أما الحالة الثالثة: فهو أن لا يقيم البينة ولا يلاعن

الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > أما الحالة الثالثة: فهو أن لا يقيم البينة ولا يلاعن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

أما الحالة الثالثة: فهو أن لا يقيم البينة ولا يلاعن - الأقوال والأدلة

أما الحالةُ الثَّالثةُ: فهو أنْ لا يُقيمَ البيِّنةَ ولا يُلاعِنَ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ بعَينِه ولم يَأتِ ببيِّنةٍ ولم يُلاعِنْ فقدْ صارَ قاذفًا لاثنَينِ، وعليهِ لكُلِّ واحِدٍ منهُما حَدُّ القَذفِ، ولكُلِّ واحِدٍ منهُما المُطالَبةُ، وأيُّهما طالَبَ حُدَّ له، ومَن لم يُطالِبْ فلا يُحَدُّ له كما لو قذَفَ رَجلًا بالزنا بامرَأةٍ مُعيَّنةٍ.

وبهذا قالَ جُمهورُ العُلماءِ، إلا الحَنفيةَ فقالوا: لا يُحَدُّ الزوجُ، بل يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ، كما تقدَّمَ تَفصيلُه (١).

الأثَرُ الثاني: الفُرقةُ بينَ الزَّوجَينِ ونَوعُها:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وقَعَ اللِّعانُ، هل تَحصلُ الفُرقةُ بمُجرَّدِ لِعانِ الزَّوجِ وحْدَه وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ؟

أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بالتِعانِهما جَميعًا فلا تَقعُ بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه بل لا بُدَّ مِنْ التِعانِ الزَّوجينِ جَميعًا ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ؟

أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بعدَ التِعانِهما جَميعًا ولا بُدَّ مِنْ تَفريقِ الحاكِمِ؟ ثَلاثةُ أقوالٍ للفُقهاءِ.

فذهَبَ الشافِعيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الفُرقةَ تَحصلُ بتَمامِ التِعانِ الزوجِ وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ، ولا يَتوقَّفُ على قَضاءِ القاضي بالتفريقِ؛ لأنَّ

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٦٦)، و «المغني» (٨/ ٧١)، وباقي المَصادِر السَّابقَة.

الفُرقةَ أمرٌ يَختصُّ بالزوجِ، ألَا تَرى أنه هو المُختصُّ بسَببِ الفُرقةِ، فلا يَقفُ وُقوعُها على فِعلِ المَرأةِ كالطلاقِ، وأنَّ حُكمَ الحاكمِ بالفُرقةِ يكونُ تَنفيذًا ولا يكونُ إيقاعًا؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ قالَ للعَجلانِيِّ حين عَرضَ عليه اللعنةَ الخامِسةَ بعدَ الشهاداتِ الأربَعِ: «إنها المُوجِبةُ»؛ إبانةً عنها في وُقوعِ أحكامِ اللعانِ بها، فدَلَّ ثُبوتها بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه.

وروَى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ قالَ: «المُتلاعِنانِ إذا تَفرَّقَا لا يَجتمعانِ أبَدًا»، وقد روَى أبو مالكٍ عن عاصِمٍ عن زرٍّ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنهما أنهُما قالا: «مَضَتِ السُّنةُ أنْ لا يَجتمعَ المُتلاعِنانِ أبدًا»، وذلكَ إشارةٌ إلى سُنةِ رَسولِ اللهِ ، فلمْ يَجعلْ لغَيرِهما تأثيرًا في وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما.

ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ قالَ للمُتلاعنَينِ: «حِسابُكُما على اللهِ، لا سَبيلَ لكَ عليهَا»، قالَ: يا رَسولَ اللهِ مالِي، قالَ: «لا مالَ لكَ، إنْ كُنْتَ صادقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، وإنْ كُنْتَ كاذبًا فهو أبعَدُ لكَ» (١)، فكانَ قولُه: «لا سَبيلَ لكَ عليها» إخبارًا عن وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما، وليسَ بإيقاعٍ للفُرقةٍ؛ لأنَّ إيقاعَ الفُرقةِ أنْ يقولَ: «قد فَرَّقتُ بينَكُما»، فدَلَّ ما أخبَرَ به مِنْ وُقوعِ الفُرقةِ على تَقدُّمِها قبلَ خبَرِه.

