إذا أكذب الزوج نفسه أو أكذبت الزوجة نفسها هل يتأبد التحريم؟ أم يجوز له أن يتزوجها؟

الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > إذا أكذب الزوج نفسه أو أكذبت الزوجة نفسها هل يتأبد التحريم؟ أم يجوز له أن يتزوجها؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

إذا أكذب الزوج نفسه أو أكذبت الزوجة نفسها هل يتأبد التحريم؟ أم يجوز له أن يتزوجها؟ - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنه إذا لم يُكذِّبْ نفْسَه لا تَحِلُّ له، إلا أنْ يَكونَ قَولًا شاذًّا (١).

ولأنه قد وقَعَ بينَهُما مِنْ التقاطُعِ والتباغُضِ والتهاتُرِ وإبطالِ حُدودِ اللهِ ما أوجَبَ أنْ لا يَجتمعَا بعدَها أبدًا، وذلكَ أنَّ الزوجيةَ مَبناها على المَودَّةِ والرحمةِ، وهؤلاءِ قد عَدِموا ذلكَ كُلَّ العَدمِ، ولا أقَلَّ مِنْ أنْ تَكونَ عُقوبَتُهما الفُرقةَ.

وبالجُملةِ فالقُبحُ الذي بينَهُما غايةُ القُبحِ (٢).

إذا أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه أو أكذَبَتِ الزَّوجةُ نفْسَها هل يَتأبَّدُ التَّحريمُ؟ أم يَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها؟

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه وأُقيمَ عليه حَدُّ القَذفِ أو أكذَبَتِ الزَّوجةُ نفْسَها، هل يَتأبَّدُ التَّحريمُ؟ أم لا ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنها تَحرمُ عليه باللعانِ تَحريمًا مُؤبَّدًا فلا تَحِلُّ له، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ ولَحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليه أبدًا، لقَولِ سَهلِ ابنِ سَعدٍ رضي الله عنه: «مَضَتْ السُّنةُ بعدُ في المُتلاعِنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبَدًا» (٣).

(١) «المغني» (٨/ ٥٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٩١).
(٣) صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢٥٠).

وقالَ عُمرُ رضي الله عنه: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمِعانِ أبدًا» (١)، وعن عَليٍّ (٢) وابنِ مَسعودٍ (٣) نحوُه.

ولأنه تَحريمٌ لا يَرتفعُ قبلَ الحَدِّ والتكذيبِ، فلمْ يَرتفعْ بهِما كتَحريمِ الرَّضاعِ.

ولأنَّ النبيَّ قالَ للمُتلاعِنَينِ: «حِسابُكُما على اللَّهِ، أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبيلَ لكَ عليها» (٤)، ولم يَقُلْ له: «إلا أنْ تُكذِّبَ نفْسَك»، فكانَ كالتحريمِ المُؤبَّدِ في الأمَّهاتِ ومَن ذُكرَ مَعهُنَّ، وهذا شأنُ كُلِّ تَحريمٍ مُطلَقِ التأبيدِ، ألَا تَرى أنَّ المُطلِّقَ ثَلاثًا لمَّا لم يكنْ تَحريمُه تأبيدًا أوقعَ فيه الشَّرط بنِكاحِ زَوجٍ غيرِه، ولو قالَ: «فإنْ طلَّقَها فلا تَحِلُّ لهُ» لَكانَ تَحريمًا مُطلَقًا لا تَحِلُّ له أبدًا، وقد أطلَقَ النبيُّ التحريمَ في المُلاعَنةِ ولم يُضمِّنْه بوَقتٍ، فهو مُؤبَّدٌ، فإنْ أكذَبَ نفْسَه لَحقَ به الوَلدُ؛ لأنه حَقٌّ جحَدَه ثم عادَ إلى الإقرارِ به، وليسَ كذلكَ النكاحُ؛ لأنه حَقٌّ ثبَتَ عليه بقَولِه: «لا سَبيلَ لكَ عليها»، فلا يَتهيَّأُ له إبطالُه (٥).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٥٦١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٣٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥١٣٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٧/ ١١٢)، رقم (١٢٤٣٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٣٥١)، رقم (١٧٦٥٨)، والدارقطني (٤/ ٤١٧).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٧/ ١١٢)، رقم (١٢٤٣٤).
(٤) رواه البخاري (٥٠٠٦، ٥٠٣٥)، ومسلم (١٤٩٣).
(٥) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٧٧)، و «التمهيد» (١٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الاستذكار» (٦/ ١٠١، ١٠٣)، و «الكافي» (٢٩٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١٣، ١١٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٥)، و «المغني» (٨/ ٥٥)، و «المبدع» (٧/ ٦٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٩)، و «منار السبيل» (٣/ ١٥٠).

ومِن القِياسِ: أنه تَحريمُ عَقدٍ لا يَرتفعُ بغيرِ تَكذيبٍ وحَدٍّ، فوجَبَ أنْ لا يَرتفعَ بالتكذيبِ والحَدِّ كالمُصاهَرةِ، ولأنه لَفظٌ مَوضوعٌ للفُرقةِ، فوجَبَ أنْ لا يَرتفعَ تَحريمُه بالتكذيبِ كالطلاقِ، ولأنَّ تَحريمَ الزوجةِ يَنقسمُ أربَعةِ أقسامٍ:

منها: تَحريمٌ يَرتفعُ بغيرِ عَقدٍ كالطلاقِ الرَّجعيِّ مع بَقاءِ العدَّةِ.

ومنها: تَحريمٌ يَرتفعُ بعَقدٍ كالطلاقِ الرَّجعيِّ بعدَ العدَّةِ.

ومنها: تَحريمٌ بعَقدٍ وإصابةِ زَوجٍ كالطلاقِ الثَّلاثِ.

ومنها: تَحريمٌ مُؤبَّدٌ كتَحريمِ المُصاهرةِ والرَّضاعِ.

فلمَّا لم يَكنْ تَحريمُ اللعانِ مُلحَقًا بالأقسامِ الثلاثةِ في شُروطِ الإباحةِ وجَبَ أنْ يكونَ مُلحَقًا بالرابعِ في تَأبيدِ التحريمِ (١).

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ المُلاعنَ إذا أكذَبَ نفْسَه بعدَما تَمَّ اللعانُ أيَحِلُّ له أنْ يَنكحَها في قولِ مالكٍ؟ (قال): قالَ مالكٌ: لا تَحلُّ له أبَدًا ويُضرَبُ الحَدَّ ويَلحقُ به الوَلدُ، ابنُ وَهبٍ: وقالَ مالكٌ: السُّنةُ في المُتلاعِنينِ أنهُما لا يَتناكَحانِ أبَدًا، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٧٦).

الحَدَّ وأُلحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليه امرَأتُه، قالَ مالكٌ: وتلكَ السُّنةُ عندَنا لا شكَّ فيها.

قالَ ابنُ وَهبٍ: وقالَه ابنُ شِهابٍ ويَحيى بنُ سَعيدٍ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ بنحوِ ذلكَ، ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني ابنُ لَهيعةَ والليثُ عن عُبيدِ اللهِ بنِ أبي جَعفرٍ عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ أنَّ التلاعُنَ هي البتَّةُ ولا يَتوارثانِ ولا يَتناكَحانِ أبَدًا، وعليها عِدةُ المُطلقةِ وإنْ كانَ لها عليهِ مَهرٌ وَجبَ عليهِ (١).

وقالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في «المُوطَّأِ»: السُّنةُ عندَنا أنَّ المُتلاعنَينِ لا يَتناكَحانِ أبَدًا، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ وأُلحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليهِ أبَدًا، وعلى هذا السُّنةُ عندَنا التي لا شَكَّ فيها (٢).

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: فإذا أكمَلَ الزوجُ الشهادةَ والالتِعانَ فقدْ زالَ فِراشُ امرأتِه، ولا تَحلُّ لهُ أبدًا بحالٍ، وإنْ أكذَبَ نفْسَه لم تَعُدْ إليهِ، التعَنَتْ أو لم تَلتعِنْ، حُدَّتْ أو لم تُحَدَّ، قالَ: وإنَّما قُلتُ هذا لأنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «الوَلدُ للفِراشِ» وكانَتْ فِراشًا، فلمْ يَجُزْ أنْ يُنفَى الوَلدُ عن الفِراشِ إلا بأنْ يَزولَ الفِراشُ، فلا يَكونُ فِراشٌ أبدًا، وقد أخبَرَنا مالِكٌ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ رسولَ اللهِ فرَّقَ بينَ المُتلاعنَينِ وألحَقَ الوَلدَ بالمَرأةِ» (٣).

(١) «المدونة الكبرى» (٦/ ١٠٧).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٥٦٨).
(٣) «الأم» (٥/ ٢٩١).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ لا يَجوزُ له أنْ يَجتمعَ مع زَوجتِه مرَّةً أخرَى ما دامَا على لِعانِهما، فإذا أكذَبَ نفْسَه وأُقيمَ عليهِ حَدُّ القَذفِ جازَ له أنْ يَتزوجَها؛ لأنَّنا جَميعًا أجمَعْنا على أنه إنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ ولَحقَ به الولدُ، فكذلكَ يَعودُ النكاحُ حَلالًا كما عادَ الوَلدُ؛ لأنه لا فرْقَ بينَ شَيءٍ مِنْ ذلكَ، وعلى هذا يكونُ خاطِبًا مِنْ الخُطَّابِ.

وأما حَديثُ الزُّهريِّ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ الساعِديِّ بقصَّةِ مُلاعَنةِ رَسولِ اللهِ بينَ الزَّوجينِ اللذَينِ لاعَنَ بينَهُما قالَ سَهلٌ: «مَضَتْ السُّنةُ بعدُ في المُتَلاعنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبدًا» (١) فالجَوابُ عن هذا أنه قد يَجوزُ أنْ يَكونَ كانَ ذلكَ في المُلاعِنِ عندَما كانَ قائِمًا على القَذفِ الذي بهِ لاعَنَ زوْجتَه، وقد وجَدْنا عن الزُّهريَّ مِنْ مَذهبِه في ذلكَ أيضًا كما قد ذكَرْنا مِنْ هذا الاحتِمالِ، فإنه رُويَ عنه أنه قالَ في المُتلاعنَينِ: «لا يَتراجَعانِ أبدًا إلا أنْ يُكذِّبَ نفْسَه، فيُجلدُ الحَدَّ ويَظهرُ بَراءَتُها، فلا جُناحَ عليهِما أنْ يَتراجَعَا».

ورُويَ أيضًا ذلكَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ المُلاعِنَ إذا أكذَبَ نفْسَه رُدَّتْ إليه امرَأتُه، أي: بعَقدٍ جَديدٍ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٢٥٠).

وعن حمَّادٍ عن إبراهيمَ أنه قالَ: إنْ ضُربَ بعدَ ذلكَ -يعني المُلاعِنَ- فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، يَتزوَّجُها إنْ شاءَ وشاءتْ.

ولأنا قد وجَدْناهُما في البَدءِ للمَرأةِ أنْ تَطلبَ الزوجَ حتى يُلاعِنَ بينَها وبينَه اللعانَ الذي يُوجبُ الفُرقةَ بينَهُما، ووجَدْنا الزَّوجَ لو أكذَبَ نفْسَه فحُدَّ في ذلكَ ثمَّ طلَبَتِ المَرأةُ فِراقَه بقَولِه الذي كانَ منه لها لم يَكنْ لها ذلكَ، فكانَتِ العِلةُ التي لها يُلاعنُ بينَهُما اللعانَ الذي يَكونُ عنهُ الفُرقةُ بينَهُما هي ثُبوتُ الزَّوجِ على ما كانَ منهُ إلى زَوجتِه، وإنَّ ذلكَ يَزولُ بزَوالِ تلكَ العِلةِ وبإقامةِ الحَدِّ عليه فيما يَجبُ إقامتُه عليهِ، ويَثبُتانِ بعدَ ذلكَ زَوجينِ كما كانَا قبلَ ذلكَ القولِ، فكانَ مثلُ ذلكَ في القياسِ إذا فُرِّقَ بينَهُما بعدَ اللعانِ أنْ يكونَ ذلكَ الحُكمُ المانعُ أنْ يَجتمعَا قائمًا بينَهُما ما كانَ مُقيمًا على القولِ الذي كانَ يُوجبُ اللعانَ في البَدءِ حتَّى تكونَ به الفُرقةِ، وأنْ يكونَ إذا زالَ ذلكَ القولُ ووَسِعَهما أنْ يُقيمَا على ما كانَا عليهِ قبلَ ذلكَ القولِ في البَدءِ أنْ يَكونَ بعدَ الفُرقةِ أيضًا كذلكَ، وأنْ يكونَ المانعُ مِنْ الاجتِماعِ في المُستأنفِ هو الذي كانَ يُوجِبُ اللعانَ الذي يكونُ عنه ضِدُّ الاجتماعِ، وأنْ يكونَ ذلكَ المعنَى إذا زالَ زالَ ما يَمنعُهما مِنْ الاجتِماعِ.

والدليلُ على جَوازِ نِكاحِهما إذا أكذَبَ نفْسَه وحُدَّ حَدَّ القَذفِ عُمومُ الآيِ المُبيحةِ لعُقودِ المُناكَحاتِ، نحوُ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].

ومِن جِهةِ النظرِ أيضًا أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ هذه الفُرقةَ مُتعلِّقةٌ بحُكمِ الحاكمِ، وكُلُّ فُرقةِ تَعلقَتْ بحُكمِ الحاكمِ فإنها لا تُوجبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا، والدَّليلُ على ذلكَ أنَّ سائرَ الفُرَقِ التي تَتعلقُ بحُكمِ الحاكمِ لا تُوجبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا مثلَ فُرقةِ العِنِّينِ وخيارِ الصَّغيرينِ … وكذلكَ سائرُ الفُرَقِ المُتعلقةِ بحُكمِ الحاكمِ في الأصولِ هذه سَبيلُها.

ولأنَّ سَببَ هذه الفُرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانَ يُوجِبُ التفريقَ، والتفريقَ يُوجبُ الفُرقةَ، فكانَتِ الفُرقةُ بهذه الوَسائطِ مُضافةً إلى القَذفِ السابقِ، وكُلُّ فُرقةٍ تكونُ مِنْ الزوجِ أو يَكونُ فِعلُ الزَّوجِ سَببَها تكونُ طَلاقًا كما في العِنِّينِ والخُلعِ والإيلاءِ ونحوِ ذلكَ.

وأمَّا الحَديثُ فلا يُمكِنُ العَملُ بحَقيقتِه؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ حَقيقةَ المُتفاعِلِ هو المُتشاغِلُ بالفِعلِ، ولمَّا فرَغَا مِنْ اللعانِ ما بَقيَا مُتلاعنَينِ حَقيقةً، فانصَرفَ المُرادُ إلى الحُكمِ، وهو أنْ يَكونَ حُكمُ اللِّعانِ فيهِما ثابتًا.

فإذا أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه وحُدَّ حَدَّ القَذفِ بطَلَ حُكمُ اللِّعانِ، فلمْ يَبْقَ مُتلاعنًا حَقيقةً وحُكمًا، فجازَ اجتِماعُهما.

ونَظيرُه قَولُه تعالَى في قصَّةِ أصحابِ الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)[الكهف: ٢٠]، أي: ما دامُوا في مِلَّتِهم، ألَا ترَى أنهُم إذا لم يَفعلُوا يُفلِحوا، فكَذا هَذا (١).

