فهذا لا تَنقضِي به عدَّةٌ ولا تَصيرُ به أمَّ وَلدٍ؛ لأنه لم يَثبتْ كَونُه ولَدًا ببيِّنةٍ ولا مُشاهَدةٍ، فأشبَهَ العَلقةَ، فلا تَنقضِي العدَّةُ بوَضعِ ما قبلَ المُضغةِ بحالٍ، سَواءٌ كانَ نُطفةً أو عَلقةً، وسَواءٌ قيلَ: «إنه مُبتدَأُ خَلقِ آدَميٍّ» أو لم يُقَلْ، نَصَّ عليه أحمَدُ فقالَ: أمَّا إذا كانَ عَلقةً فليسَ بشَيءٍ، إنما هيَ دَمٌ لا تَنقضِي به عدَّةٌ ولا تُعتَقُ به أمَةٌ، ولا نَعلمُ مُخالِفًا في هذا إلا الحسَنَ؛ فإنه قالَ: إذا عُلِمَ أنها حَملٌ انقضَتْ به العدَّةُ وفيهِ الغُرَّةُ، والأولُ أصَحُّ وعليهِ الجُمهورُ.
وأقَلُّ ما تَنقضِي به العدَّةُ مِنْ الحَملِ أنْ تضَعَه بعدَ ثَمانينَ يَومًا منذُ أمكَنَه وَطؤُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ خلْقَ أحَدِكم لَيُجمَعُ في بَطنِ أمِّه فيَكونُ نُطفةً أربَعينَ يَومًا، ثمَّ يَكونُ عَلقةً مثلَ ذلكَ، ثم يَكونُ مُضغةً مثلَ ذلكَ»، ولا تَنقضِي العدَّةُ بما دونَ المُضغةِ، فوجَبَ أنْ تكونَ بعدَ الثَّمانينَ، فأما بعدَ الأربَعةِ أشهُرٍ فليسَ فيه إشكالٌ؛ لأنه مُنكَّسٌ في الخَلقِ الرابعِ (١).
يَجوزُ للمُعتدةِ الزَّواجُ ولو كانَتْ في نِفاسِها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ حامِلًا ووضَعَتْ حمْلَها جازَ لها النكاحُ ولو بعدَ ساعَةٍ مِنْ وَضعِها ولو كانَتْ في الدمِ، ولا يُشترطُ لصِحةِ نِكاحِها الطُّهرُ مِنْ النفاسِ.
(١) «المغني» (٨/ ٩٦، ٩٧).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وكَرهَتْ طائِفةٌ للنُفساءِ أنْ تَنكحَ ما دامَتْ في الدمِ، كَرهَ ذلكَ الحَسنُ البَصريُّ والشعبيُّ وحمَّادُ.
وأباحَ سائرُ أهلِ العِلمِ النكاحَ وهي في دَمِها.
قالَ أبو بَكرٍ: وبه نَقولُ (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: لم يَختلفِ السَّلفُ والخلَفُ بعدَهم أنَّ عدَّةَ المُطلقةِ الحامِلِ أنْ تضَعَ حمْلَها، واختَلفَ السَّلفُ في عدَّةِ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، فقالَ عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ: «تَعتدُّ الحامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها آخِرَ الأجَلَينِ»، وقالَ عُمرُ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عُمرَ وأبو مَسعودٍ البَدريُّ وأبو هُريرةَ: «عِدتُها الحَملُ، فإذا وضَعَتْ حلَّتْ للأزواجِ»، وهو قَولُ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لحَديثِ سُبيعةَ: فأخَذَ بهذا جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ فقالُوا: عدَّةُ المُتوفَّى عنها بوَضعِ الحَملِ، حتَّى لو وضَعَتْ بعدَ مَوتِ زَوجِها بلَحظةٍ قبلَ غُسلِه انقَضَتْ عدَّتُها وحلَّتْ في الحالِ للأزواجِ، هذا قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا رِوايةً عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وسَحنونٍ المالِكيُّ أنَّ عدَّتَها بأقصَى الأجَلَينِ وهيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا ووَضعُ الحَملِ، وإلا ما رُويَ عن
(١) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٥١).
(٢) «أحكام القرآن» (٥/ ٣٥٤).
الشَّعبيِّ والحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ وحمَّادٍ أنها لا يَصحُّ زَواجُها حتى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها.
وحُجةُ الجُمهورِ حَديثُ سُبيعةَ المَذكورِ، وهو مُخصِّصٌ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومُبيِّنٌ أنَّ قولَه تَعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامٌّ في المُطلَّقةِ والمُتوفَّى عنها وأنه على عُمومِه، قالَ الجُمهورُ: وقد تَعارَضَ عُمومُ هاتَينِ الآيتينِ، إذا تعارَضَ العُمومانِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى مُرجِّحٍ لتَخصيصِ أحَدِهما، وقد وُجدَ هُنا حَديثُ سُبيعةَ المُخصِّصِ لأربَعةٍ أشهرٍ وعَشرًا، وأنها مَحمولةٌ على غيرِ الحامِلِ.
وأما الدَّليلُ على الشعبيِّ ومُوافِقيهِ فهو ما رَواهُ مُسلمٌ في البابِ أنها قالَتْ: «فأفتَاني النبيُّ ﷺ بأني قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعتُ حَملي»، وهذا تَصريحٌ بانقِضاءِ العدَّةِ بنَفسِ الوَضعِ، فإنِ احتَجُّوا بقَولِه: «فلمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها» أي: طَهُرتْ منه فالجَوابُ: أنَّ هذا إخبارٌ عن وَقتِ سُؤالِها ولا حُجةَ فيه، وإنَّما الحُجةُ في قَولِ النبيِّ ﷺ أنها حَلَّتْ حينَ وَضَعتْ، ولم يُعلِّلْ بالطُّهرِ مِنْ النِّفاسِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وكَرِهَ الحَسنُ والشعبيُّ أنْ تنكحَ في دمِها، وحُكيَ عن إسحاقَ وحمَّادٍ أنَّ عدَّتَها لا تَنقضِي حتى تَطهرَ، وأبَى
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٠٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل
الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.