الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > المسألة الأولى: إذا زوج كل واحد من الوليين موليته للآخر بدون ذكر الصداق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقالَ: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ نكاحَ الشِّغارِ مَكروهٌ لا يَجوزُ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّهُ -أي: نِكاحُ الشِّغارِ- مَنهيٌّ عنهُ … وأجمَعُوا على أنَّ غيْرَ البَناتِ مِنَ الأخَواتِ وبَناتِ الأخِ والعمَّاتِ وبَناتِ الأعمامِ والإِماءِ كالبَناتِ في هذا، وصُورتُه الواضِحةُ: «زوَّجتُكَ بِنتِي على أنْ تُزوِّجَنِي بِنتَكَ وبُضعُ كلِّ واحدةٍ صداقٌ للأُخرى» فيَقولُ: «قَبِلتُ»، واللهُ أعلَمُ (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في ثلاثِ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: إذا زوَّجَ كُلُّ واحِدٍ مِنْ الوَليَّينِ مُولِّيتَه للآخَرِ بدُونِ ذِكرِ الصَّداقِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجلَ إذا أنكَحَ وليَّتَه رَجلًا آخَرَ على أنْ يُنكِحَه الآخَرُ وليَّتَه ولا صَداقَ بيْنَهما إلَّا بُضعَ هذهِ ببُضعِ الأخرى أنه غَيرُ جائزٍ؛ لثُبوتِ النَّهيِ عنهُ مِنْ النبيِّ ﷺ.
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا إذا وقَعَ هل يَصحُّ بمَهرِ المِثلِ أم لا؟
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ ويُفسخُ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، وللمَدخولِ بها مَهرُ المِثلِ ولا شيءَ لغَيرِ المَدخُولِ بها؛ لِمَا رواهُ الشَّيخانِ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عَنْ عُبيدِ اللهِ قالَ:
(١) «التمهيد» (١٤/ ٧٢)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٦٥)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٠٥، ١٢٠٧).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠١).
حدَّثَني نافعٌ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عنِ الشِّغارِ»، قُلتُ لنافِعٍ: ما الشِّغارُ؟ قالَ: يَنْكِحُ ابنَةَ الرَّجلِ ويُنكِحُه ابنتَهُ بغَيرِ صَداقٍ، ويَنكِحُ أُختَ الرَّجلِ ويُنكِحُه أُختَه بغَيرِ صَداقٍ» (١)، والنَّهيُ يَقتضِي فَسادَ المَنهيِّ عنهُ.
ورَوى مُسلمٌ عنِ ابنِ نُمَيرٍ وأبو أسامَةَ عَنْ عُبيدِ اللهِ عَنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعرَجِ عَنْ أبِي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغارِ»، زادَ ابنُ نُمَيرٍ: «والشِّغارُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْني ابنتَكَ وأُزوِّجُكَ ابنَتِي، أو: زَوِّجْنِي أُختَكَ وأُزوِّجُكَ أُختِي» (٢).
وقد رُويَ عن عمرَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنهما أنَّهما فرَّقَا فيهِ -أي بيْنَ المُتناكِحَينِ؛ لِمَا رَوى ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى عنِ الشِّغَارِ»، ولأنهُ جَعَلَ كلَّ واحدٍ مِنَ العَقدَينِ سَلَفًا في الآخَرِ فلم يَصحَّ، كما لو قالَ: «بِعنِي ثوبَكَ على أنْ أبيعَكَ ثَوبي»، وليسَ فَسادُه مِنْ قِبَلِ التَّسميةِ، بل مِنْ جِهةِ أنهُ وافقَهُ على شَرطٍ فاسدٍ، ولأنهُ شرَطَ تَمليكَ البُضعِ لغَيرِ الزوجِ، فإنهُ جَعلَ تَزويجَهُ إيَّاها مهرًا للأُخرى، فكأنهُ ملَّكَه إياها بشَرطِ انتِزاعِها منهُ، ولأنهُ يَحصلُ في البُضعِ تَشريكٌ، فلَم يَصحَّ العَقدُ مع ذلكَ كمَا لو زوَّجَ ابنتَهُ مِنْ رَجلَينِ (٣).
(١) رواه البخاري (٦٥٥٩)، ومسلم (١٤١٥).
(٢) رواه مسلم (١٤١٦).
(٣) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٥٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٢٠)، و «التمهيد» (١٤/ ٧١، ٧٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤) رقم (١١٧٩)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٨٥)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٨٦)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٧٧)، و «الإشراف» (٥/ ٤٨، ٤٩)، و «البيان» (٩/ ٢٧٣)، و «المغني» (٧/ ١٣٥، ١٣٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «المبدع» (٧/ ٨٣، ٨٤)، و «الإنصاف» (٨/ ١٦٠، ١٦١)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٠١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩) ..
وذهبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ نِكاحَ الشِّغارِ -وهوَ أنْ يُزوِّجَ الرَّجلُ ابنتَه أو أختَه أو أَمَتَهُ عَلى أنْ يُزوِّجَهُ الآخَرُ ابنتَهُ أو أختَهُ أو أمَتَهُ لِيَكونَ أحَدُ العقدَينِ عِوضًا عنِ الآخَرِ- صَحيحٌ ويَجبُ فيهِ مَهرُ المِثلِ؛ لبُطلانِ التَّسميةِ؛ لأنهُ سمَّى ما لا يَصلحُ مَهرًا؛ إذِ المسمَّى ليسَ بمالٍ، فوجَبَ مَهرُ المثلِ، كما إذا تَزوَّجَها عَلى خَمرٍ أو مَيتةٍ.
ولأنَّ النكاحَ لا يَبطلُ بالشُّروطِ الفاسدةِ، وهذا شَرطٌ فيهِ، ألَا تَرى أنهُ لا يَفسدُ بتَسميةِ ما ليسَ بمَالٍ كالدَّمِ ونحوِهِ ولا بتَرْكِ التَّسميةِ بالكُليَّةِ، والنَّهيُ الواردُ فيهِ إنَّما كانَ مِنْ أجْلِ إخلائِهِ عن تَسميةِ المَهرِ واكتفائِهِ بذلكَ مِنْ غَيرِ أنْ يَجبَ فيهِ شَيءٌ آخَرُ مِنَ المالِ على ما كانتْ عليهِ عادتُهم في الجَاهليَّةِ، أو هوَ مَحمولٌ على الكَراهيةِ.
ويُشتَرطُ لِتحقُّقِ مَعنى الشِّغارِ أنْ يَجعلَ بُضعَ كلٍّ مِنهُما صَداقًا للأُخرى معَ القَبولِ مِنَ الآخَرِ، فإنْ لم يَقلْ ذلكَ ولا معناهُ بل قالَ: «زوَّجْتُكَ بِنتِي على أنْ تُزوِّجَنِي بِنتَكَ» فقَبِلَ الآخَرُ، أو قالَ: «على أنْ يَكونَ بُضعُ بِنتِي صَداقًا لِبنتِكَ» فلَم يَقبلِ الآخَرُ بل زوَّجَه بِنتهُ ولَم يَجعَلْها صَداقًا لم يَكنْ
شِغارًا وإنَّما نِكاحًا صَحيحًا باتِّفاقٍ وإنْ وجَبَ مَهرُ المِثلِ في الكلِّ لمَّا أنهُ سمَّى ما لا يَصلحُ صَداقًا (١).
قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ رحمة الله عليه: لا يكونُ الصَّداقُ نكاحَ امرَأةٍ، فإذا تَزوَّجَها على أنْ يَكونَ صَداقُها أنْ يزوِّجَه ابنتَهُ فالنِّكاحُ جائزٌ ولها صَداقُ مِثلِها مِنْ نِسائِها ولا وَكْسَ ولا شطَطَ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ والعامَّةِ مِنْ فُقهائِنا (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأمَّا نِكاحُ الشِّغارِ فإنَّهم اتَّفقُوا على أنَّ صِفتَهُ هوَ أنْ يُنكِحَ الرَّجلُ وليَّتَه رَجلًا آخَرَ على أنْ يُنكِحَهُ الآخَرُ وليَّتَه ولا صَداقَ بيْنَهما إلَّا بُضعَ هذهِ ببُضعِ الأُخرى، واتَّفقُوا على أنه نكاحٌ غيرُ جائزٍ؛ لثُبوتِ النَّهيِ عنهُ.
واختَلفُوا إذا وَقعَ هل يُصحَّحُ بمَهرِ المِثلِ أم لا؟
فقالَ مالكٌ: لا يُصحَّحُ ويُفسَخُ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعْدَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ، إلَّا أنه قالَ: إنْ سمَّى لإحداهُما صَداقًا أو لهُمَا مَعًا فالنِّكاحُ ثابتٌ بمَهرِ المِثلِ والمَهرُ الَّذي سَمَّياهُ فاسدٌ.
(١) «شرح مختصر الطحاوي» (٤/ ٣٦٢، ٣٦٤)، و «المبسوط» (٥/ ١٠٥)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٨)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٦٧)، و «البناية» (٥/ ١٥٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٠٦).
(٢) «موطأ مالك» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٤٤٤).
وقالَ أبو حَنيفةَ: نكاحُ الشِّغارِ يَصحُّ بفرْضِ صَداقِ المثلِ …
وسَببُ اختِلافِهم: هلِ النَّهيُ المُعلَّقُ بذلكَ مُعلَّلٌ بعَدمِ العوضِ أو غَيرُ مُعلَّلٍ؟ فإنْ قُلنا: «غَيرُ مُعلَّلٍ» لَزمَ الفَسخُ على الإطلاقِ، وإنْ قُلنا: «العلَّةُ عَدمُ الصَّداقِ» صحَّ بفَرْضِ صَداقِ المِثلِ، مِثلَ العقدِ على خَمرٍ أو على خِنزيرٍ، وقد أجمَعُوا على أنَّ النِّكاحَ المُنعقِدَ على الخَمرِ والخِنزيرِ لا يُفسَخُ إذا فاتَ بالدُّخولِ ويكونُ فيهِ مَهرُ المِثلِ، وكأنَّ مالِكًا رضي الله عنه رأى أنَّ الصَّداقَ وإنْ لم يكنْ مِنْ شَرطِ صحَّةِ العَقدِ ففسادُ العَقدِ هَهُنا مِنْ قِبَلِ فسادِ الصَّداقِ مَخصوصٌ؛ لتَعلُّقِ النَّهيِ بهِ، أو رأى أنَّ النَّهيَ إنَّما يَتعلقُ بنَفسِ تَعيينِ العَقدِ، والنَّهيُ يدلُّ على فسادِ المَنهيِّ (١).
وإذا قالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ» واقتَصرَ على هذا فالنِّكاحُ صَحيحٌ عِنْدَ الحنفيَّةِ والشَّافعيةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنهُ لم يَحصلْ بهِ التَّشريكُ، وإنَّما حَصلَ الفسادُ في الصَّداقِ، وهوَ أنهُ جَعلَ مَهرَ ابنتِهِ أنْ يُزوِّجَه الآخرُ ابنتَهُ، ففَسدَ المُسمَّى ووَجبَ مَهرُ المِثلِ.
وذهَبَ المالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهَبِ والشافعيةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا يَصحُّ؛ لأنَّهما لم يُسمِّيَا صَداقًا صَحيحًا، ولكنْ جَعَلَ كلُّ واحدٍ مِنهُما عقْدَ نِكاحِ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما صَداقًا للأُخرى؛ لأنهُ أَخرجَ ذلكَ مَخرجَ الصَّداقِ (٢).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٣).
(٢) «التجريد الضروري» (٩/ ٤٥٧٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٦٧)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٨٥)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٨٦)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٧٧)، و «البيان» (٩/ ٢٧٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٤، ٥٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٩، ٢٤١)، و «الديباج» (٣/ ١٨٦، ١٨٧)، و «المغني» (٧/ ١٣٥، ١٣٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «المبدع» (٧/ ٨٣، ٨٤)، و «الإنصاف» (٨/ ١٦٠، ١٦١)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٠١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩)، و «الإفصاح» (٢/ ١٤٧، ١٤٨).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]
عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.
(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ
ــ
منح الجليل
لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ
(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.