(١) «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٣٠٣، ٣٠٨)، و «أحكام القرآن» (٥/ ١٥٥، ١٥٨)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٦)، و «المحيط البرهاني» (٤/ ٦٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٦٤).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنها تَحرمُ عليهِ باللعانِ تَحريمًا مُؤبَّدًا، فلا تَحِلُّ له وإنْ أكذَبَ نفْسَه في ظاهرِ المَذهبِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنه إذا لم يُكذبْ نفْسَه لا تَحِلُّ له، إلا أنْ يَكونَ قَولًا شاذًّا.

وأما إذا أكذَبَ نفْسَه فالذي رَواهُ الجَماعةُ عن أحمَدَ أنها لا تَحلُّ له أيضًا، وجاءَتِ الأخبارُ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم أنَّ المُتلاعنَينِ لا يَجتمِعانِ أبدًا، وبه قالَ الحسَنُ وعَطاءٌ وجابرُ بنُ زَيدٍ والنخَعيُّ والزُّهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والثَّوريُ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأبو يُوسفَ.

وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى: إنْ أكذَبَ نفْسَه حلَّتْ له وعادَ فِراشُه بحالِه، وهي رِوايةٌ شاذَّةٌ شَذَّ بها حَنبلٌ عن أصحابِه، قالَ أبو بَكرٍ: لا نَعلمُ أحَدًا رَواها غيرَه، ويَنبغِي أنْ تُحمَلَ هذه الروايةُ على ما إذا لم يُفرِّقْ بينَهُما الحاكِمُ، فأما مع تَفريقِ الحاكِمِ بينَهُما فلا وجْهَ لبَقاءِ النكاحِ بحالِه، وقد ذكَرْنا أنَّ مَذهبَ البَتيِّ أنَّ اللعانَ لا يَتعلقُ به فُرقةٌ، وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ: إنْ أكذَبَ نفْسَه فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ؛ لأنَّ فُرقةَ اللعانِ عندَهما طَلاقٌ، وقالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: إنْ أكذَبَ نفسَه رُدَّتْ إليه ما دامَتْ في العدَّةِ.

ولنَا: ما رَوى سَهلُ بنُ سَعدٍ قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ في المُتلاعنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثم لا يَجتمعانِ أبَدًا» رواهُ الجَوزَجانِيُّ في كتابه بإسنادِه، ورُوي مثلُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة ونفي الولد وحد المرأة من كتابين قديم وجديد)

(بَابُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ مِنَ الفرقة ونفي الولد وحد المرأة من كتابين قديم وجديد)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا بِحَالٍ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْتَعَنَتْ أَوْ لَمْ تَلْتَعْنَ وإنما قلت هذا لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا سبيل لك عليها " ولم يقل حتى تكذب نفسك وقال في المطلقة ثلاثاً " حتى تنكح زوجاً غيره " ولما قال عليه الصلاة والسلام " الولد للفراش " وكانت فراشاً لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش وكان معقولاً في حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذ ألحق الولد بأنه أمه نفاه عن أبيه وإن نفيه عنه بيمينه بالتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه بنفيه ومعقول في إجماع المسلمين أن الزوج إذا أكذب نفسه لحق به الولد وجلد الحد إذ لا معنى للمرأة في نفسه وأن المعنى للزوج فيما وصفت من نفيه وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج ونفي الولد وإلحاقه والدليل على ذلك ما لا يختلف فيه أهل العلم من أن الأم لو قالت ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئا إذا عرف أنها ولدته على فراشه إلا بلعان لأن ذلك حق للولد دون الأم وكذلك لو قال هو ابني وقالت بل زنيت فهو من زنا كان ابنه ألا ترى أن حكم الولد في النفي والإثبات إليه دون أمه فكذلك نفيه بالتعانه دون أمه " .

قال الماوردي: وقصد الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْكَلَامَ عَلَى فَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ مُخْتَصَّةٌ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدٌ لَا يَزُولُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 563 - 570

ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله