الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > المسألة الثانية: إذا زوج كل واحد من الوليين وليته للآخر وذكر الصداق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالمَسألةُ الثانِيةُ: إذا زوَّجَ كُلُّ واحِدٍ مِنْ الوَليَّينِ وَليَّتَه للآخَرِ وذكَرَ الصَّداقَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو زوَّجَ كلُّ واحدٍ مِنَ الوليَّينِ مُوليَّتَه للآخَرِ وذُكِرَ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ، سَواءٌ كانَ مُماثِلًا لصَداقِ الأُخرى أو مُخالِفًا ك: «زوِّجْنِي أختَكَ بمِائةٍ على أنْ أزوِّجَكَ أختِي بمائةٍ، أو بخَمسِينَ» هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ النكاحَ فاسِدٌ غَيرُ صَحيحٍ.
قالَ المالِكيةُ: نِكاحُ الشِّغارِ على وَجهَينِ: صَريحُ الشِّغارِ ووجهُ الشِّغارِ، فصَريحُ الشِّغارِ: هوَ أنْ لا يُذكَرَ فيهِ صَداقٌ ك: «زوِّجْنِي ابنتَكَ على أنْ أزوِّجَكَ ابنتِي»، فيَكونُ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ بُضعَ الأُخرى، ويُفسَخُ أبدًا وإنْ دخَلَ وطالَ ووَلدَتِ الأولادَ.
ووَجهُ الشِّغارِ: أن يُذكَرَ فيهِ صَداقُ كلِّ واحِدةٍ، سواءُ كانَ مُماثِلًا لصَداقِ الأُخرى أو مُخالِفًا، ك: «زوِّجْنِي أختَكَ بمائةٍ على أنْ أزوِّجَكَ
أختِي بمائةٍ، أو بخَمسِينَ»، ويُفسَخُ قبْلَ البِناءِ ويَثبتُ بعْدَهُ بصَداقِ المِثلِ، إلَّا أنْ يَكونَ صداقُ مِثلِها أقلَّ ممَّا سُمِّي فلا تنقصُ عنِ المسمَّى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هَلْ لها المُسمَّى أم مَهرُ المِثلِ؟
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «زوَّجْتَكَ أُختِي بمائةٍ على أنْ تزوِّجَنِي أختَكَ بمِائةٍ» صحَّ النِّكاحانِ وبَطلَتِ التَّسميةُ، ولِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما مَهرُ مِثلِها. هَكذا ذكَرَ القدوُريُّ في تجريدِهِ (٢).
لكنْ قالَ السَّرخسيُّ وابنُ نُجيمٍ -رحمهما الله-: إذا زوَّجَ ابنتَهُ مِنْ رَجلٍ على مَهرٍ مُسمًّى على أنْ يزوِّجَهُ الآخَرُ ابنتَهُ على مَهرٍ مُسمًّى فإنْ زوَّجَه فلِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما ما سَمَّى لها مِنْ المَهرِ، وإنْ لم يزوِّجْهُ الآخَرُ كانَ للمُزوَّجةِ تمامُ مَهرِ مثلِها؛ لأنَّ رِضاها بدُونِ مَهرِ المِثلِ باعتِبارِ مَنفعةٍ مَشروطةٍ لأبيها، ومَنفعةُ أبيها كمَنفعتِها، ولو شرَطَ لها معَ المُسمَّى مَنفعةً كانَ لها مَهرُ مِثلِها، كذا هُنا (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تزوِّجَنِي ابنتَكَ ويكونُ مهرُ كلِّ واحدةٍ منهُما كذا وكذا» .. فيَصحُّ النِّكاحانِ ويَبطلُ المَهرانِ
(١) «المدونة» (٤/ ١٥٢)، و «التمهيد» (١٤/ ٧١، ٧٢)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٨٥)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٧٧)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٨٦).
(٢) «التجريد الضروري» (٩/ ٤٥٧٠).
(٣) «المبسوط» (٥/ ١٠٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٦٧).
المُسمَّيانِ ويَجبُ لهُما مَهرُ المِثلِ، سواءٌ اتَّفقَ المَهرانِ أوِ اختَلفَا؛ لأنه لم يَحصلْ في البُضعَينِ تَشريكٌ، وإنَّما حصَلَ الفَسادُ في المَهرِ؛ لأنه شرَطَ معَ المَهرِ المُسمَّى أنْ يُزوِّجَهُ ابنتَهُ، فهوَ كما لو قالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي بمِائةٍ على أنْ تَبيعَنِي دارَكَ» .. فإنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ والمُهرَ باطلٌ.