(١) رواه البخاري (٥٠٠٦، ٥٠٣٥)، ومسلم (١٤٩٣).

ويَدلُّ عليه مِنْ طَريقِ المعنَى أنها فُرقةٌ تَجرَّدتْ عن عِوضٍ، فإذا لم يَجُزْ تَفرُّدُ الزوجةِ بها جازَ أنْ يَنفردَ الزوجُ بها كالطلاقِ، ولأنه قَولٌ يَمنعُ إقرارَ الزَّوجينِ على الزوجيةِ، فوجَبَ أنْ يكونَ حُكمُ الحاكمِ فيه تَنفيذًا لا إيقاعًا، كالبيِّنةِ على الطلاقِ والإقرارِ به، ولأنَّ الأقوالَ المُؤثِّرةَ في الفُرقةِ لا يُفتقرُ إلى وُجودِها مِنْ جِهتِها كالطلاقِ، ولأنَّ اللعانَ يَمينٌ عندَنا وشَهادةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، والحُكمُ بكُلِّ واحدٍ منهُ تَنفيذٌ وليسَ بإيقاعٍ، ولأنَّ حُكمَ التنفيذِ يَجوزُ مِنْ غيرِ طَلبٍ كالحاكمِ بشَهادةٍ أو يَمينٍ، وحُكمُ الإيقاعِ لا يَجوزُ إلا بعدَ الطَّلبِ كالفَسخِ في العُنَّةِ والإعسارِ بالنَّفقةِ، وفُرقةُ اللعانِ لا تَفتقرُ إلى طَلبٍ، فدَلَّ على اختصاصِها بالتنفيذِ دُونَ الإيقاعِ، ولأنَّ اللعانَ تَقعُ به الفُرقةُ ويَنتفي به النَّسبُ، فلمَّا اختصَّ نفيُ النَّسبِ بلعانِ الزوجِ وجَبَ أنْ يكونَ وُقوعُ الفُرقةِ بمَثابتِه؛ لأنه أحَدُ حُكمَيِ اللعانِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الفُرقةَ تَقعُ بلِعانِ الزوجينِ ولا تَقعُ بلِعانِ أحَدِهما، ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ، ويَكونُ حُكمُ الحاكِمِ بالفُرقةِ تَنفيذًا لا إيقاعًا؛ لِما رُويَ عن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمعانِ أبدًا»، ولأنه معنًى يَقتضي التحريمَ

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٥٢، ٥٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٨٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٧٣٧)، و «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» (٢/ ٨٢، ٨٣)، و «المقدمات الممهدات» (١/ ٦٣٧).

المُؤبَّدَ، فلمْ يَقفْ على حُكمِ الحاكمِ كالرَّضاعِ، ولأنَّ الفُرقةَ لو لم تَحصلْ إلا بتَفريقِ الحاكِم لَساغَ تَركُ التفريقِ إذا كَرِهاهُ كالتفريقِ للعَيبِ والإعسارِ ولَوجَبَ أنَّ الحاكِمَ إذا لم يُفرِّقْ بينَهُما أنْ يَبقَى النكاحُ مُستمِرًّا، وقولُ النبيِّ : «لا سَبيلَ لكَ عليها» (١) يَدلُّ على هذا، وتَفريقُه بينَهُما بمَعنى إعلامِه لهُما بحُصولِ الفُرقةِ.

ولا تَقعُ الفُرقةُ بلعانِ الزوجِ وحْدَه؛ لأنَّ الشَّرعَ إنما وَردَ بالتفريقِ بينَ المُتلاعِنينِ، ولا يَكونانِ مُتلاعنَينِ بلِعانِ أحَدِهما، وإنما فرَّقَ النبيُّ بينَهُما بعدَ تَمامِ اللعانِ منهُما، فالقولُ بوُقوعِ الفُرقةِ قبلَه تَحكُّمٌ يُخالِفُ مَدلولَ السُّنةِ وفِعلَ النبيِّ ، ولأنَّ لفْظَ اللعانِ لا يَقتضي فُرقةً؛ فإنه إمَّا أيمانٌ على زِناها أو شَهادةٌ بذلكَ، ولولا وُرودُ الشَّرعِ بالتفريقِ بينَهُما لم يَحصلِ التفريقُ، وإنما ورَدَ الشَّرعُ به بعدَ لِعانِهما، فلا يَجوزُ تَعليقُه على بعضِه كما لم يَجُزْ تَعليقُه على بَعضِ لِعانِ الزوجِ، ولأنه فَسخٌ ثبَتَ بأيمانِ مُختلِفَينِ، فلمْ يَثبتْ بيمينِ أحَدِهما كالفَسخِ لتَحالفِ المُتبايعينِ عندَ الاختلافِ (٢).

