الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > ثانيا: نكاح المتعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 76 دقيقة قراءةثانيًا: نِكاحُ المُتعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا يَصحُّ تَوقيتُ النِّكاحِ بمدَّةٍ؛ لأنَّ هذا هو نكاحُ المُتعةِ المَنهيُّ عنهُ، فقد ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ مِنْ طريقِ عَددٍ مِنَ الصَّحابةِ «أنه ﷺ نهَى عن نِكاحِ المُتعةِ».
فعَن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنه قالَ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عنِ المُتعةِ وعَن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ زمَنَ خَيبَرَ» (١).
وعنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أبيهِ «أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكاحِ المُتعةِ» (٢).
وفي لَفظٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى يومَ الفَتحِ عَنْ مُتعةِ النِّساءِ» (٣).
وفي لَفظٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الرَّبيعِ بن سَبْرَةَ الجُهنيِّ عن أبِيهِ أنه أخبَرَهُ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عنِ المُتعةِ زَمانَ الفَتحِ مُتعَةِ النِّساءِ، وأنَّ أباهُ كانَ تَمتَّعَ ببُردَينِ أحمَرَينِ» (٤).
وعنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عَنْ أبيهِ قالَ: خَرَجْنا معَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ المَدينةِ فِي حَجَّةِ الوَداعِ، حتَّى إذا كُنَّا بعُسْفانَ قالَ رَسولُ اللَّهِ
(١) رواه البخاري (٤٨٢٥)، ومسلم (١٤٠٧).
(٢) رواه مسلم (١٤٠٦).
(٣) رواه مسلم (١٤٠٦).
(٤) رواه مسلم (١٤٠٦).
ﷺ: «إنَّ العُمرةَ قدْ دَخلَتْ في الحَجِّ»، فقالَ لهُ سُراقةُ بنُ مالِكٍ أو مالِكُ بنُ سُراقةَ -شَكَّ عَبدُ العَزيزِ أحَدُ الرُّواةِ-: أيْ رَسولَ اللَّهِ عَلِّمْنا تَعليمَ قَومٍ كأنَّما وُلِدُوا اليَومَ، عُمْرَتُنا هَذهِ لعامِنا هذا أم لأَبَدِ؟ قالَ: «بل لأَبَدِ»، فلمَّا قَدِمْنا مكَّةَ طُفْنا بالبَيتِ وبَيْنَ الصَّفا والمَروةِ، ثُمَّ أمَرَنا بمُتعَةِ النِّساءِ، فرَجَعْنا إليهِ فقُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ إنهنَّ قد أَبَيْنَ إلَّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى، قالَ: «فافعَلُوا»، قالَ: فخَرَجتُ أنا وصاحِبٌ لي عَليَّ بُرْدٌ وعليهِ بُرْدٌ، فدَخَلْنا على امرَأةٍ فعَرَضْنا عليها أنفُسَنا، فجعَلَتْ تَنظُرُ إلى بُردِ صاحِبِي فتَراهُ أَجْوَدَ مِنْ بُرْدِي، وتَنظرُ إليَّ فتَرانِي أَشَبَّ منه، فقالَتْ: بُرْدٌ مَكانَ بُرْدٍ، واختَارَتْني، فتَزوَّجتُها عَشرًا ببُرْدِي، فَبِتُّ مَعها تلكَ اللَّيلةَ، فلمَّا أَصبَحْتُ غَدَوْتُ إلى المَسجدِ فسَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وهُو على المِنبَرِ يَخطُبُ يَقولُ: «مَنْ كانَ مِنْكُمْ تَزوَّجَ امرَأةً إلى أجَلٍ فلْيُعْطِها ما سَمَّى لها ولا يَستَرجِعْ ممَّا أعطاها شَيئًا ولْيُفارِقْها، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قدْ حَرَّمَها عَليكُم إلى يَومِ القِيامَةِ» (١)، وما حُرِّمَ إلى يَومِ القِيامةِ فقدْ أمِنَّا نسْخَه.
فهذهِ الأحادِيثُ قد ورَدَ في بَعضِها أنها حُرِّمَتْ يَومَ خيبَرَ، وفي بعْضِها أنها حُرِّمتْ يَومَ الفَتحِ، وفي بعضِها في حجَّةِ الوَداعِ، فإنَّ هذهِ كانَتْ عادَتَه ﷺ، تَكريرُ مِثلِ هذا في مَغازِيهِ وفي المَواضِعِ الجامِعةِ، فذكَرَها في حجَّةِ الوَداعِ؛ لاجتِماعِ النَّاسِ حتَّى يَسمعَه مَنْ لم يَكنْ سَمعَه، فأكَّدَ ذلكَ حتَّى لا تبقَى شُبهةٌ لأحَدٍ يدِّعِي تَحليلَها، ولأنَّ أهلَ مَكةَ كانُوا يَستعمِلونَها كَثيرًا.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٥٣٨١).
وأمَّا الجَوابُ أنَّ بيْنَ كُلِّ حَديثٍ مِنْ هذهِ الأحادِيثِ وَقتٌ وزَمانٌ مُمتدٌّ ففيهِ جَوابانِ:
أحَدُهما: أنه تَحريمٌ كررَّهُ في مَواضِعَ؛ ليَكونَ أظهَرَ وأنشَرَ حتَّى يَعلمَه مَنْ لم يَكنْ قد عَلِمَه، ولأنه قد يَحضرُ في بعضِ المَواضعِ مَنْ لم يَحضُرْ مَعه في غَيرِه، فكانَ ذلكَ أبلَغَ في التَّحريمِ وأوكَدَ، فأكَّدَ ذلكَ حتَّى لا تبقَى شُبهةٌ لأحَدٍ يَدَّعي تَحليلَها.
والجَوابُ الثاني: أنها كانَتْ حَلالًا فحُرِّمَتْ عامَ خيبَرَ، ثمَّ أَباحَها بعْدَ ذلكَ لمَصلحةٍ عَلِمَها، ثمَّ حرَّمَها في حجَّةِ الوَداعِ، ولذلكَ قالَ فيها: «وهيَ حَرامٌ إلى يَومِ القِيامةِ» تَنبيهًا على أنَّ ما كانَ مِنْ التَّحريمِ المُتقدِّمِ مُوقَّتٌ تَعقَّبتْه إباحةٌ، وهذا تَحريمٌ مؤبَّدٌ لا تَتعقَّبُه إباحةٌ (١).
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٣٠)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٢٦)، و «التمهيد» (١٠/ ٩٩)، وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ في «زادِ المَعادِ»: ومِمَّا وقعَ في هذهِ الغَزوةِ إباحةُ مُتعةِ النِّساءِ، ثمَّ حرَّمَها قبْلَ خُروجِه مِنْ مكَّةَ، واختُلفَ في الوقتِ الَّذي حُرِّمتْ فيه المُتعةُ عَلى أربعَةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّه يومَ خيبَرَ، وهَذا قولُ طائفةٍ مِنْ العلماءِ، مِنهم الشافعيُّ وغيرُه.
والثَّاني: أنه عامَ فتحِ مكَّةَ، وهذا قولُ ابنِ عُيينةَ وطائفةٍ.
والثالثُ: أنه عامَ حُنينٍ، وهذا في الحَقيقةِ هوَ القولُ الثَّاني؛ لاتصالِ غَزاةِ حُنينٍ بالفتحِ.
والرابعُ: أنه عامَ حجَّةِ الوَداعِ، وهوَ وهمٌ مِنْ بعضِ الرُّواةِ، سافرَ فيهِ وهمُه مِنْ فتحِ مكَّةَ إلى حجَّةِ الوداعِ، كما سافرَ وهمُ مُعاويةَ مِنْ عُمرةِ الجِعرَّانةِ إلى حجَّةِ الوَداعِ حيثُ قالَ: قصَّرتُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ بمِشقَصٍ على المَروةِ في حجَّتِه، وقد تقدَّمَ في الحجِّ، وسفرُ الوهمِ مِنْ زمانٍ إلى زمانٍ ومِن مكانٍ إلى مكانٍ ومِن واقعةٍ إلى واقعةٍ كثيرًا ما يَعرِضُ للحفَّاظِ فمَن دُونَهم. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والصَّحيحُ أنَّ المتعةَ إنَّما حرِّمتْ عامَ الفتحِ؛ لأنه قد ثبَتَ في «صَحيح مُسلمٍ» أنهم استَمتعُوا عامَ الفتحِ مع النبيِّ ﷺ بإذنِه، ولو كانَ التَّحريمُ زمنَ خيبَرَ لزمَ النَّسخُ مرَّتينِ، وهذا لا عهدَ بمِثلهِ في الشَّريعةِ البتَّةَ، ولا يقعُ مثلُه فيها، وأيضًا: فإنَّ خيبَرَ لم يكنْ فيها مُسلماتٌ، وإنَّما كنَّ يهودياتٍ، وإباحةُ نساءِ أهلِ الكتابِ لم تكنْ ثبتَتْ بعدُ، إنَّما أُبِحْنَ بعدَ ذلكَ في سُورةِ المائدةِ بقَوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا مُتصِلٌ بقولِه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وبقولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا كانَ في آخِرَ الأمرِ بعدَ حجَّةِ الوداعِ أو فيها، فلم تكنْ إباحةُ نساءِ أهلِ الكتابِ ثابتةً زمنَ خيبَرَ، ولا كانَ للمُسلمينَ رغبةٌ في الاستِمتاعِ بنساءِ عدوِّهم قبلَ الفتحِ، وبعدَ الفتحِ استُرقَّ مَنْ استُرقَّ منهنَّ وصِرْنَ إماءً للمسلمينَ.
فإنْ قيلَ: فما تَصنعونَ بما ثبتَ في الصَّحيحَينِ مِنْ حديثِ عليِّ ابنِ أبي طالبٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى عَنْ متعةِ النِّساءِ يومَ خيبَرَ وعَن أكلِ لُحومِ الحُمُرِ الإنسيَّةِ»، وهذا صَحيحٌ صريحٌ؟
قيلَ: هذا الحديثُ قد صحَّتْ روايتُه بلفظَينِ: هذا أحَدُهما، والثَّاني: الاقتصارُ على نهيِ النبيِّ ﷺ عن نكاحِ المتعةِ وعن لحومِ الحُمُرِ الأهليةِ يومَ خيبَرَ، هذهِ روايةُ ابنِ عُيينةَ عن الزُّهريِّ، قالَ قاسمُ بنُ أصبغَ: قالَ سُفيانُ بنُ عُيينةَ: يعني أنه نهَى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ زمنَ خيبَرَ لا عَنْ نكاحِ المُتعةِ، ذكَرَه أبو عُمرَ في «التمهيد» ثمَّ قالَ: على هذا أكثرُ الناسِ. انتهى، فتوهَّمَ بعضُ الرُّواةِ أنَّ يومَ خيبَرَ ظرفٌ لتَحريمِهنَّ فرَواهُ: «حرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ المتعةَ زمنَ خيبَرَ والحُمُرَ الأهليةَ»، واقتَصرَ بعضُهم على رِوايةِ بعضِ الحَديثِ فقالَ: «حرَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ المُتعةَ زمنَ خيبَرَ»، فجاءَ بالغلطِ البيِّنِ. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ قيلَ: فأيُّ فائدةٍ في الجمعِ بينَ التَّحريمَينِ إذا لم يكونَا قد وقعَا في وقتٍ واحدٍ؟ وأينَ المُتعةُ مِنْ تَحريمِ الحُمُرِ؟
قيلَ: هذا الحديثُ رواهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه مُحتَجًّا بهِ على ابنِ عمِّه عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ في المَسألتَينِ، فإنه كانَ يُبيحُ المتعةَ ولحومَ الحُمُرِ، فناظَرَه عليُّ بنُ أبي طالبٍ في المَسألتَينِ ورَوى لهُ التَّحريمَينِ، وقيَّدَ تحريمَ الحُمُرِ بزمنِ خيبَرَ، وأطلَقَ تَحريمَ المتعةِ، وقالَ: «إنَّكَ امرؤٌ تائهٌ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ المتعَة وحرَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ يومَ خيبَرَ»، كما قالَه سُفيانُ بنُ عُيينةَ، وعليهِ أكثرُ النَّاسِ، فرَوى الأمرَينِ مُحتجًّا عليهِ بهمَا لا مُقيِّدًا لهُما بيومِ خيبَرَ، واللهُ المُوفِّقُ.
ولكنْ هاهُنا نظرٌ آخَرُ، وهوَ أنه هل حرَّمَها تحريمَ الفواحِشِ الَّتي لا تُباحُ بحالٍ؟ أو حرَّمَها عندَ الاستِغناءِ عَنها وأباحَها للمُضطرِّ؟ هذا هو الذي نظرَ فيهِ ابنُ عبَّاسٍ وقالَ: «أنا أبحْتُها للمضطرِّ كالميتةِ والدَّمِ»، فلمَّا توسَّعَ فيها مَنْ توسَّعَ ولم يَقفْ عندَ الضَّرورةِ أمسَكَ ابنُ عبَّاسٍ عنِ الإفتاءِ بحِلِّها ورجَعَ عنه، وقدْ كانَ ابنُ مَسعودٍ يَرى إباحتَها ويَقرأُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ففي الصَّحيحَينِ عنه قالَ: «كنَّا نَغزُو معَ رسولِ اللهِ ﷺ وليسَ لنا نِساءٌ فقُلنَا: ألَا نَختَصِي؟ فنَهانا، ثمَّ رخَّصَ لنا أنْ ننكِحَ المرأةَ بالثَّوبِ إلى أجَلٍ، ثمَّ قرأَ عبدُ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]، وقِراءةُ عبدِ اللهِ هذهِ الآيةَ عَقيبَ هذا الحَديثِ يَحتملُ أمرَينِ:
أحَدُهما: الرَّدُّ على مَنْ يُحرِّمُها، وأنها لو لَم تكنْ مِنْ الطيِّباتِ لَمَا أباحَها رسولُ اللهِ ﷺ.
والثَّاني: أنْ يكونَ أرادَ آخِرَ هذهِ الآيةِ، وهوَ الرَّدُّ على مَنْ أباحَها مُطلَقًا، وأنه مُعتَدٍ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ إنَّما رخَّصَ فيها للضَّرورةِ وعندَ الحاجَةِ في الغَزوِ وعِندَ عدمِ النِّساءِ وشدَّةِ الحاجةِ إلى المَرأةِ، فمَن رخَّصَ فيها في الحضَرِ معَ كثرةِ النساءِ وإمكانِ النكاحِ المُعتادِ فقَدِ اعتَدَى، واللهُ لا يحبُّ المُعتدِينَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) فإنْ قيلَ: فكيفَ تصنَعونَ بما رَوى مُسلمٌ في «صحيحه» مِنْ حديثِ جابرٍ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ قَالا: «خرَجَ عَلينا مُنادِي رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ أذِنَ لكُم أنْ تَستمتِعوا، يعنِي مُتعةَ النِّساءِ»؟
قيلَ: هذا كانَ زمنَ الفتحِ قبلَ التَّحريمِ، ثمَّ حرَّمَها بعدَ ذلكَ، بدليلِ ما رواهُ مُسلمٌ في «صحيحه» عن سلَمةَ بنِ الأكوعِ قالَ: «رخَّصَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ عامَ أوطاسٍ في المُتعةِ ثلاثًا، ثمَّ نهَى عنها»، وعامُ أوطاسٍ هوَ عامُ الفتحِ؛ لأنَّ غَزاةَ أوطاسٍ مُتصِلةٌ بفتحِ مكَّةَ.
فإنْ قيلَ: فما تَصنعونَ بما رَواهُ مسلمٌ في «صحيحه» عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: «كنَّا نَستمتعُ بالقَبضةِ مِنْ التَّمرِ والدَّقيقِ الأيَّامَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ، حتَّى نهَى عنها عُمَرُ في شأنِ عَمرِو بنِ حُريثٍ»، وفيمَا ثبتَ عَنْ عمرَ أنه قالَ: «مُتعتانِ كانتَا على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنا أنهَى عَنهُما، مُتعةُ النِّساءِ ومُتعةُ الحجِّ»؟
قيلَ: الناسُ في هذا طائِفتانِ: طائفةٌ تقولُ إنَّ عُمرَ هوَ الَّذي حرَّمَها ونهَى عنها، وقد أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ باتِّباعِ ما سنَّهُ الخُلفاءُ الرَّاشدونَ، ولم تَرَ هذهِ الطائفةُ تَصحيحَ حَديثِ سَبْرَةَ بنِ معبدٍ في تَحريمِ المتعةِ عامَ الفتحِ، فإنه مِنْ رِوايةِ عبدِ الملكِ بنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّه، وقدْ تكلَّمَ فيهِ ابنُ مَعينٍ، ولم يَرَ البُخاريُّ إخراجَ حَديثِه في «صحيحه» معَ شدَّةِ الحاجَةِ إليهِ وكونِه أصلًا مِنْ أصولِ الإسلامِ، ولو صحَّ عِندَه لم يَصبِرْ عن إخراجِه والاحتِجاجِ بهِ، قالُوا: ولو صحَّ حديثُ سَبْرةَ لم يَخْفَ على ابنِ مَسعودٍ حتَّى يَرويَ أنهم فَعلُوها ويَحتجَّ بالآيةِ، وأيضًا: ولو صَحَّ لم يَقلْ عمرُ: «إنها كانَتْ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأنَا أنَهى عَنها وأعاقِبُ عَليها»، بل كانَ يقولُ: إنه ﷺ حرَّمَها ونهَى عنها، قالُوا: ولو صَحَّ لم تُفعلْ على عهدِ الصِّديقِ، وهو عهدُ خِلافةِ النُّبوةِ حقًّا.
والطائفةُ الثانيةُ رأتْ صحَّةَ حديثِ سَبرةَ، ولو لم يَصحَّ فقَدْ صحَّ حديثُ عليٍّ رضي الله عنه «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ متعةَ النِّساءِ»، فوجَبَ حملُ حديثِ جابرٍ على أنَّ =
والمَقصودُ بنِكاحِ المُتعةِ: هوَ كلُّ نِكاحٍ كانَ إلى أَجَلٍ مِنَ الآجالِ، سواءٌ قَرُبَ الأجلُ أم بَعُدَ، وسُمِّيَ بالمُتعَةِ؛ لأنَّ الغرَضَ منهُ مجرَّدُ التمتُّعِ دونَ التَّوالُدِ وسائرِ أغراضِ النِّكاحِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: أخبَرَنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ عنِ الزُّهريِّ عنِ الرَّبيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أبيهِ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عَنْ نِكاحِ المُتعَةِ».
(قالَ الشافِعيُّ): وجِماعُ نِكاحِ المُتعةِ المَنهيِّ عنهُ: كلُّ نِكاحٍ كانَ إلى أجَلَ مِنَ الآجالِ قَرُبَ أو بَعُدَ، وذلكَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ للمَرأةِ: «نكَحْتُكِ يَومًا، أو عَشرًا، أو شَهرًا، أو نكَحْتُكِ حتى أَخرجَ مِنْ هذا البلَدِ، أو نكَحْتُكِ حتَّى أُصيبَكِ فتَحلِّينَ لزَوجٍ فارَقَكِ ثَلاثًا» أو مَا أشبَهَ هذا ممَّا لا يَكونُ فيهِ النكاحُ مُطلَقًا لازِمًا على الأبَدِ أو يُحْدِثُ لها فُرقةً، ونِكاحُ المُحلِّلِ الذي يُروَى أنَّ رَسولَه ﷺ لعَنَه عِندَنا -واللهُ تَعالى أعلَمُ- ضَربٌ مِنْ نِكاحِ المُتعةِ؛ لأنه غيرُ مُطلَقٍ إذا شرَطَ أنْ ينكِحَها حتَّى تكونَ الإصَابةُ فقدْ يَستأخِرُ ذلكَ أو يَتقدَّمُ، وأصلُ ذلك أنه عقَدَ عليها النِّكاحَ إلى أنْ يُصيبَها، فإذا أصَابها فلا نِكاحَ لهُ عليها، مِثلُ: «أَنكِحُكِ عَشرًا»، ففِي عَقدِ «أَنكِحُكِ عَشرًا أنْ لا نكاحَ بيني وبينكِ بعدَ عشرٍ» كما في عَقدِ «أَنكِحُكِ لأحلِّلَكِ أنِّي إذا أَصبتُكِ فلا نكاحَ بَيني وبينَكِ بعْدَ أنْ أصبتُكِ»، كما يُقالُ: «أَتَكارَى منكَ
=الذي أخبَرَ عنها بفِعلِها لم يَبلُغْه التَّحريمُ، ولم يكنْ قدِ اشتَهرَ حتَّى كانَ زمنُ عمرَ رضي الله عنه، فلمَّا وقعَ فيها النِّزاعُ ظهَرَ تَحريمُها واشتَهرَ، وبهذا تأْتَلِفُ الأحاديثُ الواردَةُ فيهَا، وباللهِ التَّوفيقُ. «زادُ المَعادِ» (٣/ ٤٥٩، ٤٦٤).
هذا المنزِلَ عَشرًا، أو أستأجِرُ هذا العبدَ شَهرًا»، وفي عَقْدِ شَهرٍ أنه إذا مَضى فلا كِراءَ ولا إجارةَ لي عليكَ، وكما يُقالُ: «أَتكارَى هذا المنزِلَ مُقامِي في البلدِ»، وفي هذا العقدِ أنه إذا خرَجَ مِنْ هذا البَلدِ فلا كِراءَ لهُ، وهذا يَفسدُ في الكراءِ، فإذا عقَدَ النكاحَ على واحدٍ ممَّا وَصفْتُ فهوَ داخلٌ في نِكاحِ المُتعةِ، وكذلكَ كلُّ نِكاحٍ إلى وَقتٍ مَعلومٍ أو مَجهولٍ فالنكاحُ مَفسوخٌ لا مِيراثَ بيْنَ الزَّوجَينِ، وليسَ بيْنَ الزَّوجَينِ شَيءٌ مِنْ أحكامِ الأزواجِ طلاقٍ ولا ظِهارٍ ولا إيلاءٍ، ولا لعانٍ إلَّا بولَدٍ، وإنْ كانَ لم يُصبْها فلا مهرَ لها، وإنْ كانَ أصابَها فلها مَهرُ مِثلِها لا ما سَمَّى لها، وعليها العدَّةُ ولا نَفقةَ لها في العدَّةِ وإنْ كانَتْ حامِلًا، وإنْ نَكَحَها بعْدَ هذا نِكاحًا صَحيحًا فهيَ عندَه على ثَلاثٍ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في النكاحِ إلى أَجَلٍ:
(قلتُ): أرأيتَ إذا تزوَّجَ امرأةً بأمرِ الوليِّ بصَداقٍ قد سمَّاهُ، تزوَّجَها شهرًا أو سنَةً أو سنتَينِ، أيَصلُحُ هذا النكاحُ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: هذا النكاحُ باطِلٌ، إذا تزوَّجَها إلى أجَلٍ مِنَ الآجالِ فهذا النِّكاحُ باطلٌ، (قالَ): وقالَ مالكٌ: وإنْ تزوَّجَها بصَداقٍ قد سمَّاهُ وشَرَطُوا على الزوجِ إِنْ أتَى بصَداقِها إلى أجَلِ كَذا وكَذا مِنَ الآجالِ وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهُما، (قالَ مالكٌ): هذا
(١) «الأم» (٥/ ٧٩، ٨٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٣٠، ٣٣٢)، و «المهذب» (٢/ ٤٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٣، ٥٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٤٨)، و «الديباج» (٣/ ١٨٦).
النِّكاحُ باطِلٌ، (قلتُ): دخَلَ بها أو لَم يَدخُلْ بها؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: هوَ مَفسوخٌ على كلِّ حالٍ، دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، (قالَ مالكٌ): وإنَّما رأيتُ فسْخَه لأنِّي رأيتُه نِكاحًا لا يَتوارَثُ عليهِ أهلُه، (قالَ سحنونٌ): هذهِ المسألةُ قولُه كانَتْ لهُ في تَزويجِ الخِيارِ أنه يُفسخُ دَخلَ بها أو لم يَدخلْ بها، وكانَ يقولُ: لأنَّ فسادَه جاءَ مِنْ قبلِ عَقدِه، ثمَّ رجَعَ فقالَ: إذا دخَلَ جازَ ويُفسخُ قبلَ الدخولِ، (قلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «أتزوَّجُكِ شهرًا» أَيَبطلُ النِّكاحُ؟ أم يُجعَلُ النِّكاحُ صَحيحًا ويَبطلُ الشَّرطُ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: النِّكاحُ باطلٌ ويُفسَخُ، وهذهِ المُتعةُ قد ثبَتَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ تَحريمُها (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ العلماءُ في معنَى المُتعةِ في الرَّجلِ يتزوَّجُ عَشرةَ أيامٍ أو نحوَها إلى أجَلٍ، يَجوزُ أنْ يقولَ «أتزوَّجُها شَهرًا» أو يَقولَ: «تُمتِّعينِي بنفسِكِ بهَذا الدِّينارِ شَهرًا»، فقالَ مالِكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والشافِعيُّ والأوزاعِيُّ كلُّهُم يَقولُ: هذا نِكاحُ المُتعةِ وهو باطلٌ، دخَلَ أو لم يَدخلْ، ويُفسَخُ قبْلَ الدخولِ وبعدَه، وهذهِ المُتعةُ المَحظورةُ المُحرَّمةُ، وهوَ قولُ أحمَدَ رحمة الله عليه وأهلِ الحديثِ، وقالَ زُفَرُ: إذا تزوَّجَها عَشرةَ أيامٍ أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشَّرطُ باطلٌ (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٩٦)، ويُنظَر: «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٨٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٨٢).
(٢) «التمهيد» (١٠/ ١٢٢).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ونكاحُ المُتعةِ باطلٌ، وهو أن يقولَ لامرَأةٍ خاليةٍ مِنَ الموانعِ: «أَتمتَّعُ بكِ كذا مدةَ عشرةِ أيامٍ مثلًا، أو يقولَ: أيامًا أو متِّعينِي نفسَك أيامًا، أو عشرةَ أيامٍ، أو لم يَذكرْ أيامًا، بكذا مِنْ المالِ»، قالَ شيخُ الإسلامِ في الفَرقِ بينَهُ وبينَ النكاحِ الموقَّتِ أنْ يُذكَرَ الموقَّتُ بلفظِ النكاحِ والتزويجِ وفي المُتعةِ أتمتَّعُ أو أَستَمتِعُ إه، يعني ما اشتملَ على مادةِ مُتعَةٍ، والذي يظهرُ معَ ذلكَ عدمُ اشتراطِ الشهودِ في المُتعةِ وتَعيينِ المدَّةِ، وفي الموقَّتِ الشهودُ وتعيينُها، ولا شكَّ أنه لا دليلَ لهؤلاءِ على تَعيينِ كونِ نكاحِ المُتعةِ الذي أباحَهُ ﷺ ثمَّ حرَّمَه هو ما اجتَمعَ فيهِ مادةُ (مَ تَ عَ) للقطعِ مِنْ الآثارِ بأنَّ المتحقِّقَ ليسَ إلا أنه أَذِنَ لهم في المتعةِ، وليسَ معنى هذا أنَّ مَنْ باشرَ هذا المأذونَ فيهِ يتعيَّنُ عليهِ أنْ يخاطِبَها بلفظِ «أتمتَّعُ» ونحوِهِ؛ لمَا عُرفَ مِنْ أنَّ اللفظَ إنِّما يُطلَقُ ويُرادُ معناهُ، فإذا قالَ: «تمتَّعُوا مِنْ هذهِ النِّسوةِ» فليسَ مَفهومُه: «قولُوا: أتمتَّعُ بكِ»، بل أَوجِدُوا معنَى هذا اللفظِ، ومعناهُ المشهورُ أنْ يُوجَدَ عَقدٌ على امرأةٍ لا يُرادُ بهِ مَقاصدُ عقدِ النكاحِ مِنَ القَرارِ للولدِ وتربيتِهِ، بل إلى مدةٍ معيَّنةٍ يَنتهي العقدُ بانتهائِها أو غيرِ معيَّنةٍ، بمعنى بَقاءِ العقدِ ما دُمتُ معكِ إلى أنْ أنصرِفَ عنكِ فلا عقدَ.
والحاصلُ أنَّ معنَى المتعةِ عقدٌ موقَّتٌ يَنتهي بانتهاءِ الوقتِ فيَدخلُ فيهِ ما بمادَّةِ المُتعةِ والنكاحُ الموقَّتُ أيضًا، فيكونُ النكاحُ الموقَّتُ مِنْ أفرادِ المتعةِ وإنْ عُقِدَ بلفظِ التزويجِ وأُحضِرَ الشهودُ وما يُفيدُ ذلكَ مِنَ الألفاظِ
التي تُفيدُ التواضُعَ معَ المرأةِ على هذا المعنى، ولم يُعرَفْ في شيءٍ مِنَ الآثارِ لفظٌ واحدٌ ممَّن باشَرَها مِنَ الصحابةِ رضي الله عنهم بلفظِ: «تمتَّعْتُ بكِ» ونحوِه، واللهُ أعلمُ (١).
وقد كانَ نكاحُ المتعةِ جائزًا ثمَّ حُرِّمَ ثمَّ أُجيزَ ثمَّ حُرِّمَ إلى قيامِ الساعةِ.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه: لا أعلَمُ شيئًا حُرِّمَ ثمَّ أُبيحَ ثمَّ حُرِّمَ إلَّا المتعةَ (٢).
فروَى مُسلمٌ عن عبدِ العزيزِ بنِ عُمرَ حدَّثني الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهنيُّ أنَّ أباهُ حدَّثَه أنه كانَ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «يا أيُّها الناسُ إني قد كُنْتُ أَذِنْتُ لكُم في الاستِمتاعِ مِنْ النِّساءِ، وإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ ذلكَ إلى يَومِ القِيامةِ، فمَن كانَ عندَه مِنهنَّ شيءٌ فليُخَلِّ سَبيلَه ولا تأخُذُوا ممَّا آتَيتمُوهنَّ شَيئًا» (٣).
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليه: وفي هذا الحديثِ التصريحُ بالمَنسوخِ والناسخِ في حَديثٍ واحدٍ مِنْ كلامِ رَسولِ اللهِ ﷺ كحديثِ: «كُنْتُ نَهيتُكم عن زيارةِ القُبورِ فزُوروها»، وفيهِ التصريحُ بتَحريمِ نكاحِ المتعةِ إلى يومِ القيامةِ (٤).
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «المبسوط» (٥/ ١٥٢، ١٥٣)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٥٣، ٣٥٤).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٩).
(٣) رواه مسلم (١٤٠٦).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٨٦).
وقد وُجدَ فيهِ خِلافٌ قديمٌ بينَ أصحابِ النبيِّ ﷺ وبينَ التابعِينَ في حُكمِ نكاحِ المتعةِ، ثمَّ اتفقَتْ كلمةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على تَحريمِه، ونقَلَ بعضُهمُ الإجماعَ على مَنعِه، وقد تَقدَّمَتِ الأدلَّةُ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه نَقلًا عنِ الطَّحَاويِّ: واتَّفقَ فقهاءُ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ والأثرِ على تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ، وشذَّ زُفرُ عن الفقهاءِ فقالَ: إنْ تزوَّجَها عشرةَ أيامٍ أو نحوَها أو شهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشرطُ باطِلٌ، ولا خِلافَ أنَّ المتعةَ نكاحٌ إلى أجَلٍ لا ميراثَ فيهِ، وأنَّ الفرقةَ تَقعُ فيهِ عندَ انقضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ طَلاقٍ، وليسَ هذا حكمَ الزوجيةِ عندَ أحدٍ مِنْ الأمَّةِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا الصحابةُ فإنهمُ اختَلفُوا في نكاحِ المُتعةِ، فذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ إلى إجازَتها فتَحليلِها، لا خِلافَ عنهُ في ذلكَ وعليهِ أكثرُ أصحابِه، منهم عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ وطاووسٌ، ورُويَ تَحليلُها أيضًا وإجازتُها عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وذكَرَ عبدُ الرزاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: أخبَرَني مَنْ شِئتَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: «لقدْ كانَ أحدُنا يَستمتعُ بمِثلِ القَدحِ سُويقًا»، وأخبَرَني ابنُ الزُّبيرِ قالَ: سَمعتُ جابرَ بنَ عبد اللهِ يقولُ: «كنَّا نَستمتعُ بالقَبضةِ مِنَ التمرِ والدَّقيقِ الأيامَ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ، حتَّى نهَى عُمرُ الناسَ عنها في شأنِ عَمرِو بنِ حُريثٍ» …
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٢٥).
ثمَّ قالَ: وقد رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ في تَحريمِ نكاحِ المُتعةِ ممَّا قد ذكَرْناهُ ما فيهِ شِفاءٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ إلَّا يُؤخَذُ مِنْ قَولِه ويُتركُ إلا رَسول اللهِ ﷺ (١).