وإنْ قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تزوِّجَنِي ابنتَكَ ويَكونُ بُضعُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما ومِائةُ دِرهمٍ صَداقًا للأُخرى» .. ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ النِّكاحَينِ صَحيحانِ ويَجبُ لهُمَا مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ الشِّغارَ هوَ الخالي عنِ المَهرِ، وهاهُنا لمُ يَخلُ عنِ المَهرِ.
والثَّاني -وهوَ الصَّحيحُ-: أنَّ النِّكاحَينِ باطِلانِ؛ لأنَّ التَّشريكَ في البُضعِ مَوجودٌ معَ تَسميةِ المَهرِ، والمُفسِدُ هوَ التَّشريكُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا سَمَّوا لِكلِّ واحِدةٍ مِنهُما صَداقًا فَقالَ: «زوَّجْتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ ومَهرُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما مِائةٌ، أو مَهرُ ابنتِي مِائةٌ ومَهرُ ابنَتِكَ خَمسُونَ، أو أقَلُّ، أو أكثَرُ» صَحَّ العَقدُ عَليها بالمُسمَّى على الصَّحيحِ؛ لِمَا تَقدَّمَ مِنْ حديثِ ابنِ عُمرَ، ولأنه قد سمَّى صَداقًا فصَحَّ كمَا لو لم يَشتَرِطْ ذلكَ.
ومَحلُّ الصِّحةِ أيضًا إنْ كانَ غيرَ قَليلٍ حِيلةً، سَواءٌ كانَ مَهرَ المِثلِ أو أقلَّ، فإنْ كانَ قَليلًا حِيلةً لم يَصحَّ، و إنْ كانَ كَثيرًا صحَّ ولو حِيلةً.
(١) «البيان» (٩/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٤، ٥٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٩، ٢٤١)، و «الديباج» (٣/ ١٨٦، ١٨٧).
وقَال الخرقِيُّ رحمة الله عليه: لا يَصحُّ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ، ولِمَا روَى أبو داودَ عنِ الأعرجِ «أنَّ العبَّاسَ بنَ عُبيدِ اللهِ بنِ العبَّاسِ أنكَحَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الحَكَمِ ابنتَهُ وأنكَحَهُ عَبدُ الرَّحمنِ ابنتَه وكانَا جعَلَا صَداقًا، فكتَبَ مُعاوِيةُ إلى مَروانَ فأمَرَه أنْ يُفرِّقَ بيْنَهما، وقالَ في كِتابهِ: هذا الشِّغارُ الَّذي نهَى عَنهُ رَسولُ اللهِ ﷺ». ولأنهُ شرَطَ نِكاحَ إحداهُما لنِكاحِ الأُخرَى، فلمْ يَصحَّ كما لَو لم يُسَمِّيا صَداقًا.
يُحقِّقُه أنَّ عدَمَ التَّسميةِ ليسَ بمُفسِدٍ للعَقدِ، بدَليلِ نِكاحِ المُفوِّضةِ، فدلَّ على أنَّ المُفسِدَ هوَ الشَّرطُ وقد وُجِدَ، ولأنه سَلفٌ في عَقدٍ، فلم يَصحَّ كما لو قالَ: «بِعتُكَ ثَوبِي بعَشرةٍ على أنْ تَبيعَنِي ثوبَكَ بعِشرينَ»، وهذا الاختِلافُ فيما إذا لم يُصرِّحْ بالتَّشريكِ، فأمَّا إذا قالَ: «زوَّجتُكَ ابنَتِي على أنْ تُزوِّجَنِي ابنتَكَ ومَهرُ كلِّ واحِدةٍ مِنهُما مِائةٌ وبُضعُ الأُخرَى» فالنِّكاحُ فاسدٌ؛ لأنه صرَّحَ بالتَّشريكِ، فلمْ يَصحَّ العقدُ كما لو لم يَذكرْ مُسمًّى.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَتى قُلنا بصحَّةِ العَقدِ إذا سَمَّيا صَداقًا فَفيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: تَفسدُ التَّسميةُ ويَجبُ مَهرُ المِثلِ، وهذا قَولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما لم يَرضَ بالمُسمَّى إلَّا بشَرطِ أنْ يزوِّجَ وليُّهُ صاحبَه، فيَنقُصَ المَهرُ لهذا الشَّرطِ، وهوَ باطِلٌ، فإذا احتَجْنَا إلى ضَمانِ النَّقصِ صارَ المُسمَّى مَجهولًا فبطَلَ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام تنازع الزوجين]
(فَصْلٌ)
إذَا تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّة، ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ بِالسَّمَاعِ بِالدُّفِّ وَالدُّخَانِ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام تَنَازَعَ الزَّوْجَيْنِ
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.