(١) رواه البخاري (٥٠٠٦، ٥٠٣٥)، ومسلم (١٤٩٣).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥١٩، ٥٢٠)، و «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» (٢/ ٨٢، ٨٣)، و «المقدمات الممهدات» (١/ ٦٣٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٩١)، و «المغني» (٨/ ٥٢، ٥٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٢٠، ٥٢١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٧٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه إذا وقَعَ اللعانُ وجَبَ التفريقُ بينَ الزَّوجينِ، إلا أنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ بنَفسِ اللعانِ، بل لا بُدَّ مِنْ تَفريقِ الحاكمِ، حتَّى يَجوزُ طَلاقُ الزوجِ وظِهارُه وإيلاؤُه ويَجرِي التَّوارثُ بينَهُما إذا ماتَ أحَدُهما قبلَ التفريقِ؛ لِما رُويَ عن نافِعٍ عن ابن عُمرَ رضي الله عنهما «أنَّ رَجلًا لاعَنَ امرَأتَه في زَمنِ النبيِّ وانتَفَى مِنْ وَلدِها، ففرَّقَ النبيُّ بينَهُما وألحَقَ الوَلدَ بالمَرأةِ» (١).

وعنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بنَ سَعدٍ الساعِديَّ أخبَرَه أنَّ عُويمِرًا العَجلانِيَّ جاءَ إلى عاصِمِ بنِ عَديٍّ الأنصارِيِّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ، فسَألَ عاصِمٌ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ فكَرهَ رَسولُ اللهِ المَسائلَ وعابَها حتى كَبُرَ على عاصمٍ ما سَمِعَ مِنْ رسولِ اللهِ ، فلمَّا رجَعَ عاصمٌ إلى أهلِه جاءَ عُويمِرٌ فقالَ: يا عاصِمُ ماذا قالَ لكَ رسولُ اللهِ ؟ فقالَ عاصمٌ: لم تَأْتِني بخَيرٍ، قد كَرِهَ رسولُ اللهِ المَسألةَ التي سَألْتُه عنها، قالَ عُويمرٌ: واللهِ لا أنتَهي حتى أسأَلَه عنها، فأقبَلَ عُويمرٌ حتى أتَى رسولَ اللهِ وسطَ الناسِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ : «قد

(١) رواه البخاري (٦٣٦٧).

أنزَلَ اللهُ فيكَ وفي صاحِبتِكَ، فاذهَبْ فأْتِ بها»، قالَ سَهلٌ: فتَلاعَنَا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ اللهِ ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُويمرٌ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا قبلَ أنْ يَأمُرَه رسولُ اللهِ ، قالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنةَ المُتلاعنَينِ (١).

وفي هذا الخبَرِ دَلالةٌ على أنَّ اللعانَ لم يُوجِبِ الفُرقةَ؛ لقولِه: «كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها»؛ وذلك لأن فيه إخبارًا منه بأنه مُمسِكٌ لها بعدَ اللعانِ على ما كانَ عليهِ مِنْ النكاحِ؛ إذْ لو كانَتِ الفُرقةُ قد وقَعَتْ قبلَ ذلكَ لَاستَحالَ قولُه: «كَذَبتُ عليها إنْ أمسَكتُها» وهو غيرُ مُمسِكٍ لها، فلما أخبَرَ بعدَ اللعانِ بحَضرةِ النبيِّ أنه مُمسِكٌ لها ولم يُنكِرْه النبيُّ دَلَّ ذلكَ على أنَّ الفُرقةَ لم تَقعْ بنَفسِ اللعانِ؛ إذْ غيرُ جائزٍ أنْ يُقِرَّ النبيُّ أحَدًا على الكَذبِ ولا على استِباحةِ نِكاحٍ قد بَطلَ، فثبَتَ أنَّ الفُرقةَ لم تَقعْ بنَفسِ اللعانِ.