ثمَّ قالَ: أجمَعُوا أنَّ المُتعةَ نكاحٌ لا إشهادَ فيهِ ولا وليَّ، وأنه نِكاحٌ إلى أجَلٍ تَقعُ فيهِ الفرقَةُ بلا طَلاقٍ ولا مِيراثٍ بينَهما، وهذا ليسَ حُكمَ الزَّوجاتِ في كِتابِ اللهِ ولا سنَّةِ رَسولِه ﷺ (٢).
ثمَّ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَرَ آثارًا عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما تَدلُّ على رُجوعِه عن إباحةِ المُتعةِ، قالَ: هذهِ الآثارُ كلُّها عنِ ابنِ عبَّاسٍ مَعلولةٌ لا تَجبُ بها حُجةٌ مِنْ جِهةِ الإسنادِ، ولكنْ عليها العُلماءُ، والآثارُ التي رَواها المكِّيونَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ صِحاحُ الأسانيدِ (عنهُ)، وعليها أصحابُ ابنِ عبَّاسٍ، وأمَّا سائرُ العُلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعِينَ ومَن بعدَهم مِنْ الخالفِينَ وفُقهاءِ المُسلمينِ فعلى تَحريمِ المُتعةِ، منُهم مالكٌ في أهلِ المدينةِ، والثوريُّ وأبو حَنيفةَ في أهلِ الكُوفةِ، والشافعيُّ ومَن سلَكَ سبيلَهُ مِنْ أهلِ الحديثِ والفقهِ والنَّظرِ بالاتفاقِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والليثُ بنُ سعدٍ في أهلِ مِصرَ، وسائرُ أصحابِ الآثارِ (٣).
وقالَ أبو عُمرَ في «الاستِذكار»: اتَّفقَ أئمَّةُ عُلماءِ الأمصارِ مِنْ أهلِ الرأيِ
(١) «التمهيد» (١٠/ ١١٤، ١١٥).
(٢) «التمهيد» (١٠/ ١١٦).
(٣) «التمهيد» (١٠/ ١٢١).
والآثارِ، منهم مالكٌ وأصحابُه مِنْ أهلِ المَدينةِ، وسُفيانُ وأبو حَنيفةَ مِنْ أهلِ الكُوفةِ، والشافعيُّ ومَن سلَكَ سَبيلَه مِنْ أهلِ الحَديثِ والفِقهِ والنظَرِ، والليثُ بنُ سَعدٍ في أهلِ مصرَ والمَغربِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ والطبَريُّ على تَحريمِ نِكاحِ المتعةِ؛ لصِحةِ نهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عندَهم عنها.
واختلفوا في مَعنًى مِنها وهوَ الرَّجلُ يَتزوجُ المرأةَ عَشرةَ أيامٍ أو شهرًا أو أيامًا مَعلوماتٍ وأجَلًا مَعلومًا.
فقالَ مالكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافعيُّ والأوزاعيُّ: هذا نِكاحُ المُتعةِ وهوَ باطلٌ يُفسخُ قبلَ الدخولِ وبعدَهُ.
وقالَ زُفرُ: إنْ تزوَّجَها عَشرةَ أيامٍ أو نحوَها أو شَهرًا فالنكاحُ ثابتٌ والشَّرطُ باطلٌ (١).
وقالَ الإمامُ التِّرمذيُّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ حديثَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ في تحريمِ المتعةِ: الجامعُ والعَملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، وإنَّما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ شيءٌ مِنْ الرُّخصةِ في المُتعةِ، ثمَّ رجَعَ عن قولِهِ حيثُ أُخبِرَ عنِ النبيِّ ﷺ، وأمرُ أكثرِ أهلِ العِلمِ على تحريمِ المُتعةِ، وهوَ قولُ الثوريِّ وابنِ المبارَكِ والشافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ (٢).
(١) «الاستذكار» (٥/ ٥٠٨)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٣١٥)، و «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٠٦).
(٢) «سنن الترمذي» (٣/ ٤٢٩).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ القاضي عِياضٌ: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ هذهِ المتعةَ كانتْ نكاحًا إلى أجَلٍ لا مِيراثَ فيها، وفِراقُها يَحصلُ بانقضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ طلاقٍ، ووقعَ الإجماعُ بعدَ ذلكَ على تحريمِها مِنْ جميعِ العلماءِ، إلَّا الرَّوافضَ، وكانَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه يقولُ بإباحَتِها، ورُويَ عنهُ أنه رجَعَ عنهُ.
قالَ: وأجمَعُوا على أنه متَى وقعَ نكاحُ المُتعةِ الآنَ حُكِمَ ببُطلانِهِ، سواءٌ كانَ قبلَ الدخولِ أو بعدَهُ، إلَّا ما سَبقَ عن زفرَ، واختَلفَ أصحابُ مالكٍ هل يُحَدُّ الواطِئُ فيهِ؟ ومَذهبُنا أنه لا يُحَدُّ؛ لشُبهةِ العَقدِ وشُبهةِ الخلافِ، ومأخَذُ الخلافِ اختِلافُ الأصوليِّينَ في أنَّ الإجماعَ بعدَ الخِلافِ هل يَرفعُ الخِلافَ ويُصيِّرُ المَسألةَ مُجمَعًا عليها؟ والأصحُّ عندَ أصحابِنا أنه لا يَرفعُهُ، بلْ يَدومُ الخلافُ ولا يُصيِّرُ المَسألةَ بعدَ ذلكَ مُجمَعًا عليها أبدًا، وبهِ قالَ القاضِي أبو بكرٍ الباقلانِيُّ (١).
وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: تَحريمُ نكاحِ المُتعةِ كالإجماعِ بيْنَ المُسلمينَ، وقد كانَ ذلكَ مُباحًا في صَدرِ الإسلامِ، ثمَّ حرَّمَه في حجَّةِ الوَداعِ، وذلكَ في آخِرِ أيامِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فلم يَبْقَ اليومَ فيهِ خِلافٌ بينَ الأئمَّةِ، إلَّا شيئًا ذهَبَ إليهِ بعضُ الروافضِ.
وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يتأوَّلُ في إباحتِهِ للمُضطرِّ إليهِ بطُولِ العزبةِ وقلَّةِ اليَسارِ والجدةِ، ثمَّ توقَّفُ عنهُ وأمسَكَ عنِ الفتوَى به، حدَّثنا ابنُ السماكِ قالَ:
(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٨١، ١٨٢).
حَدَّثنا الحسَنُ بنُ سلامٍ السَّواقُ قالَ: حَدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ قال: حَدَّثنا عبدُ السلامِ عنِ الحجَّاجِ عَنْ أبي خالدٍ عنِ المِنهالِ عن سَعيدِ بنِ جبيرٍ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: هل تَدرِي ما صَنعْتَ وبما أفتيْتَ؟! قد سارَتْ بفُتياكَ الرُّكبانُ وقالَتْ فيهِ الشعراءُ، قالَ: وما قالَتْ؟ قلتُ: قالُوا:
قَدْ قُلتُ للشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مُحبَسُهُ … يا صاحِ هل لك في فَتوَى ابنِ عَبَّاسٍ
هل لكَ في رُخصةِ الأطرافِ آنِسةً … تَكونُ مَثواكَ حَتَّى يَصدُرَ النَّاس
فقالَ ابنُ عباسٍ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، واللهِ ما بهذا أفتَيتُ ولا هذا أردْتُ، ولا حلَّلتُ إلَّا مِثلَ ما أحلَّ اللهُ مِنَ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ، وما تَحِلُّ إلَّا للمُضطرِّ، وما هيَ إلَّا كالميتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ.
قالَ الشيخُ: فهذا يُبيِّنُ لكَ أنه إنَّما سلَكَ فيهِ مَذهبَ القياسِ وشبَّهَه بالمُضطرِّ إلى الطعامِ، وهوَ قياسٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الضرورةَ في هذا البابِ لا تتحقَّقُ كهي في بابِ الطعامِ الَّذي بهِ قوامُ النَّفسِ وبعَدمِه يَكونُ التلفُ، وإنَّما هذا منِ بابِ غَلَبةِ الشهوةِ، ومُصابَرتُها مُمكِنةٌ، وقد تُحسَمُ حِدَّتُها بالصومِ والعِلاجِ، فليسَ أحدُهما في حُكمِ الضرورةِ كالآخَرِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن نكاحِ المتعةِ.
ودلَّ قولُهُ: «أَلَا وإنَّ اللهَ قد حرَّمَ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ» على أنَّ الفسخَ لا يجوزُ أنْ يقَعَ عليهِ.
(١) «معالم السنن» (٣/ ١٩٠، ١٩١).
وقد رُوِّينا أخبارًا عنِ الأوائلِ بإباحةِ ذلكَ، وليسَ لها معنًى ولا فيها فائدةٌ معَ سنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
وممَّن نهَى عنِ المُتعةِ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ، وقالَ القاسمُ ابنُ مُحمدٍ: تَحريمُها في القُرآنِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] الآيَة.
رُويَ عنِ ابنِ مَسعودٍ أنه قالَ: نسَخَها آيةُ الطلاقِ، والعدَّة والمِيراث، ورُويَ عن عليٍّ أنه قالَ ذلكَ.
وقالَ ابنُ عمرَ: «ما أعلَمُه إلَّا السِّفاحَ»، وقالَ ابنُ الزبيرِ: «المُتعةُ الزِّنا الصَّريحُ، ولا أعلَمُ أحَدًا يَعملُ بها إلَّا رَجمتُه»، وقالَ الحسَنُ البَصريُّ: ما كانتِ المُتعةُ إلِّا ثَلاثةَ أيامٍ حتَّى حرَّمَها اللهُ تعالى ورَسولُه ﷺ.
وممَّن أبطَلَ نكاحَ المُتعةِ مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا أعلمُ أحَدًا يُجيزُ اليومَ نكاحَ المتعةِ إلَّا بعضَ الرافِضةِ، ولا معنًى لقَولٍ يُخالِفُ القائلُ بهِ الكِتابَ والسُّنةَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ رحمة الله عليه: (ولا يَجوزُ نِكاحُ المُتعةِ).
معنَى نكاحِ المُتعةِ: أنْ يتزوَّجَ المرأةَ مدَّةً، مثلَ أنْ يقولَ: «زوَّجتُكَ ابنتِي شَهرًا، أو سَنةً، أو إلى انقضاءِ المَوسمِ، أو قدومِ الحاجِّ» وشَبَهِه، سواءٌ كانتِ المُدَّةُ مَعلومةً أو مَجهولةً، فهذا نكاحٌ باطلٌ، نصَّ عليهِ أحمدُ فقالَ: نكاحُ المُتعةِ حرامٌ.
(١) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٧٢، ٧٣).
وقالَ أبو بكرٍ: فيها روايةٌ أخرى أنَّها مَكروهةٌ غيرُ حرامٍ؛ لأنَّ ابنَ مَنصورٍ سألَ أحمدَ عنها فقالَ: يَجتنبُها أحَبُّ إليَّ، قالَ: فظاهِرُ هذا الكَراهةُ دونَ التحريمِ، وغيرُ أبي بكرٍ مِنْ أصحابِنا يَمنعُ هذا ويقولُ: في المسألةِ رِوايةٌ واحدةٌ في تَحريمِها، وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفُقهاءِ.
وممَّن رُويَ عنهُ تحريمُها عُمرُ وعليٌّ وابنُ عُمرَ وابنُ مسعودٍ وابنُ الزبيرِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وعلى تَحريمِ المُتعةِ مالكٌ في أهلِ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ الكُوفةِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشامِ، والليثُ في أهلِ مصرَ، والشافعيُّ وسائرُ أصحابِ الآثارِ، وقالَ زفرُ: يَصحُّ النكاحُ ويَبطلُ الشرطُ.
وحُكيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنها جائزةٌ، وعليهِ أكثرُ أصحابِه، عطاءٌ وطاوسٌ، وبهِ قالَ ابنُ جُريجٍ، وحُكيَ ذلكَ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ وجابرٍ، وإليهِ ذهَبَ الشيعةُ؛ لأنه قد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ أَذِنَ فيها.
ورُويَ أنَّ عُمرَ قالَ: «مُتْعَتانِ كانَتَا على عَهدِ رَسولِ الله ﷺ أنا أنهَى عنهُما وأعاقِبُ عليهِما: مُتعةُ النِّساءِ ومُتعةُ الحجِّ»، ولأنه عَقدٌ على مَنفعةٍ، فجازَ مؤقَّتًا كالإجارةِ.
ولنا: ما رَوى الرَّبيعُ بن سَبْرَةَ أنه قالَ: أشهَدُ على أبي أنه حدَّثَ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عنهُ في حجَّةِ الوداعِ» وفي لفظٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ متعةَ النِّساءِ»، رواهُ أبو داودَ.
وفي لفظٍ رواهُ ابنُ ماجةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حرَّمَ المتعةَ فقالَ:
يا أيَّها النَّاسُ إني كُنْتُ أَذِنتُ لكم في الاستِمتاعِ، أَلَا وإِنَّ اللهَ قدْ حرَّمَها إلى يومِ القِيامةِ» (١).
ورُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عن مُتعةِ النِّساءِ يَومَ خَيبرَ وعن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ» رواهُ مالكٌ في «المُوَطَّأ» وأخرَجَه الأئمَّةُ النَّسائيُّ وغيرُه.
واختَلفَ أهلُ العلمِ في الجَمعِ بَينَ هذَينِ الخبَرَينِ، فقالَ قومٌ: في حديثِ عليًّ تَقديمٌ وتأخيرٌ، وتَقديرُه: أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ يومَ خيبَرَ ونهَى عن مُتعةِ النِّساءِ ولم يَذكرْ مِيقاتَ النهيِ عنها، وقد بيَّنَه الرَّبيعُ بنُ سَبرةَ في حديثِهِ أنه كانَ في حجَّةِ الوداعِ، حكاهُ الإمامُ أحمدُ عن قومِ، وذكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، وقالَ الشافعيُّ: لا أعلَمُ شيئًا أحلَّه اللهُ ثمَّ حرَّمَه ثمَّ أحَلَّه ثمَّ حرَّمَه إلَّا المُتعةَ، فحُمِلَ الأمرُ على ظاهرِهِ، وأنَّ النبيَّ ﷺ حرَّمَها يومَ خَيبَرَ ثمَّ أباحَها في حجَّةِ الوداعِ ثَلاثةَ أيامٍ ثمَّ حرَّمَها، ولأنهُ لا تَتعلقُ بهِ أحكامُ النكاحِ مِنْ الطلاقِ والظِّهارِ واللِّعانِ والتوارُثِ، فكانَ باطِلًا كسائرِ الأنكِحةِ الباطِلةِ، وأمَّا قولُ ابنِ عبَّاسِ فقد حُكيَ عنهُ الرجوعُ عنهُ، ورَوى أبو بكرٍ بإسنادِهِ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: لقد كثُرتِ القالَةُ في المتعةِ حتَّى قالَ فيها الشاعرُ:
أقولُ وقدْ طالَ الثَّواءُ بِنا مَعًا … يا صاحِ هلْ لكَ في فُتيَا ابنِ عبَّاسِ
هل لكَ في رُخصةِ الأطرافِ آنِسَةٌ … تَكونُ مَثواكَ حتَّى مَصدرِ النَّاسِ
(١) رواه ابن ماجه (١٩٦٢)، ورواه مسلم (١٤٠٦).
فقامَ خَطيبًا وقالَ: «إنَّ المتعةَ كالميتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخنزيرِ»، فأمَّا إِذنُ رَسولِ اللهِ ﷺ فيها فقدْ ثبَتَ نسخُه، وأمَّا حديثُ عُمرَ إنْ صحَّ عنهُ فالظاهرُ أنه إنَّما قصَدَ الإخبارَ عن تحريمِ النبيِّ ﷺ لها ونهيِه عنها، إذ لا يَجوزُ أن يَنهى عمَّا كانَ النبيُّ ﷺ أباحَهُ وبقيَ على إباحَتِه (١).
ولأنَّ للنكاحِ أحكامًا تتعلَّقُ بصحَّتِها ويَنتفِي عن فاسدِهِا، وهيَ الطلاقُ والظِّهارُ والعِدَّةُ والميراثُ، فلمَّا انتَفتْ عنِ المتعةِ هذهِ الأحكامُ دلَّ على فَسادهِ كسائرِ المَناكحِ الفاسدةِ (٢).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: وممَّا يَدلُّ على تحريمِ المتعةِ مِنْ طريقِ النظرِ أنَّا قد عَلِمْنا أنَّ عقْدَ النكاحِ وإنْ كانَ واقعًا على استباحةِ مَنافعِ البُضعِ فإنَّ استِحقاقَ تلكَ المنافعِ بعَقدِ النكاحِ بمَنزلةِ العُقودِ على المَملوكاتِ مِنْ الأعيانِ، وأنه مُخالِفٌ لعُقودِ الإجاراتِ الواقعةِ على منافعِ الأعيانِ، أَلَا تَرى أنَّ عقْدَ النكاحِ يَصحُّ مُطلَقًا مِنْ غيرِ شَرطِ مدَّةٍ مَذكورةٍ لهُ، وأنَّ عقودَ الإجاراتِ لا تَصحُّ إلَّا على مُدَدٍ مَعلومةٍ أو على عَملٍ مَعلومٍ، فلمَّا كانَ ذلكَ حُكمَ العقدِ على مَنافعِ البُضعِ أشبَهَ عُقودَ البياعاتِ وما جَرَى مَجراها إذا عُقدَتْ على الأعيانِ، فلا يَصحُّ وُقوعُه مُوقَّتًا كما لا يَصحُّ وقوعُ التَّمليكاتِ في الأعيانِ المَملوكةِ مُوقَّتةً، ومتَى شُرطَ فيهِ التَّوقيتُ لم يكنْ نِكاحًا، فلا تَصحُّ استباحةُ البُضعِ بهِ كما لا يَصحُّ البيعُ إذا شُرطَ فيهِ تَوقيتُ
(١) «المغني» (١٣٦، ١٣٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٣١).
الملكِ، وكذلكَ الهِباتُ والصدَقاتُ، ولا يَملِكُه بشَيءٍ مِنْ هذهِ العقودِ مِلكًا مُوقَّتًا، وكذلكَ مَنافعُ البُضعِ لمَّا جَرتْ مجرَى الأعيانِ المَملوكةِ لم يَصحَّ فيها التَّوقيتُ.
وممَّا يَحتجُّ بهِ القائلونَ بإباحةِ المتعةِ اتفاقُ الجميعِ على أنها كانَتْ مُباحةً في وَقتٍ مِنَ الزمانِ ثمَّ اختَلَفْنا في الحظرِ، فنَحنُ ثابتونَ على ما حَصلَ الاتِّفاقُ عليهِ ولا نزولَ عنهُ بالاختِلافِ، فيقالُ لهم: الأخبارُ التي بها تَثبتُ الإباحةُ بها يَثبتُ الحَظرُ؛ ذلكَ لأنَّ كلَّ خبَرٍ ذُكِرَ فيهِ إباحةُ المُتعةِ ذُكِرَ فيهِ حظرُها، فمِن حيثُ يَثبتُ الإباحةُ وجبَ أنْ يَثبتَ الحَظرُ، وإنْ لمْ يَثبُتِ الحَظرُ لم تَثبُتِ الإباحةُ؛ إذْ كانَتِ الجِهةُ التي بها تثبتُ الإباحةُ بها ورَدَ الحظرُ.
وأيضًا فإنَّ قولَ القائلِ: «أنَّا لمَّا اتَّفَقْنا على كذا ثمَّ اختَلَفْنا فيهِ لمْ يَنزلْ عنِ الإجماعِ بالاختِلافِ» قولٌ فاسِدٌ؛ لأنَّ الموضِعَ الذي فيهِ الخلافُ ليسَ هو مَوضعَ الإجماعِ، فإذا لم يَكنْ إجماعًا فلا بُدَّ مِنْ دَلالةٍ يُقِيمُها على صحَّةِ دعواهُ، وأيضًا فإنَّ كونَ الشيءِ مُباحًا في وَقتٍ غيرُ مُوجِبٍ بَقاءَ إباحتِهِ فيما يَجوزُ فيهِ النسخُ، وقد دلَّلْنا على ثُبوتِ الحظرِ بعدَ الإباحةِ مِنْ ظاهرِ الكِتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلفِ.
قالَ أبو بكرٍ: قد ذكَرْنا في المُتعةِ وحُكمِها في التحريمِ ما فيهِ بلاغٌ لمَن نصَحَ نَفسَه، ولا خِلافَ فيها بينَ الصَّدرِ الأولِ على ما بيَّنَّا، وقدِ اتَّفقَ فُقهاءُ الأمصارِ مع ذلكَ على تحريمِها ولا يَختلفونَ فيهِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن تزوَّجَ امرأةً أيامًا مَعلومةً، فقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يوسفَ ومُحمدٌ ومالكُ بنُ أنسٍ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ: إذا تزوَّجَ امرأةً عشرةَ أيامٍ فهوَ باطلٌ ولا نِكاحَ بينَهُما، وقالَ زفرُ: النكاحُ جائزٌ والشَّرطُ باطلٌ، وقالَ الأوزاعيُّ: إذا تزوَّجَ امرأةً ومِن نيَّتِه أنْ يُطلِّقَها وليسَ ثَمَّ شرطٌ فلا خَيْرَ في هذا هذا متعةٌ.
قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ بينَهم وبينَ زُفرَ أنَّ عقْدَ النكاحِ لا يَصحُّ بلفظِ المُتعةِ، وأنه لو قالَ: «أَتمتَّعُ بكِ عَشرةَ أيامٍ» أنَّ ذلكَ ليسَ بنِكاحٍ، وإنَّما الخلافُ إذا عقَدَه بلَفظِ النكاحِ فقالَ: «أتزوَّجُكِ عَشرةَ أيامٍ»، فجعَلَه زُفرُ نِكاحًا صَحيحًا وأبطَلَ الشرطَ فيهِ؛ لأنَّ النكاحَ لا تُفسدُه الشروطُ الفاسِدةُ، كما لو قالَ: «أتزوَّجُكِ على أنْ أطلِّقَكِ بعدَ عَشرةِ أيامٍ» كانَ النكاحُ جائزًا والشرطُ باطلًا، وإنَّما الخِلافُ بينَهم وبيْنَ زُفرَ في أنَّ هذا نِكاحٌ أو مُتعةٌ، فقالَ الجمهورُ: هذا متعةٌ وليسَ بنكاحٍ … (١).
وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ رحمة الله عليه: والحجَّةُ على زُفرَ حديثُ الرَّبيعِ بنِ سَبرةَ عن أبيهِ أنَّ الرَّسولَ ﷺ لمَّا نهَى عنِ المتعةِ قالَ لهم: «مَنْ كانَ عندَهُ مِنْ هذهِ النِّساءِ شيءٌ فلْيُفارِقْهنَّ، فإنَّ اللهَ قد حَرَّمَ المُتعةَ إلى يومِ القيامةِ»، فدَلَّ هذا على أنَّ العقدَ المُتقدِّمَ لا يُوجِبُ دوامَ العَقدِ للأبدِ، ولو أوجَبَ دوامَه لَكانَ بفسخِ الشرطِ الذي تعاقَدَا عليهِ، ولا يُفسخُ النكاحُ إذا كانَ ثبَتَ على صحتهِ وجوازِهِ قبلَ النهيِ، ففي أمرِهِ إياهُم بالمُفارَقةِ دَليلٌ
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٢، ١٠٤).
على أنَّ مثلَ ذلكَ العقدِ لا يَجبُ بهِ ملكُ بُضعٍ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ ومحمَّدٍ رحمةُ اللهِ علَيهِم (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا يجوزُ النكاحُ المؤقَّتُ وهوَ نكاحُ المُتعةِ، وأنهُ نوعانِ: أحدُهُما: أنْ يكونَ بلفظِ التمتُّعِ، والثاني: أنْ يكونَ بلَفظِ النكاحِ والتزويجِ وما يقومُ مقامَهُما.
أمَّا الأوَّلُ فهوَ أنْ يقولَ: «أُعطيكِ كذا على أنْ أتمتَّعَ منكِ يومًا، أو شَهرًا، أو سنَةً» ونحوَ ذلكَ، وأنه باطلٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ.
وقالَ بعضُ الناسِ: هوَ جائزٌ، واحتجُّوا بظاهرِ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، والاستِدلالُ بها مِنْ ثَلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنه ذَكَرَ الاستمتاعَ ولم يَذكرِ النكاحَ، والاستِمتاعُ والتمتُّعُ واحدٌ.
والثاني: أنه تعالَى أمَرَ بإيتاءِ الأجْرِ، وحَقيقةُ الإجارةِ والمُتعةِ عَقدُ الإجارةِ على مَنفعةِ البُضعِ.
والثالثُ: أنه تعالَى أمَرَ بإيتاءِ الأجرِ بعدَ الاستِمتاعِ، وذلكَ يكونُ في عَقدِ الإجارةِ والمُتعةِ، فأمَّا المهرُ فإنِّما يجبُ في النكاحِ بنَفسِ العقدِ، ويُؤخَذُ الزوجُ بالمهرِ أولًا ثمَّ يُمكَّنُ مِنَ الاستمتاعِ، فدَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على جوازِ عقدِ المُتعةِ.
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٦)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٢٧).
ولنا: الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمعقولُ.
أمَّا الكِتابُ الكريمُ: فقولُه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، حرَّمَ تعالى الجِماعَ إلِّا بأحدِ شيئَينِ، والمُتعةُ ليسَتْ بنكاحٍ ولا بمِلكِ يَمينٍ، فيَبقى التَّحريمُ.
والدليلُ على أنها ليسَتْ بنكاحٍ أنها تَرتَفعُ مِنْ غَيرِ طلاقٍ ولا فُرقةٍ ولا يَجري التوارثُ بينَهما، فدَلَّ أنها ليسَتْ بنكاحٍ، فلمْ تَكنْ هيَ زوجةً لهُ، وقولُه تَعَالَى في آخِرِ الآيةِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٣١] سُمِّيَ مُبتغِي ما وراءَ ذلكَ عادِيًا، فدَلَّ على حُرمَةِ الوطءِ بدُونِ هذَينِ الشيئَينِ، وقولُه ﷿: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] وكانَ ذلكَ منهمْ إجارةَ الإماءِ، نهَى اللهُ ﷿ عَنْ ذلكَ وسَمَّاهُ بِغَاءً، فدَلَّ على الحُرمةِ.
وأمَّا السُّنةُ: فمَا رُويَ عَنْ عليٍّ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتعةِ النِّساءِ يَومَ خَيبَرَ وعن أكلِ لُحومِ الحُمُرِ الإنسِيَّةِ».
وعنْ سَبرةَ الجُهَنيِّ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتعةِ النِّساءِ يومَ فَتحِ مكَّةَ».
وعن عبد اللهِ بنِ عُمرَ أنه قالَ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ خَيبَرَ عن مُتعَةِ النِّساءِ وعنْ لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ».
ورُويَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ قائِمًا بيْنَ الرُّكنِ والمَقامِ وهو
يَقولُ: إنِّي كُنْتُ أَذِنتُ لكُم في المُتعةِ، فمَن كانَ عندَه شيءٌ فلْيُفارِقْه، ولا تأخُذُوا ممَّا آتَيتمُوهنَّ شَيئًا، فإنَّ اللَّهَ قد حرَّمَها إلى يومِ القيامةِ».
وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ بأسرِهمُ امتنَعُوا عنِ العملِ بالمُتعةِ معَ ظُهورِ الحاجةِ لهم إلى ذلكَ.
وأمَّا المعقولُ: فهوَ أنَّ النكاحَ ما شُرعَ لاقتِضاءِ الشهوةِ، بل لأغراضٍ ومَقاصدَ يُتوسَّلُ بهِ إليها، واقتِضاءُ الشهوةِ بالمُتعةِ لا يَقعُ وَسيلةً إلى المَقاصدِ، فلا يُشرَعُ.
وأمَّا الآيةُ الكريمةُ: فمَعنى قَولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] أي: في النكاحِ؛ لأنَّ المذكورَ في أوَّلِ الآيةِ وآخِرِها هو النكاحُ، فإنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ أجناسًا مِنْ المُحرَّماتِ في أولِ الآيةِ في النكاحِ وأباحَ ما وَراءَها بالنكاحِ بقَولِه ﷿: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي بالنكاحِ.
وقولُه تعالَى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] أي: متناكحِينَ غيرَ زانِينَ، وقالَ تعالَى في سِياقِ الآيةِ الكريمةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ذكَرَ النكاحَ لا الإجارةَ والمُتعةَ، فيُصرَفُ قولُه تعالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٢٤] إلى الاستِمتاعِ بالنكاحِ.
وأمَّا قولُه: «سَمَّى الواجبَ أجرًا» فنعَمْ، المَهرُ في النكاحِ يُسمَّى أجرًا، قالَ اللهُ ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]
أي: مُهورَهنَّ، وقالَ ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وقولُه: أمَرَ تعالَى بإيتاءِ الأجرِ بعدَ الاستِمتاعِ بهنَّ، والمَهرُ يَجبُ بنَفسِ النكاحِ ويُؤخَذُ قبلَ الاستمتاعِ.
قُلنَا: قد قِيلَ: في الآيةِ الكريمةِ تَقديمٌ وتأخيرٌ، كأنه تعالَى قالَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي: إذا أرَدتُمُ الاستِمتاعَ بهنَّ، كقولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: إذا أرَدتُمْ تَطليقَ النِّساءِ، على أنه إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيةِ الإجارةَ والمُتعةَ فقدْ صارَتْ مَنسوخةً بما تَلَوْنَا مِنْ الآياتِ ورَوَينا مِنْ الأحاديثِ، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] نسَخَه قَولُه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
وعنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قالَ: المتعةُ بالنِّساءِ مَنسوخةٌ، نسَخَتْها آيةُ الطلاقِ، والصَّداقُ والعدَّةُ والمَوارِيثُ والحُقوقُ التي يَجبُ فيها النكاحُ، أي: النكاحُ هوَ الذي تَثبتُ بهِ هذهِ الأشياءُ ولا يَثبتُ شيءٌ منها بالمتعةِ واللهُ أعلمُ.
وأمَّا الثاني: فهو أنْ يقولَ: «أتزوَّجُكِ عَشرةَ أيامٍ» ونحوَ ذلكَ، وأنه فاسِدٌ عندَ أصحابِنا الثلاثةِ، وقالَ زُفرُ: النكاحُ جائزٌ وهو مُؤبَّدٌ والشَّرطُ باطلٌ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: نكاحُ المتعةِ اتَّفقَ الأئمَّةُ الأربَعةُ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٢، ٢٧٤)، و «الاختيار» (٣/ ١١١، ١١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٣٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يبطل به الخيار
بُطْلَانٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهَا فَسْخٌ عِنْدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَأْتِي فِي مَوْضِعهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
وَالْمَرْأَةُ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهَا الْقَاضِي، وَهُوَ التَّأْجِيلُ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْقَاضِي، فَكَذَا الْفُرْقَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَفُرْقَةِ اللِّعَانِ.
(وَجْهُ) الْمَذْكُورِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَخْيِيرَ الْمَرْأَةِ مِنْ الْقَاضِي تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا، فَكَانَ اخْتِيَارُهَا الْفُرْقَةَ تَفْرِيقًا مِنْ الْقَاضِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا مِنْهَا، وَالْقَاضِي يَمْلِكُ ذَلِكَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الزَّوْجِ، وَهَذِهِ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيقِ تَخْلِيصُهَا مِنْ زَوْجٍ لَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيفَاءُ حَقِّهَا دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَالضَّرَرِ عَنْهَا، وَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبَائِنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا يُرَاجِعُهَا الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّفْرِيقِ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَلَا يُفِيدُ التَّفْرِيقُ فَائِدَتَهُ، وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْإِجْمَاعِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ خَلَا بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْلُ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ مُسَمًّى، وَالْمُتْعَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى، وَإِذَا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب أجل العنين والخصى غير المجبوب
باب أجَلِ العِنِّينِ والخَصِىِّ غيرِ المَجْبُوبِ
العنِّينُ: هو العاجزُ عن الإِيلاجِ. وهو مَأْخُوذٌ من عَنَّ. أى: اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذا أرَادَ إِيلاجَه، أى يَعْتَرِضُ، والعَنَنُ الاعْتِراضُ. وقيل: لأنَّه يَعِنُّ لِقُبُلِ المَرْأةِ عن يَمينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه. فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيْبٌ به، ويُسْتَحَقُّ به فَسْخُ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والنَّخَعِىُّ، وقتادةُ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ. وعليه فَتْوى فُقَهاءِ الأمْصارِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وشَذَّ الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهى امْرَأتُه. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ امْرأةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يارسولَ اللَّه، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلَاقِى، فتزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بن الزُّبَيْرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: "تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" . ولم يَضْرِبْ له مُدّةً. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجَّلَ الغِنِّينَ سَنَةً. ورَوَى ذلك الدَّارَقُطْنِىُّ ، بإسْنادِه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ. ولا مُخالِفَ لهم. ورَواه أبو حَفْصٍ عن علىٍّ. ولأنَّه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ فى الرَّجُلِ، والرَّتْقِ فى المرأةِ، فأمَّا الخَبَرُ، فلا
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.