الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > الصورة الثالثة: أن يشترط عليه ذلك قبل العقد أن يطلقها، ويتزوجها مطلقا من غير شرط وقت العقد لكنه ينوي ذلك ويعتقده
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةأحَدُهما: أنهُ فاسدٌ؛ لأنهُ غيرُ مؤبَّدٍ، فأشبَهَ قولَهُ: «على أنَّني إذا أحلَلْتُكِ فلا نكاحَ بينَنَا»، فعلى هذا هل يُحِلُّها أم لا؟ على القولَينِ الماضيَينِ: على الجديدِ: لا يُحِلُّها، وعلى القديمِ: يُحِلُّها، وفي العلَّةِ وجهانِ.
والقولُ الثاني: أنهُ نكاحٌ صحيحٌ؛ لأنهُ نكاحٌ قُرِنَ بشرطٍ فاسدٍ، فبطَلَ الشرطُ وثَبَتَ العقدُ، فعلى هذا هوَ بالخيارِ بعدَ إصابَتِها بَينَ أنْ يطلِّقَها أو يُقيمَ معَهَا، وليسَ للشرطِ تأثيرٌ في إجبارِهِ على طلاقِهَا، فإنْ طلَّقَها مختاراً أحلَّها قولاً واحداً لصحَّةِ نكاحِهِ (١).
الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ يشتَرطَ عليه ذلكَ قبلَ العَقدِ أنْ يُطلِّقَها، ويَتزوجَها مُطلَقًا مِنْ غيرِ شَرطٍ وقتَ العَقدِ لكنَّه يَنوِي ذلكَ ويَعتقدُه:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو شرَطَا التحليلَ قبلَ العقدِ وتَواطأَا عليهِ قبلَ العقدِ على أنه إذا أحلَّهَا للأوَّلِ طلَّقَها، ثمَّ عقَدَ مُطلَقًا دونَ أنْ يَذكرَ هذا الشرطُ في صُلبِ العقدِ، لكنَّهُ ينوِي أنْ يُحلِّلَها للأوَّلِ؛ هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ؛ لخلوِّ عقدِهِ مِنْ شرطٍ يفسدُهُ؛ لمَا رواهُ الشافعيُّ رحمة الله عليه قالَ: أَخبَرَنا سعيدٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عن مُجاهدٍ عن عُمرَ مثلَه، أخبَرَنا سُعيدُ بنُ سالمٍ عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: أُخبِرْتُ عنِ ابنِ سِيرينَ أنَّ امرأةً طلَّقَها زَوجُها ثلاثًا، وكانَ
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٣١، ٣٣٢)، ويُنظَر: «النجم الوهاج» (٧/ ١٧٧، ١٧٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٠٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و «الديباج» (٣/ ٢٥١، ٢٥٢) ..
مِسكينٌ أعرابيٌّ يَقعدُ ببابِ المسجدِ، فجاءَتهُ امرأةٌ فقالَتْ لهُ: هلْ لكَ في امرأةٍ تَنكِحُها فتَبِيتُ معَها الليلةَ فتُصبحُ فتُفارِقَها؟ فقالَ: نعمْ، وكانَ ذلكَ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ: إنَّكَ إذا أصبَحْتَ فإنَّهمْ سيَقولونَ لكَ: فارِقْها، فلا تَفعلْ، فإنِّي مُقيمةٌ لكَ ما تَرى، واذهَبْ إلى عُمرَ، فلمَّا أصبَحَتْ أتَوهُ وأتُوها فقالَتْ: كَلِّموه فأنتُم جِئتُم بهِ، فكلَّمُوه فأَبى وانطَلقَ إلى عُمَرَ فقالَ: الْزَمِ امرأتَكَ، فإِنْ رابُوكَ برَيبٍ فائْتِني، وأرسَلَ إلى المرأةِ التي مَشتْ بذلكَ فنكَّلَ بها، ثُمَّ كانَ يَغدو إلى عُمرَ ويَروحُ في حُلَّةٍ فيَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي كَسَاكَ يا ذا الرُّقعتَينِ حُلَّةً تَغدو فيها وتَروحُ»، قالَ الشافعيُّ: وقد سَمعْتُ هذا الحديثَ مُسنَدًا مُتصِلًا عنِ ابنِ سيرينَ يُوصلُه عن عمرَ بمِثلِ هذا المعنَى (١).
وهذا قد تقدَّمَ فيهِ الشرطُ على العقدِ، ولم يرَ بهِ عمرُ بأسًا.
قالَ الشافِعيةُ: ولأنَّ ما تقدَّمَ العقودَ مِنَ الشروطِ لا تَلزمُ، فصارَ وجودِ الشرطِ المتقدِّمِ كعدَمِهِ، غيرَ أنَّنا نكرَهُه؛ لأنَّه نوَى فيهِ ما لو أظهرَهُ أفسدَهُ، ولا يَفسدُ بالنيَّةِ؛ لأنهُ قد ينوِي ما لا يَفعلُ، ويَفعلُ ما لا يَنوي، ولأنَّ عُمرَ نَكَّلَ بالمرأةِ التي مَشتْ فيهِ، فدلَّ على كراهَتِهِ (٢).
(١) «الأم» (٥/ ٨٠، ٨١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٣١، ٣٣٤)، و «بحر المذهب» للروياني (٩/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «البيان» (٩/ ٢٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٧، ١٨٨)، و «المبسوط» (٣٠/ ٢٢٨)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٨١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٥٩)، و «الاختيار» (٣/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٩١)، و «البحر الرائق» (٤/ ٦٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان شرائط الجواز والنفاذ
بَابِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُومُ بِالْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلًا، فَكَانَ كَلَامُهُ عَقْدًا لَا شَطْرًا، فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّوَقُّفِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا شَطْرُ الْعَقْدِ حَقِيقَةً، لَا كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ كُلُّهُ؛ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ، وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّطْرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ الْحَقِيقَةِ؛ لِصُدُورِهِ عَنْ الْوَلَاءِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ، فَيَصِيرُ كَلَامُهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامَيْنِ، وَشَخْصُهُ كَشَخْصَيْنِ حُكْمًا، فَإِذَا انْعَدَمَتْ الْوِلَايَةُ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَعْيِينِ الْحَقِيقَةِ؛ فَلَا يَقِفُ بِخِلَافِ الْخُلْعِ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ يَمِينٌ فَكَانَ عَقْدًا تَامًّا، وَمِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ مُعَاوَضَةً فَلَا يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ كَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ.
وَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولًا وَكَتَبَ إلَيْهَا بِذَلِكَ كِتَابًا فَقَبِلَتْ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ سَمِعَا كَلَامَ الرَّسُولِ وَقِرَاءَةَ الْكِتَابِ جَازَ ذَلِكَ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ كَلَامُ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُرْسِلِ.
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.