ويَدلُّ عليه أيضًا ما رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ لاعَنَ بينَ عُويمرٍ العَجلانِيِّ وبينَ امرَأتِه، فلمَّا فرَغَا مِنْ اللعانِ فرَّقَ بينَهُما ثم قالَ عليه الصلاة والسلام: «اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكُما لَكاذبٌ فهلْ منكُما تائبٌ؟ قالَ ذلكَ ثَلاثًا، فأبَيَا، ففرَّقَ بينَهُما».

(١) رواه البخاري (٤٩٥٩)، ومسلم (١٤٩٢).

فدَلَّتِ الأحاديثُ على أنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ بلعانِ الزَّوجِ ولا بلِعانِها؛ إذْ لو وقَعَتْ لَمَا احتملَ التَّفريق مِنْ رَسولِ اللهِ بعدَ وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما بنَفسِ اللعانِ، ولأنَّ مِلكَ النكاحِ كانَ ثابتًا قبلَ اللعانِ، والأصلُ أنَّ المِلكَ متَى ثبَتَ لإنسانٍ لا يَزولُ إلا بإزالتِه أو بخُروجِه مِنْ أنْ يكونَ مُنتَفعًا به في حقِّه لعَجزِه عن الانتِفاعِ بهِ، ولم تُوجَدِ الإزالةُ مِنْ الزوجِ؛ لأنَّ اللعانَ لا يُنبِئُ عن زَوالِ المِلكِ؛ لأنه شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ باليَمينِ أو يَمينٌ، وكُلُّ واحدٍ منهُما لا يُنبئُ عن زَوالِ المِلكِ، ولهذا لا يَزولُ بسائرِ الشَّهاداتِ والأيمانِ، والقُدرةُ على الامتناعِ ثابتةٌ، فلا تَقعُ الفُرقةُ بنَفسِ اللعانِ.

ولأنَّ اللهَ تَعالى خاطَبَ الأزواجَ باللعانِ بقَولِه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ ما ذكَرَ، فلو ثَبتَتِ الفُرقةُ بلِعانِ الزوجِ فالزوجةُ تُلاعِنُه وهي غيرُ زَوجةٍ، وهذا خِلافُ النصِّ.

ولأنها فُرقةٌ لا يَثبتُ سَببُها إلا عندَ الحاكِمِ، فلم تَقعْ بينَهُما إلا بحُكمِ الحاكِمِ، كالعُنَّةِ التي لم يَثبتْ سَببُها في ضَربِ المُدةِ إلا بحُكمِ الحاكِمِ ولم تَقعِ الفُرقةُ فيها إلا بحُكمٍ، ولأنَّ اللعانَ سَببٌ يَخرجُ به القاذفُ مِنْ قَذفِه، فوجَبَ أنْ لا تَقعَ الفُرقةُ إلا بحُكمٍ كالبيِّنةِ، ولأنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ إلا بما يَختصُّ بألفاظِها مِنْ صَريحٍ أو كِنايةٍ، وليسَ في اللعانِ صَريحٌ ولا كِنايةٌ (١).

(١) «أحكام القرآن» (٥/ ١٥٠، ١٥١)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٦٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٨٨)، و «المغني» (٨/ ٥٢، ٥٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٢٠، ٥٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)

(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَمَّا حَكَى سَهْل شهود المتلاعنين مع حداثته وحكاه ابن عمر رضي الله عنهما اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بمحضر من طائفة من المؤمنين لأنه لا يحضر أمراً يريد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ستره ولا يحضره إلا وغيره حاضر له وكذلك جميع حدود الزنا يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم وهذا يشبه قول الله تعالى في الزانيين {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وفي حكاية من حكى اللعان عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاية في كتابه فإنما لاعن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين المتلاعنين بما حكى الله تعالى في القرآن " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي تَغْلِيظِ اللِّعَانِ بِحُضُورِ الَّذِينَ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الدَّلِيلِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ الَّتِي يَخْفَى أَثَرُهَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالْقَذْفِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، كَانَ أَقَلَّ مَنْ شَهِدَ حَدَّهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ كَالْقَذْفِ، فَالشَّاهِدَانِ أَقَلُّ مَنْ يَحْضُرُ اسْتِيفَاؤهُ، فَأَمَّا مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْقَطْعِ فِي السرقة، فليس يؤمر في استيفاؤه بحضور الشهود، لأن شواهد استيفاؤه تُغْنِي عَنِ الشَّهَادَةِ. وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَشَارَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 553 - 559

ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده