الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > فأما الحال الأولى: وهو أن يقيم البينة عليهما
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةإذا قَذفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاهُ فلا يَخلو ذلكَ مِنْ ثَلاثةِ أحوالٍ:
أحَدُهما: أنْ يُقيمَ البيِّنةَ، والثاني: أنْ يَلتعِنَ، والثالِثُ: أنْ لا يَفعلَ واحِدًا منهُما.
فأمَّا الحالُ الأُولى: وهو أنْ يُقيمَ البيِّنةَ عليهِما:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاهُ وأقامَ على ذلكَ البيِّنةَ فقدْ سقَطَ عنهُ حَدُّ القَذفِ لهُما ووجَبَ حَدُّ الزِّنا عليهِما؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، فدَلَّ على أنه إذا أتَى بأربَعةِ شُهداءَ .. لم يُجلدْ، قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وهذا مُتفَقٌ عليه، فإنْ أرادَ أنْ يُلاعِنَ بعدَ إقامةِ البيِّنةِ على الزِّنا جازَ ليَرفعَ به الفِراشَ ويَنفيَ به النَّسبَ؛ لأنه لمَّا جازَ اللعانُ فيما لم يَثبتْ مِنْ الزنا كانَ فيما ثبَتَ أجوَزَ (١).
أما الحالُ الثَّانيةُ: وهو أنْ يَلتعِنَ ويَذكرَه في لِعانِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا قَذفَ زَوجتَه برَجلٍ سَمَّاه ولاعَنَ زَوجتَه، هل يَسقطُ عنه حَدُّ القَذفِ للذي سمَّاه أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَسقطُ حَدُّ القَذفِ عنه إنْ ذكَرَه وسَمَّاه في لِعانِه بأنْ قالَ: «أشهَدُ باللهِ إني لَمِن الصادقِينَ فيما رَمَيتُ بهِ هذهِ
(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٦٥)، و «البيان» (١٠/ ٤٤٠).
مِنْ الزنا بفُلانٍ»؛ لأنَّ اللهَ ﷿ لم يَجعلْ على مَنْ رَمَى زَوجتَه بالزنى إلا حَدًّا واحِدًا بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم يُفرِّقْ بينَ مَنْ ذكَرَ رَجلًا بعَينِه وبينَ مَنْ لم يَذكرْ، ولأنَّ هِلالَ بنَ أميَّةَ قذَفَ زَوجتَه بشَريكِ بنِ سَحماءَ فلمْ يَحُدَّه النبيُّ ﷺ له ولا عَزَّرَه، ولو وجَبَ الحَدُّ عليه لَأعلَمَ شَريكًا به ليَستوفيَه إنْ شاءَ، ولأنَّ اللعانَ بيِّنةٌ في أحَدِ الطَّرفينِ، فكانَ بيِّنةً في الطرفِ الآخَرِ كالشهادةِ، ولأنَّ به حاجَةً إلى قَذفِ الزاني؛ لِمَا أفسَدَ عليه مِنْ فِراشِه، وربُّما يَحتاجُ إلى ذِكرِه ليَستدلَّ بشَبهِ الوَلدِ بالمَقذوفِ على صِدقِ قاذفِه كما استَدلَّ النبيُّ ﷺ على صِدقِ هِلالٍ بشبَهِ الولدِ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فوجَبَ أنْ يُسقطَ حُكمُ قَذفِه ما أسقَطَ حُكمُ قَذفِها؛ قِياسًا له عليها.
ووجَبَ به حَدُّ الزنا على الزوجةِ إذا لم تُلاعِنْ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ، ولم يَجبْ به حَدُّ الزنا على الرجلِ المُسمَّى معَها اتفاقًا، إلا أنْ تكونَ هناكَ بينةٌ أو يُقِرَّ بالزنا.
قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ وابنُ عبدِ البرِّ: ولا يَختلفونَ أنَّ مَنْ قَذفَ امرأتَه برَجلٍ فلاعَنَ لم يُحَدَّ الرجلُ (١).
فإنْ قيلَ: فلِم لا يَتساويانِ في وُجوبِ الحَدِّ عليهِما باللعانِ كما استَويَا في وُجوبِ الحَدِّ عليهِما بالبيِّنةِ؟
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٢٢)، و «الاستذكار» (٥/ ٥١٧).
قيلَ: لوُقوعِ الفَرقِ بينَهُما مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ البيِّنةَ عامَّةٌ في حُقوقِ الأزواجِ والأجانِبِ واللِّعانَ خاصٌّ في حُقوقِ الأزواجِ دُونَ الأجانبِ.
والثاني: أنه لمَّا كانَ للزَّوجةِ إسقاطُه بلِعانِها جازَ أنْ يَجبَ عليها، ولمَّا لم يَكنْ للأجنَبيِّ إسقاطُه بلِعانِه لم يَجُزْ أنْ يَجبَ عليه.
وأما إذا قَذفَها برَجلٍ سمَّاه إلا أنه لم يَذكرْه في لعانِه فيُحَدُّ له إذا لم يُسَمِّه في لِعانِه على الصحيحِ عندَ الشافِعيةِ لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ مَنْ لم يُسَمَّ في اللعانِ لم يَسقطْ حَقُّه باللعانِ كالزَّوجةِ والولدِ.
والثاني: أنه لمَّا لم يَسقطْ قَذفُ الأجنَبيِّ بعَفوِ الزوجةِ لم يَسقطِ اللعانُ منها، وخرَجَ عن أنْ يَكونَ فيه تَبعًا لها، فعَلى هذا يكونُ ذِكرُ الأجنَبيِّ في اللعانِ شَرطًا في سُقوطِ قَذفِه.
فعلى هذا إذا أرادَ إسقاطَ حَدِّه استَأنفَ اللِّعانَ وذكَرَه وأعادَ ذِكرَ الزوجةِ.
والقَولُ الثاني للشافِعيةِ وهو مَذهبُ الحَنابلةِ أنه لا حَدَّ عليهِ، سَواءٌ ذكَرَه في لِعانِه أو لم يَذكرْه، ولا حَدَّ عليه لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الأجنَبيَّ في اللِّعانِ تَبعٌ للزوجةِ؛ لأنَّ اللعانَ لا يَصحُّ معه لو أُفردَ بالقذفِ، فإذا سَقطَ حَدُّ الزوجةِ باللعانِ سَقطَ حَدُّ مِنْ تَبعَها فيه.
والثَّاني: أنه قَذفٌ بفِعلٍ واحدٍ، فإذا تَحققَّ باللعانِ فِعلُه مِنْ أحَدِهما تَحققَ مِنْ الآخَرِ؛ لأنَّ الزنا لا يَكونُ إلا مِنْ زانيَينِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاه فإنه يُلاعِنُ زَوجتَه ويُحَدُّ للرجلِ حَدَّ القذفِ إنْ طَلبَه ولا يَسقطُ بلِعانِها عنه، سَواءٌ ذكَرَه في لعانِه أو لم يَذكرْه؛ لأنه قذَفَ شَخصينِ يُحَدُّ قاذِفُهما، فتَخلصُه مِنْ قَذفِ واحدٍ لا يُسقطُ حَدَّ الآخَرِ، أصلُه إذا قذَفَه بأجنَبيةٍ.
ولأنَّ اللهَ وضَعَ الحَدَّ في قَذفِ الأجنَبيِّ والزَّوجةِ مُطلَقَينِ ثمَّ خَصَّ الزوجةِ بالخَلاصِ باللعانِ وبَقيَ الأجنَبيُّ على مُطلَقِ الآيةِ.
وإنما لم يُحَدَّ هِلالٌ لمَّا قذَفَ امرأتَه بشَريكِ بنِ سَحماءَ؛ لأنه لم يَطلبْه، وحَدُّ القَذفِ لا يُقيمُه الإمامُ إلا بعدَ المُطالَبةِ (٢).
(١) «الأم» (٥/ ٢٩١، ٢٩٧)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٦٥، ٦٩)، و «المهذب» (٢/ ١٢٧)، و «البيان» (١٠/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٧٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٤، ٧٥)، و «المغني» (٨/ ٧١، ٨٢)، و «الكافي» (٣/ ٢٨٧)، و «المبدع» (٨/ ٩١)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٥١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٨)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٩).
(٢) «الكافي» (٢٩١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٢٣)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٥٧)، و «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٩٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، و «المبسوط» (٧/ ٥٦).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: والذينَ أسقَطُوا حُكمَ قَذفِ الأجنَبيِّ باللعانِ حُجَّتُهم ظاهرةٌ وقَويةٌ جِدًّا؛ فإنه ﷺ لم يَحُدَّ الزوجَ بشَريكِ بنِ سَحماءَ وقد سَمَّاه صَريحًا، وأجابَ الآخَرونَ عن هذا بجَوابينِ:
أحَدُهما: أنَّ المَقذوفَ كانَ يَهوديًّا، ولا يَجبُ الحَدُّ بقَذفِ الكافرِ.
والثاني: أنه لم يُطالِبْ به، وحَدُّ القَذفِ إنما يُقامُ بعدَ المُطالَبةِ.
وأجابَ الآخَرونَ عن هذَينِ الجَوابينِ وقالوا: قَولُ مَنْ قالَ: «إنه يَهوديٌّ» باطلٌ؛ فإنه شَريكُ بنُ عَبدةَ وأمُّه سَحماءُ، وهو حَليفُ الأنصارِ، وهو أخو البَراءِ بنِ مالكٍ لأمِّه، قالَ عبدُ العَزيزِ بنُ بَزيزةَ في شَرحِه لأحكامِ عبدِ الحَقِّ: قد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في شَريكِ بنِ سَحماءَ المَقذوفِ، فقيلَ: «إنه كانَ يَهوديًّا» وهو باطِلٌ، والصَّحيحُ أنه شَريكُ بنُ عَبدةَ حَليفُ الأنصارِ، وهو أخو البَراءِ بنِ مالكٍ لأمِّه؟
وأما الجَوابُ الثاني فهو يَنقلبُ حجَّةً عليكُم؛ لأنه لمَّا استَقرَّ عندَه أنه لا حَقَّ له في هذا القَذفِ لم يُطالِبْ به ولم يَتعرَّضْ له، وإلا كيفَ يَسكتُ عن بَراءةِ عِرضِه وله طَريقٌ إلى إظهارِها بحَدِّ قاذفِه؟ والقَومُ كانوا أشَدَّ حَميَّةً وأنَفةً مِنْ ذلكَ، وقد تَقدَّمَ أنَّ اللعانَ أُقيمَ مَقامَ البيِّنةِ للحاجةِ وجُعلَ بَدلًا مِنْ الشُّهودِ الأربَعةِ، ولهذا كانَ الصَّحيحُ أنه يَوجِبُ الحَدَّ عليها إذا نكَلَتْ،
فإذا كانَ بمَنزلةِ الشَّهادةِ في أحَدِ الطَّرفينِ كانَ بمَنزلتِها في الطَّرفِ الآخَرِ، ومِن المُحالِ أنْ تُحَدُّ المرأةُ باللعانِ إذا نكَلَتْ ثمَّ يُحَدَّ القاذفُ حَدَّ القَذفِ وقد أقامَ البيِّنةَ على صِدقِ قَولِه، وكذلكَ إنْ جَعلْناهُ يَمينًا فإنها كما دَرأَتْ عنه الحَدَّ مِنْ طَرفِ الزوجةِ دَرأتْ عنه مِنْ طَرفِ المَقذوفِ ولا فرْقَ؛ لأنَّ به حاجةً إلى قَذفِ الزاني لِمَا أفسَدَ عليه مِنْ فِراشِه، وربُّما يَحتاجُ إلى ذِكرْه ليَستدلَّ بشَبهِ الوَلدِ له على صِدقِ قاذفِه كما استَدلَّ النبيُّ ﷺ على صِدقِ هلالٍ بشَبهِ الوَلدِ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فوجَبَ أنْ يُسقطَ حُكمُ قَذفِه ما أسقَطَ حُكمُ قَذفِها، وقد قالَ النبيُّ ﷺ للزوجِ: «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ» ولم يَقلْ: «وإلا حَدَّانِ»، هذا والمَرأةُ لم تُطالِبْ بحَدِّ القَذفِ، فإنَّ المُطالَبةَ شَرطٌ في إقامةِ الحَدِّ لا في وُجوبِه، وهذا جَوابٌ آخَرُ عن قَولِهم: «إنَّ شَريكًا لم يُطالِبْ بالحَدِّ»، فإنَّ المَرأةَ أيضًا لم تُطالِبْ به، وقد قالَ له النبيُّ ﷺ: «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ».
فإنْ قيلَ: فما تَقولونَ لو قَذفَ أجنَبيةً بالزنى برَجلٍ سمَّاهُ فقالَ: «زنَى بكِ فُلانٌ، أو زَنَيتِ بهِ»؟
قيلَ: هاهُنا يَجبُ عليه حَدَّانِ؛ لأنه قاذِفٌ لكُلِّ واحِدٍ منهُما ولم يَأتِ بما يُسقِطُ مُوجَبَ قَذفِه، فوجَبَ عليه حُكمُه؛ إذ ليس هُنا بيِّنةٌ بالنسبةِ إلى أحَدِهما ولا ما يَقومُ مَقامَها (١).
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٣٨٣، ٣٨٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب أين يكون اللعان)
(باب أين يكون اللعان)
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ فَإِذَا لَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فِي مَكَّةَ فَبَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ أَوْ بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ ببيت ففي مسجده وَكَذَا كُلُّ بَلَدٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اللِّعَانُ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِه وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ لِعَانٌ. غَيْرُ هَذَيْنِ - فَتَوَلَّاهُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِمَا وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ عِنْدَنَا - وَشَهَادَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ إِلَّا بِحُكْمٍ، فَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَاللِّعَانُ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ حَتَّى لَا يُقْدِمَ الْمُتَلَاعِنَانِ عَلَى دَعْوَى كَذِبٍ وَارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، فَوَجَبَ تَغْلِيظُهُ بِمَا يَزْجُرُ عَنْهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ، وَتَغْلِيظُهُ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: بِالتَّكْرَارِ، وَبِالْمَكَانِ، وَبِالزَّمَانِ، وَبِالْجَمَاعَةِ.
ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.