الشرط الثاني: أن ينفي الولد على الفورية

الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > الشرط الثاني: أن ينفي الولد على الفورية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

الشرط الثاني: أن ينفي الولد على الفورية - الأقوال والأدلة

«بل زنَيْتُ فهو مِنْ زِنًا» كانَ ابنَه، ألَا تَرى أنَّ حُكمَ الولدِ في النفيِ والإثباتِ إليه دُونَ أمِّه، فكذلكَ نفيُه بالتِعانِه دُونَ أمِّه (١).

الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَنفيَ الوَلدَ على الفَوريَّةِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا نَفَى نَسبَ الولدِ بعدَ الوِلادةِ ولاعَنَ انتَفى النَّسبُ عنه ولَحقَ بأمِّه.

قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: وقدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا نفَى ولَدَها أنه يُلاعِنُ ويلزمُ الوَلد أُمهُ ويَنتفِي نَسبُه مِنْ أبيهِ (٢).

إلا أنهُم اختَلفوا في وَقتِ نَفيِ الوَلدِ، هل يَلزمُه أنْ يَنفيَه على الفَورِ بعدَ الوِلادةِ فإنْ سَكتَ حتى حصَلَتِ التَّهنئةُ لم يَجُزْ له أنْ يَنفيَه؟ أم يَجوزُ أنْ يَنفيَه ما دامَتِ المَرأةُ في مُدةِ النفاسِ؟ أم ليسَ في ذلكَ وَقتٌ مُحدَّدٌ؟ وإنْ كانَ طَريقُ نَفيِ الوَلدِ طَريقُه الاجتِهادُ وغالِبُ الظَّنِّ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنه لا وقْتَ له؛ لأنَّ هذا أمرٌ يَحتاجُ إلى التأمُّلِ، فلا بُدَّ له مِنْ زَمانِ التأملِ، وأنه يَختلفُ باختِلافِ الأشخاصِ والأحوالِ، فتَعذَّرَ التوقيتُ فيه، فيُحكَّمُ فيه العادةُ مِنْ قَبولِ التَّهنئةِ وابتياعِ آلاتِ الوِلادةِ أو مُضيِّ مُدةٍ يفعلُ ذلكَ فيها عادةً، فلا يَصحُّ نَفيُه بعدَ ذلكَ، وبهذا يَبطلُ اعتِبارُ الفَورِ؛ لأنَّ معنَى التأملِ والتَّروي لا يَحصلُ بالفورِ.

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٧٤).
(٢) «أحكام القرآن» (٥/ ١٤١).

وعلى هذا الغائِبُ عنِ امرأتِه إذا ولَدَتْ ولم يَعلمْ بالوِلادةِ حتى قَدِمَ أو بَلغَه الخبَرُ وهو غائِبٌ أنه له أنْ يَنفيَ عندَ أبي حَنيفةَ في مِقدارِ تَهنئةِ الولدِ وابتياعِ آلاتِ الوِلادةِ، فإذا مَضَتْ مُدةٌ قد كانَ يُمكِنُه فيها نَفيُ الولدِ وكانَ منه قَبولٌ للتهنئةِ أو ظهَرَ منه ما يَدلُّ على أنه غيرُ نافٍ له لم يَكنْ له بعدَ ذلكَ أنْ يَنفيَه عندَ أبي حَنيفةَ، وتَحديدُ الوقتِ ليسَ عليهِ دَلالةٌ، فلمْ يَثبتْ، واعتُبِرَ ما ذكَرْنا مِنْ ظُهورِ الرِّضا بالوَلدِ ونحوِه (١).

وذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنه إنْ نَفاهُ في مُدةِ النفاسِ -وهيَ أربَعونَ يَومًا- صَحَّ نَفيُه، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادةِ، فما دامَتْ على حالِ الوِلادةِ قُبِلَ نفيُه.

قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: وأما تَوقيتُ نَفيِ الوَلدِ فإنَّ طَريقَه الاجتِهادُ وغالِبُ الظنِّ، فإذا مَضتْ مُدةٌ قد كانَ يُمكِنُه فيها نَفيُ الولدِ وكانَ منهُ قَبولٌ للتَّهنئةِ أو ظهَرَ منه ما يَدلُّ على أنه غيرُ نافٍ له لم يَكنْ له بعدَ ذلكَ أنْ يَنفيَه عندَ أبي حَنيفةَ، وتَحديدُ الوقتِ ليسَ عليهِ دَلالةٌ، فلمْ يَثبتْ، واعتُبِرَ ما ذكَرْنا مِنْ ظُهورِ الرِّضا بالولدِ ونحوِه.

فإنْ قيلَ: لمَّا لم يَكنْ سُكوتُه في سائرِ الحُقوقٍ رضًا بإسقاطِها كانَ كذلكَ نَفيُ الوَلدِ.

(١) «أحكام القرآن» (٥/ ١٤١)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٦)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ٣٠٢)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «اللباب» (٢/ ١٤٠).

قيلَ له: قدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ السُّكوتَ في ذلكَ إذا مَضتْ مُدةٌ مِنْ الزمانِ بمَنزلةِ الرِّضا بالقولِ، إلا أنهُم اختَلفوا فيها، وأكثَرُ مِنْ وَقَّتَ فيها أربعِينَ يَومًا، وذلكَ لا دَليلَ عليهِ، وليسَ اعتِبارُ هذهِ المُدةِ بأَولى مِنْ اعتبارِ ما هو أقَلُّ مِنها.

وذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الأربَعينَ هي مُدةُ أكثرِ النفاسِ، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادةِ، فما دامَتْ على حالِ الوِلادةِ قُبِلَ نَفيُه، وهذا ليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ نَفيَ الوَلدِ لا تَعلُّقَ له بالنفاسِ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ التَّعجيلُ لنَفيِ الحَملِ أو الوَلدِ عن الزوجِ، فلو عَلِمَ الزوجُ بالحَملِ أو الوِلادةِ فسَكتَ عن نَفيِه بعدَ عِلمِه ثم أراد أنْ يَنفيَه باللعانِ فليسَ له ذلكَ ويُحَدُّ حَدَّ القَذفِ.

قالَ المالِكيةُ: الحَملُ إذا كانَ بَيِّنًا ظاهرًا بالزوجةِ وسَكتَ عنه الزوجُ مُدةً بعدَ عِلمِه به -ولا يَتقيَّدُ بزَمانٍ- ثمَّ أرادَ أنْ يَنفيَه بلِعانٍ فإنه لا يُمكَّنُ مِنْ اللعانِ؛ لأنَّ العُرفَ يُكذِّبُه؛ لأنه ليسَ لسُكوتِه وجهٌ يُحمَلُ عليهِ إلا الرِّضا؛ لأنه لو أرادَ نَفيَه لم يَسكتْ عنه، فلمَّا سَكتَ عنه وهو قادِرٌ على نَفيِه ولا

(١) «أحكام القرآن» (٥/ ١٤١)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٦)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ٣٠٢)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «اللباب» (٢/ ١٤٠).

عُذرَ له في سُكوتِه كانَ كاعتِرافِه به، ولَحقَ به الوَلدُ وبَقيتً زَوجةً، سَواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو كِتابيةً، ويُحَدُّ للمُسلمةِ مُطلَقًا، طالَ سُكوتُه كالشَّهرِ أم لم يَطُلْ كاليومِ واليَومينِ، ما لم يَسكتْ لعُذرٍ، وهذا إذا ثَبتَ سُكوتُه بعدَ العِلمِ به بإقرارٍ أو بيِّنةٍ، على أنَّ عِلمَه به لا يُعلَمُ إلا مِنْ قولِه (١).

وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ الجَديدِ: النفيُ لنَسبِ وَلدٍ يَكونُ على الفَورِ؛ لأنه شُرعَ لدَفعِ ضَررٍ مُحقَّقٍ، فكانَ على الفَورِ كالردِّ بالعَيبِ وخِيارِ الشُّفعةِ.

وفي القَديمِ قَولانِ: أحَدُهما: يَجوزُ إلى ثَلاثةِ أيامٍ، والثَّاني: له النفيُ متَى شاءَ، ولا يَسقطُ إلا بإسقِاطِه.

والمُرادُ بالنَّفيِ هُنا: أنْ يَحضرَ عندَ الحاكِمِ ويَذكرَ «أنَّ هذا الوَلدَ أو الحَملَ المَوجودَ ليسَ منِّي» معَ الشَّرائطِ المُعتبرةِ، وأما اللِّعانُ فله تَأخيرُه.

ويُعذَرُ المُلاعِنُ في تأخيرِ النفيِ على قَولِ الفَورِ لعُذرٍ، كأنْ بَلغَه الخبَرُ لَيلًا فأخَّرَ حتى يُصبحَ، أو كانَ جائِعًا فأكَلَ، أو عارِيًا فلَبِسَ.

فإنْ كانَ مَحبوسًا أو مَريضًا أو خائفًا ضَياعَ مالٍ أرسَلَ إلى القاضي ليَبعثَ إليه نائبًا يُلاعِنُ عندَه أو ليُعلِمَه أنه مُقيمٌ على النفيِ، فإنْ لم يَفعلْ بَطلَ حَقُّه، فإنْ تَعذَّرَ عليه الإرسالُ أشهَدَ إنْ أمكَنَه، فإنْ لم يُشهِدْ مع تَمكُّنِه منه بَطلَ حقُّه.

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٢٨)، رقم (١٣٥٩)، و «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٥٣٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ١٤، ١٩).

وللغائِبُ النفيُ عندَ القاضي إنْ وَجدَه في مَوضعِه، وله مع وُجودِه التأخيرُ إلى الرُّجوعِ إنْ بادَرَ إليهِ بحَسبِ الإمكانِ مع الإشهادِ، وإلا فلا على الأصَحِّ.

أما إذا لم يَكنْ عُذرٌ فإنَّ حَقَّه يَبطلُ مِنْ النفيِ في الأصَحِّ ويَلحقُه الوَلدُ.

وله نَفيُ حَملٍ؛ لِما في الصَّحيحينِ أنَّ هِلالَ بنَ أميَّةَ لاعَنَ عن الحَملِ، ولأنَّ المُلاعِنَ قد يَموتُ قبلَ الوِلادةِ فيَلحقُه الوَلدُ.

وله أيضًا انتظارُ وَضعِه ليُلاعِنَ على يَقينٍ، فإنَّ المُتوهَّمَ حَملًا قد يكونُ رَيحًا فيَنفشُ، بخِلافِ انتظارِ وَضعِه؛ لرَجاءِ مَوتِه، كأنْ قالَ: «عَلمْتُه وَلدًا وأخَّرْتُ رَجاءَ وَضعِه ليَنزلَ مَيتًا فأُكفَى اللِّعانَ» فإنَّ حَقَّه يَبطلُ مِنْ المَنفيِّ؛ لتَفريطِه معَ عِلمِه.

ومَن أخَّرَ نفْيَ نَسبِ وَلدٍ وقالَ: «جَهلْتُ الوِلادةَ» صُدِّقَ بيَمينِه إنْ كانَ غائبًا ولم يَستفِضْ ويَنتشرْ؛ لأنَّ الظاهرَ يُوافقُه، فإنِ استَفاضَ وانتَشرَ لم يُصدَّقْ.

وكذا الحاضِرُ في مُدةٍ يُمكِنُ جَهلُه بالوِلادةِ فيها كأنْ كانَا في مَحلَّتَينِ وأمكَنَ الخَفاءُ عليه؛ لاحتمالِ صِدقِه، بخِلافِ ما لا يُمكنُ كأنْ كانَا في دارٍ واحدةٍ ومضَتْ مُدةٌ يَبعدُ الخَفاءُ فيها فإنه لا يُقبلُ؛ لأنه خِلافُ الظاهرِ.

ولو قالَ: «لم أُصدِّقْ مَنْ أخبَرَني بالوِلادةِ» وقد أخبَرَه مَنْ لا تُقبَلُ رِوايتُه كصَبيٍّ وفاسقٍ صُدقَ بيَمينِه، أو مَقبولُ الرِّوايةِ ولو رَقيقًا أو امرأةً لم يُقبلْ منه.

ولو قيلَ لهُ تَهنئةً بوَلدٍ: «مُتِّعتَ بوَلدِكَ، أو جَعلَه اللهُ لكَ وَلدًا صالحًا» فقالَ مُجيبًا للقائلِ: «آمِينَ، أو نَعمْ» أو نحوَ ذلكَ ممَّا يَتضمَّنُ إقرارًا ك: «استَجابَ اللهُ دُعاءَكَ» تعذَّرَ عليه نَفيُه ولَحقَه الولدُ؛ لأنَّ ذلك يَتضمنُ الرِّضا به، نعمْ إنْ عُرِفَ له وَلدٌ آخَرُ وادَّعى حَمْلَ التَّهنئةِ والتأمينِ أو نحوِه عليهِ فلهُ نفيُه، إلا إنْ كانَ أشارَ إليهِ فقالَ: «نفَعَكَ اللهُ بهذا الولدِ» فقالَ: «آمِينَ» أو نحوَه فليسَ له نفيُه؛ لِما مَرَّ.

وإنْ أجابَ بما لا يَتضمَّنُ الإقرارَ كأنْ قالَ للقائلِ: «جَزاكَ اللهُ خَيرًا، وباركَ اللهُ عَليكَ» فلا يَتعذَّرُ نفيُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنه قصَدَ مُكافأةَ الدُّعاءِ بالدعاءِ.

ولو قالَ بعدَ عِلمِه بالوَلدِ: «لم أعلَمْ جَوازَ اللعانِ، أو فَوريَّتَه» وهو عامِيٌّ وإنْ لم يكنْ قَريبَ العهدِ بالإسلامِ أو نشَأَ بباديةٍ بَعيدةٍ عن العُلماءِ صُدِّقَ، كنَظيرِه مِنْ خيارِ المُتعةِ، بخِلافِ ما إذا كانَ فَقيهًا (١).

وأما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ نَفى الحَملَ في التِعانِه لم يَنتَفِ عنه حتى يَنفيَه عندَ وَضعِها لهُ ويُلاعِنَ).

اختَلفَ أصحابُنا فيما إذا لاعَنَ امرأتَه وهي حامِلٌ ونفَى حمْلَها في لِعانِه، فقالَ الخِرقيُّ وجَماعةٌ: لا يَنتفي الحَملُ بنَفيِه قبلَ الوَضعِ، ولا يَنتفِي

(١) «التنبيه» ص (١٩١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٩٠، ٦٩٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١٥، ١١٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٧، ٧٨)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٧٤١، ٧٤٤)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٤٢، ١٤٣)، و «الديباج» (٣/ ٥٤٣، ٥٤٥).

حتَّى يُلاعنَها بعد الوَضعِ، ويَنتفي الوَلدُ فيهِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وجَماعةٍ مِنْ أهلِ الكُوفةِ؛ لأنَّ الحَملَ غيرُ مُستيقَنٍ، يَجوزُ أنْ يكونَ رِيحًا أو غيرَها، فيَصيرُ نفيُه مَشروطًا بوُجودِه، ولا يَجوزُ تَعليقُ اللعانِ بشَرطٍ.

وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وجَماعةٌ مِنْ أهلِ الحِجازِ: يَصحُّ نفيُ الحَملِ ويَنتفي عنهُ، مُحتجِّينَ بحَديثِ هلالٍ وأنه نفَى حمْلَها فنَفاهُ عنه النبيُّ وألحَقَه بالأولِ، ولا خَفاءَ بأنه كانَ حَملًا، ولهذا قالَ النبيُّ : «انظُرُوها فإنْ جاءَتْ به كَذا وكَذا».

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: الآثارُ الدالَّةُ على صِحةِ هذا القَولِ كَثيرةٌ. وأورَدَها.

ولأنَّ الحَملَ مَظنونٌ بأمَاراتٍ تَدلُّ عليه، ولهذا ثَبتَتْ للحاملِ أحكامٌ تُخالِفُ بها الحائلَ مِنْ النفقةِ والفِطرِ في الصِّيامِ وتَركِ إقامةِ الحَدِّ عليها وتَأخيرِ القِصاصِ عنها وغيرِ ذلكَ ممَّا يَطولُ ذِكرُه، ويَصحُّ استِلحاقُ الحَملِ، فكانَ كالوَلدِ بعدَ وَضعِه، وهذا القَولُ هو الصحيحُ؛ لمُوافَقتِه ظَواهرَ الأحاديثِ، وما خالَفَ الحَديثَ لا يُعبَأُ به كائنًا ما كانَ.

وقالَ أبو بَكرٍ: يَنتفي الوَلدُ بزَوالِ الفِراشِ، ولا يَحتاجُ إلى ذِكرِه في اللعانِ؛ احتِجاجًا بظاهرِ الأحاديثِ، حَيثُ لم يُنقَلْ فيها نفيُ الحَملِ ولا التعرُّضُ لنَفيِه، وقد ذكَرْنا ذلكَ، فأما مَنْ قالَ: «إنَّ الولدَ لا يَنتفي إلا بَنفيِه بعد الوضعِ» فإنه يَحتاجُ في نفيِه إلى إعادةِ اللعانِ بعدَ الوَضعِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ ومَن وافَقَه: إنْ لاعَنَها حامِلًا ثم أتَتْ بالوَلدِ لَزمَه ولم يَتمكَّنْ مِنْ نفيِه؛ لأنَّ اللعانَ لا يَكونُ إلا بينَ الزَّوجينِ، وهذه قد بانَتْ بلِعانِها في حالِ حَملِها، وهذا فيهِ إلزامُه وَلدًا ليسَ منهُ وسَدُّ بابِ الانتفاءِ مِنْ أولادِ الزِّنا واللهُ تَعالى قد جَعلَ له إلى ذلكَ طَريقًا، فلا يَجوزُ سَدُّه، وإنما تُعتبَرُ الزوجيةُ في الحالِ التي أضافَ الزنا إليها فيهِ؛ لأنَّ الولدَ الذي تَأتي به يَلحقُه إذا لم يَنْفِه، فيَحتاجُ إلى نَفيِه، وهذهِ كانتْ زَوجةً في تلكِ الحالِ، فملَكَ نَفيَ ولدِها، واللهُ أعلَمُ.

فَصلٌ: وإنْ استَلحقَ الحَملَ فمنْ قالَ: «لا يَصحُّ نفيُه» قالَ: «لا يَصحُّ استِلحاقُه»، وهو المَنصوصُ عن أحمَدَ، ومَن أجازَ نفيَه قالَ: «يَصحُّ استِلحاقُه»، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه مَحكومٌ بوُجودِه؛ بدَليلِ وُجوبِ النفقةِ ووَقْفِ المِيراثِ، فصَحَّ الإقرارُ به كالمَولودِ، وإذا استَلحقَه لم يَملكْ نفْيَه بعدَ ذلكَ كما لو استَلحقَه بعدَ الوضعِ، ومَن قالَ: «لا يَصحُّ استِلحاقُه» قالَ: لو صَحَّ استِلحاقُه لَزمَه بتَركِ نفيِه كالمَولودِ، ولا يَلزمُه ذلكَ بالإجماعِ، ولأنَّ للشَّبهِ أثَرًا في الإلحاقِ؛ بدليلِ حَديثِ المُلاعنةِ، وذلكَ مُختَصٌّ بما بعدَ الوضعِ، فاختَصَّ صِحةُ الاستِلحاقِ بهِ، فعَلى هذا لو استَلحقَه ثمَّ نفاهُ بعدَ وَضعِه كانَ له ذلكَ، فأما إنْ سَكتَ عنه فلمْ يَنفِه ولم يَستلحقْه لم يَلزمْه عندَ أحَدٍ عَلِمْنا قولَه؛ لأنَّ ترْكَه يَحتملُ أنْ يكونَ لأنه لا يَتحققُّ وُجودَه إلا أنْ يُلاعنَها، فإنَّ أبا حَنيفةَ ألزَمَه الولدَ على ما أسلَفْناهُ.

فَصلٌ: وإذا ولَدَتِ امرأتُه وَلدًا فسَكتَ عن نَفيِه مع إمكانِه لَزمَه نَسبُه ولم يَكنْ له نَفيُه بعدَ ذلكَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، قالَ أبو بَكرٍ: لا يَتقدَّرُ ذلكَ بثَلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إنْ كانَ لَيلًا فحتى يُصبحَ ويَنتشرَ الناسُ، وإنْ كانَ جائعًا أو ظَمآنَ فحتى يَأكلَ أو يَشربَ، أو يَنامَ إنْ كانَ ناعسًا، أو يَلبسَ ثِيابَه ويُسرِجَ دابَّتَه ويَركبَ، ويُصلِّي إنْ حَضرتْه الصلاةُ، ويُحرزَ مالَه إنْ كانَ غيرَ مُحرزٍ، وأشباه ذلكَ مِنْ أشغالِه، فإنْ أخَّرَه بعدَ هذا كلِّه لم يَكنْ له نفيُه.

وقالَ أبو حَنيفةَ: له تَأخيرُ نفيِه يَومًا ويَومينَ استِحسانًا؛ لأنَّ النفيَ عَقيبَ الوِلادةِ يَشقُّ، فقُدِّرَ باليَومينِ لقِلَّتِه، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَتقدرُ بمُدةِ النفاسِ؛ لأنها جارِيةٌ مَجرَى الوِلادةِ في الحُكمِ، وحُكيَ عن عطاءٍ ومُجاهدٍ أنَّ له نفيَه ما لمْ يَعترفْ به، فكانَ له نَفيُه كحالةِ الوِلادةِ.

ولنَا: إنه خِيارٌ لدَفعِ ضَررٍ مُتحقِّقٍ، فكانَ على الفَورِ كخِيارِ الشُّفعةِ، وقولُ النبيِّ : «الوَلدُ للفِراشِ» عامٌّ خرَجَ منه ما اتَّفقْنا عليهِ مع السُّنةِ الثابتةِ، فما عَداهُ يَبقى على عُمومِ الحديثِ، وما ذكَرَه أبو حَنيفةَ يَبطلُ بخِيارِ الردِّ بالعَيبِ والأخذِ بالشُّفعةِ، وتَقديرُه بمُدةِ النفاسِ تَحكُّمٌ لا دليلَ عليهِ، وما قالَه عطاءٌ يَبطلُ أيضًا بما ذكَرْناهُ، ولا يَلزمُ القِصاصُ؛ لأنه لاستِيفاءِ حَقٍّ لا لدَفعِ ضَررٍ، ولا الحَملُ؛ لأنه لم يَتحققْ ضرَرُه.

إذا ثبَتَ هذا فهلْ يَتقدرُ الخِيارُ في النفيِ بمَجلسِ العِلمِ؟ أو بإمكانِ

النفيِ؟ على وَجهينٍ؛ بناءٍ على المُطالَبةِ بالشُّفعةِ، فإنْ أخَّرَ نفيَه عن ذلكَ ثمَّ ادَّعى أنه لا يَعلمُ بالوِلادةِ وأمكَنَ صِدقُه بأنْ يكونَ في مَوضعٍ يَخفَى عليه ذلكَ مثلَ أنْ يَكونَ في مَحلَّةٍ أُخرى فالقولُ قولُه مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ العِلمِ، وإنْ لم يُمكِنْ مثلَ أنْ يكونَ معَها في الدارِ لم يُقبَلْ؛ لأنَّ ذلك لا يَكادُ يَخفى عليهِ، وإنْ قالَ: «عَلِمتُ وِلادتَه ولم أعلَمْ أنَّ لي نفيَه، أو عَلِمتُ ذلكَ ولم أعلَمْ أنه على الفَورِ» وكانَ ممَّن يَخفى عليهِ ذلكَ كعامَّةِ الناسِ قُبلَ منه؛ لأنَّ هذا مما يَخفى عليهم، فأشبَهَ ما لو كانَ حَديثَ عهدٍ بالإسلامِ، وإنْ كانَ فَقيهًا لم يُقبلْ ذلك منهُ؛ لأنه ممَّا لا يَخفى عليهِ ذلكَ، ويَحتملُ أنْ يُقبلَ منه؛ لأنَّ الفَقيهَ يَخفى عليه كَثيرٌ مِنْ الأحكامِ، وقالَ أصحابُنا: لا يُقبَلُ ذلكَ مِنْ الفَقيهِ ويُقبلُ مِنْ الناشِئِ بباديةٍ وحَديثِ العَهدِ بالإسلامِ، وهل يُقبلُ مِنْ سائرِ العامَّةِ؟ على وَجهينِ.

وإنْ كانَ له عُذرٌ يَمنعُه مِنْ الحُضورِ لنَفيِه كالمَرضِ والحَبسِ أو الاشتغالِ بحِفظِ مالٍ يَخافُ ضَيعتَه أو بمُلازَمةِ غَريمٍ يَخافُ قوَّتَه أو غَيبتَه نَظرْتَ؛ فإنْ كانَتْ مُدةُ ذلكَ قَصيرةً فأخَّرَه إلى الحُضورِ ليَزولَ عُذرُه لم يَبطلْ نفيُه؛ لأنه بمَنزلةِ مَنْ عَلِمَ ذلكَ ليلًا فأخَّرَه إلى الصبحِ، وإنْ كانَتْ تَتطاولُ فأمكَنَه التنفيذُ إلى الحاكِمِ ليَبعثَ إليه مَنْ يَستوفِي عليه اللعانَ والنفيَ فلمْ يَفعلْ سقَطَ نفيُه، فإنْ لم يُمكنْه أشهَدَ على نفسِه أنه نافٍ لوَلدِ امرأتِه، فإنْ لم يَفعلْ بَطلَ خيارُه؛ لأنه إذا لم يَقدرْ على نفيِه كانَ الإشهادُ

قائِمًا مَقامَه كما يُقيمُ المَريضُ الفَيئةَ بقَولِه بَدلًا عن الفيئةِ بالجِماعِ، فإنْ قالَ: «لم أُصدِّقِ المُخبِرَ عنه» نَظرْتَ؛ فإنْ كانَ مُستفيضًا مُنتشِرًا لم يُقبلْ قَولُه، وإنْ لم يَكنْ مُستفيضًا وكانَ المُخبِرُ مَشهورَ العَدالةِ لم يُقبلْ، وإلا قُبلَ.

وإنْ قالَ: «لم أعلَمْ أنَّ عليَّ ذلكَ» قُبلَ قولُه؛ لأنه ممَّا يَخفى، وإنْ عَلِمَ وهو غائبٌ فأمكَنَه السيرُ فاشتَغلَ به لم يَبطلْ خِيارُه، وإنْ أقامَ مِنْ غيرِ حاجَةٍ بطَلَ؛ لأنه أخَّرَه لغَيرِ عُذرٍ، وإنْ كانَتْ له حاجَةٌ تَمنعُه مِنْ السيرِ فهو على ما ذكَرْنا مِنْ قَبلُ.

وإنْ أخَّرَ نفيَه لغيرِ عُذرٍ وقالَ: «أخَّرتُ نفيَه رَجاءَ أنْ يَموتَ فأستُرَ عليه وعَليَّ» بَطلَ خِيارُه؛ لأنه أخَّرَ نفيَه مع الإمكانِ لغيرِ عُذرٍ.

فَصلٌ: فإنْ هُنِّئَ به فأمَّنَ على الدُّعاءِ لَزمَه في قَولِهم جَميعًا، وإنْ قالَ: «أحسَنَ اللهُ جَزاءَكَ، أو بارَكَ اللهُ عليكَ، أو رزَقَكَ اللهُ مِثلَه» لَزمَه الولدُ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَلزمُه؛ لأنه جَازاهُ على قَصدِه، وإذا قالَ: «رزَقَكَ اللهُ مِثلَه» فليسَ ذلكَ إقرارًا ولا مُتضمِّنًا له.

ولنا: إنَّ ذلكَ جَوابُ الرَّاضي في العادةِ، فكانَ إقرارًا كالتأمينِ على الدُّعاءِ، وإنْ سَكتَ كانَ إقرارًا، ذكَرَه أبو بَكرٍ؛ لأنَّ السُّكوتَ صُلحٌ دالٌّ على الرِّضى في حَقِّ البِكرِ وفي مَواضعَ أُخَرَ، فهاهُنا أَولى، وفي كُلِّ مَوضعٍ لَزمَه الولدُ لم يَكنْ له نفيُه بعدَ ذلكَ في قولِ جَماعةِ أهل العِلمِ، منهُم الشعبيُّ والنخَعيُّ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ومالكٌ والشافِعيُّ وابنُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة ونفي الولد وحد المرأة من كتابين قديم وجديد)

(بَابُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ مِنَ الفرقة ونفي الولد وحد المرأة من كتابين قديم وجديد)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا بِحَالٍ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْتَعَنَتْ أَوْ لَمْ تَلْتَعْنَ وإنما قلت هذا لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا سبيل لك عليها " ولم يقل حتى تكذب نفسك وقال في المطلقة ثلاثاً " حتى تنكح زوجاً غيره " ولما قال عليه الصلاة والسلام " الولد للفراش " وكانت فراشاً لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش وكان معقولاً في حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذ ألحق الولد بأنه أمه نفاه عن أبيه وإن نفيه عنه بيمينه بالتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه بنفيه ومعقول في إجماع المسلمين أن الزوج إذا أكذب نفسه لحق به الولد وجلد الحد إذ لا معنى للمرأة في نفسه وأن المعنى للزوج فيما وصفت من نفيه وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج ونفي الولد وإلحاقه والدليل على ذلك ما لا يختلف فيه أهل العلم من أن الأم لو قالت ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئا إذا عرف أنها ولدته على فراشه إلا بلعان لأن ذلك حق للولد دون الأم وكذلك لو قال هو ابني وقالت بل زنيت فهو من زنا كان ابنه ألا ترى أن حكم الولد في النفي والإثبات إليه دون أمه فكذلك نفيه بالتعانه دون أمه " .

قال الماوردي: وقصد الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْكَلَامَ عَلَى فَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ مُخْتَصَّةٌ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدٌ لَا يَزُولُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 572 - 582

ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله