رابعا: النكاح بنية الطلاق

الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > رابعا: النكاح بنية الطلاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

رابعا: النكاح بنية الطلاق - الأقوال والأدلة

رابعًا: النِّكاحُ بنيَّةِ الطَّلاقِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ تزوَّجَ امرأةً وفي نيَّتِهِ طلاقُها بعدَ مُدَّةٍ أنَّ نكاحَهُ صحيحٌ وأنَّهُ ليسَ بنكاحِ مُتعةٍ إلا قولًا للحَنابلةِ يأتِي بَيانُه.

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقالوا كلُّهُم ما خَلا الأوزاعيَّ: إنهُ إذا نَكَحَ المرأةَ نكاحًا صَحيحًا بغيرِ شرطٍ ولكنَّهُ نَوى أنْ لا يحبِسَها إلَّا شهرًا أو مُدَّةً معلومةً فإنَّهُ لا بأسَ بهِ، ولا تضرُّهُ نيَّتُهُ إذا لم يكنْ ذلكَ مِنْ شروطِ نكاحِهِ.

قالَ مالكٌ: وليسَ على الرجلِ إذا نَكَحَ أنْ ينوي حَبْسَ امرأتِهِ وحَبْسُهُ إنْ وافقتْهُ وإلَّا طلَّقَها، وقالَ الأوزاعيُّ: لو تزوَّجَها بغيرِ شرطٍ ولكنَّهُ ينوي أنْ لا يحبِسَها إلَّا شهرًا أو نحوَهُ ويطلِّقُها فهوَ متعةٌ ولا خيرَ فيهِ (١).

وقالَ النوويُّ رحمة الله عليه: قالَ القاضي عِياضٌ: وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ نَكَحَ نكاحًا مُطلَقًا ونيَّتُهُ أنْ لا يمكثَ معَها إلَّا مُدَّةً نواها فنكاحُهُ صحيحٌ حَلالٌ وليسَ نكاحَ مُتعةٍ، وإنَّما نكاحُ المُتعةِ ما وقَعَ بالشرطِ المَذكورِ، ولكنْ قالَ مالكٌ: ليسَ هذا مِنْ أخلاقِ الناسِ، وشذَّ الأوزاعيُّ فقالَ: هوَ نكاحُ مُتعةٍ ولا خيرَ فيهِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «التمهيد» (١٠/ ١٢٢، ١٢٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٨٢).

وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: ولو تزوَّجَها وفي نيَّتِهِ أنْ يقعدَ معَها مُدَّةً نواها فالنكاحُ صحيحٌ؛ لأنَّ التوقيتَ إنَّما يكونُ باللفظِ (١).

وقالَ الإمامُ بدرُ الدِّينِ العينيُّ رحمة الله عليه: قالَ شيخُنا زينُ الدِّينِ في «شرحِ الترمذيِّ»: نكاحُ المُتعةِ المُحرَّمُ هوَ ما إذا خرَجَ بالتوقيتِ فيهِ، أمَّا إذا كانَ في تعيينِ الزوجِ أنَّه لا يُقِيمُ معَها إلَّا سنَةً أو شهرًا أو نحوَ ذلكَ ولم يَشتَرِطْ ذلكَ فإنَّه نكاحٌ صحيحٌ عندَ عامَّةِ أهلِ العلمِ ما عدا الأوزاعيَّ فإنَّه قالَ في هذهِ الصورةِ: هوَ مُتعةٌ ولا خيرَ فيهِ (٢).

وقالَ المالِكيةُ: حَقيقةُ نكاحِ المُتعةِ الذي يُفسَخُ أبدًا أنْ يقعَ العقدُ معَ ذِكرِ الأجَلِ للمرأةِ أو وليِّها، وأمَّا إذا لم يَقعْ ذلكَ في العقدِ ولم يُعلِمْها الزوجُ بذلكَ وإنَّما قَصَدَه في نفسِهِ وأضمَرَ في نفسِهِ أنْ يتزوَّجَها مثلًا ما دامَ في هذهِ البلدةِ أو مدَّةً كسَنةٍ ثمَّ يُفارقُها بعدَ مدَّةٍ فإنَّهُ لا يضرُّ اتفاقًا وليسَ بنكاحِ مُتعةٍ، ولو فهمَتِ المرأةُ أو وليُّها مِنْ حالهِ ذلكَ لا يضرُّ أيضًا على الراجحِ في المَذهبِ، وهيَ فائدةٌ تَنفعُ المُتغرِبَ، وقيلَ: إنْ فهمَتْ منهُ الأمرَ الذي قَصَدَه في نفسِهِ لم يَصحَّ وهوَ فاسدٌ، والصحيحُ الأوَّلُ (٣).

قالَ الموَّاقُ رحمة الله عليه: وسَمِعَ ابنُ القاسمِ: لا بأسَ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ مِنْ

(١) «البحر الرائق» (٣/ ١١٦).
(٢) «البناية شرح الهداية» (٥/ ٦٢).
(٣) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٤٩٧)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥١٤)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٨٥).

نيَّتِه قَضاءُ إربِه ويُطلِّقُها، وليسَ مِنْ أخلاقِ الناسِ، ابنُ رُشدٍ: هذا إنْ لم يَشترطْ ذلكَ (١).

وقالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمة الله عليه: أصلُ ما أَذهبُ إليهِ أنَّ كلَّ عَقدٍ كانَ صَحيحًا في الظاهرِ لم أُبطِلْهُ بتُهمةٍ ولا بعادةٍ بَينَ المتبايعَينِ، وأجزْتُهُ بصحةِ الظاهرِ، وأكرهُ لهُما النيَّةَ إذا كانَتِ النيَّةُ لو أُظهرَتْ كانتْ تُفسِدُ البيعَ، وكما أكرَهُ للرجلِ أنْ يَشتريَ السيفَ على أنْ يَقتُلَ بهِ، ولا يَحرمُ على بائعِهِ أنْ يَبيعَه ممَّن يراهُ أنَّه يَقتلُ بهِ ظُلمًا؛ لأنه قد لا يَقتلُ بهِ، ولا أُفسِدُ عليهِ هذا البيعَ، وكما أكرَهُ للرجلِ أنْ يَبيعَ العنبَ ممَّن يراهُ أنَّه يَعصرُه خَمرًا، ولا أُفسدُ البيعَ إذا باعَهَ إياهُ؛ لأنَّه باعهُ حَلالًا، وقد يُمكِنُ أنْ لا يَجعلَهُ خَمرًا أبدًا، وفي صاحبِ السيفِ أنْ لا يَقتُلَ بهِ أحدًا أبدًا، وكمَا أُفسِدُ نكاحَ المتعةِ.

ولو نَكَحَ رجلٌ امرأةً عَقدًا صَحيحًا وهوَ ينوي أنْ لا يمسِكَها إلَّا يومًا أو أقلَّ أو أكثَرَ لم أُفسِدِ النكاحَ، إنَّما أُفسِدُه أبدًا بالعقدِ الفاسدِ (٢).

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ أيضًا: وإنْ قَدِمَ رجلٌ بلدًا وأحَبَّ أنْ يَنكحَ امرأةً ونيَّتُه ونيَّتُها أنْ لا يُمسكَها إلَّا مُقامَه بالبلدِ أو يومًا أو اثنَينِ أو ثلاثةً كانَتْ على هذا نيَّتُه دونَ نيَّتِها أو نيَّتُها دونَ نيَّتِهِ أو نيَّتهُما معًا ونيَّةُ الوليِّ، غير أنَّهُما إذا عَقَدَا النكاحَ مُطلَقًا لا شرْطَ فيهِ فالنكاحُ ثابتٌ ولا تُفسِدُ النيَّةُ مِنَ النكاحِ شيئًا؛ لأنَّ النيَّةَ حديثُ نَفسٍ، وقد وُضِعَ عنِ الناسِ ما حدَّثُوا بهِ أنفسَهُم،

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥١٤).
(٢) «الأم» (٣/ ٧٤).

وقدْ يَنوي الشيءَ ولا يَفعلُه، وينويهِ ويَفعلُه، فيكونُ الفعلُ حادثًا غيرَ النيَّةِ، وكذلكَ لو نَكَحَها ونيَّتُه ونيَّتهَا أو نيَّةُ أحدِهِما دونَ الآخَرِ أنْ لا يُمسكَها إلَّا قَدْرَ ما يُصيبُها فيُحلِّلَها لزَوجِها ثبَتَ النكاحُ، وسواءٌ نوى ذلكَ الوليُّ معَهُما أو نوَى غيرَه أو لم ينوِهِ ولا غيرَهِ والوالي والوليُّ في هذا لا معنَى لهُ أنْ يُفسِدَ شيئًا ما لم يَقَعِ النكاحُ بشَرطٍ يُفسِدُه.

قالَ الشافِعيُّ: ولو كانَتْ بينَهما مُراوَضةٌ فوعَدَها إنْ نكَحَها أنْ لا يُمسِكَها إلَّا أيامًا أو إلَّا مُقامَه بالبلدِ أو إلَّا قدْرَ ما يُصيبُها كانَ ذلكَ بيَمينٍ أو غيرِ يَمينٍ فسَواءٌ، وأكرَهُ لهُ المُراوضةَ على هذا، ونَظرْتُ إلى العقدِ؛ فإْن كانَ العقدُ مُطلَقًا لا شرْطَ فيهِ فهوَ ثابتٌ؛ لأنَّه انعقدَ لكلِّ واحدٍ منهُما على صاحبِهِ ما للزوجَينِ، وإنِ انعقدَ على ذلكَ الشرطِ فسَدَ وكانَ كنكاحِ المُتعةِ، وأيُّ نكاحٍ كانَ صحيحًا وكانَتْ فيهِ الإصابةُ أَحصَنَتِ الرَّجلَ والمرأةَ إذا كانَتْ حُرَّةً، وأَحَلَّتِ المرأةَ للزوجِ الذي طلَّقَها ثلاثًا، وأوجَبَتِ المهرَ كلَّهُ، وأقلُّ ما يكونُ مِنَ الإصابةِ حتَّى تكونَ هذهِ الأحكامُ أنْ تغيبَ الحشَفةُ في القُبلِ نَفسِه.

وأيُّ نكاحٍ كانَ فاسِدًا لم يُحْصِنِ الرَّجلَ ولا المرأةَ، ولم يُحلِّلْها لزوجِها، فإنْ أصابَها فلها المهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها.

قالَ الشافعيُّ: فإنْ قالَ قائلٌ: فهلْ فيما ذكَرْتَ مِنْ أنَّ الرجلَ يَنكحُ يَنوي التَّحليلَ مُراوضةً أو غيرَ مُراوضةٍ فإذا لم يَنعقدِ النكاحُ على شرطٍ كانَ النكاحُ ثابتًا خبَرٌ عن أحدٍ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ أو مَنْ دونَهم؟

قيلَ: فيما ذكَرْنَا مِنَ النهيِ عنِ المُتعةِ وأنَّ المُتعةَ هيَ النكاحُ إلى أَجَلٍ كفايةٌ، وقد أخبَرَنا مُسلمُ بنُ خالدٍ عن ابنِ جُريجٍ عن سيفِ بنِ سُليمانَ عن مُجاهدٍ قالَ: «طلَّقَ رَجلٌ مِنْ قُريشٍ امرأةً لهُ فبَتَّها، فمرَّ بشَيخٍ وابنٍ لهُ مِنَ الأعرابِ في السوقِ قَدِمَا بتجارةٍ لهُما، فقالَ للفتى: هل فيكَ مِنْ خَيرٍ؟ ثُمَّ مضَى عنه، ثُمُّ كرَّ عليهِ فكَمِثْلِها، ثُمَّ مضَى عنهُ ثُمَّ كرَّ عليهِ فكَمِثلِها، قالَ: نعم، قالَ: فأَرِني يدَكَ، فانطلقَ بهِ فأخبَرَه الخبَرَ وأمَرَه بنكاحِها، فنكَحَها فباتَ معَها، فلمَّا أصبَحَ استَأذنَ فأَذِنَ لهُ، فإذا هوَ قدْ ولَّاها الدُّبرَ، فقَالَتْ: واللهِ لَئِنْ طلَّقَني لا أَنكِحُكَ أبدًا، فذكَرَ ذلكَ لعُمرَ فدَعاهُ فقالَ: لو نَكَحْتَها لَفعَلَتُ بكَ كذا وكذا، وتَوعَّدَه، ودَعا زوْجَها فقالَ: الْزَمْها».

أخبَرَنا سَعيدٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عن مُجاهدٍ عن عُمرَ مثلَهُ، أخبَرَنا سُعيدُ بنُ سالمٍ عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: أُخبِرْتُ عنِ ابنِ سِيرينَ أنَّ امرأةً طلَّقَها زَوجُها ثلاثًا، وكانَ مِسكينٌ أعرابيٌّ يَقعدُ ببابِ المسجدِ، فجاءَتهُ امرأةٌ فقالَتْ لهُ: هلْ لكَ في امرأةٍ تَنكِحُها فتَبِيتُ معَها الليلةَ فتُصبحُ فتُفارِقَها؟ فقالَ: نعمْ، وكانَ ذلكَ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ: إنَّكَ إذا أصبَحْتَ فإنَّهمْ سيَقولونَ لكَ: فارِقْها، فلا تَفعلْ، فإنِّي مُقيمةٌ لكَ ما تَرى، واذهَبْ إلى عُمرَ، فلمَّا أصبَحَتْ أتَوهُ وأتُوها فقالَتْ: كَلِّموه فأنتُم جِئتُم بهِ، فكلَّمُوه فأَبى وانطَلقَ إلى عُمَرَ فقالَ: الْزَمِ امرأتَكَ، فإِنْ رابُوكَ برَيبٍ فائْتِني، وأرسَلَ إلى المرأةِ التي مَشتْ بذلكَ فنكَّلَ بها، ثُمَّ كانَ يَغدو إلى عُمرَ ويَروحُ في حُلَّةٍ فيَقولُ: الحَمدُ للهِ الذي كَسَاكَ يا ذا الرُّقعتَينِ حُلَّةً تَغدو فيها وتَروحُ.

قالَ الشافعيُّ: وقد سَمِعتُ هذا الحديثَ مُسنَدًا مُتصِلًا عنِ ابنِ سِيرينَ يُوصلُه عن عُمرَ بمثلِ هذا المعنَى (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ تزوَّجَها بغيرِ شرطٍ إلَّا أنَّ في نيَّتِهِ طلاقُها بعدَ شهرٍ أو إذا انقَضتْ حاجتُهُ في هذا البلدِ فالنكاحُ صَحيحٌ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الأوزاعيَّ قالَ: هوَ نكاحُ متعةٍ، والصحيحُ أنَّه لا بأسَ بهِ ولا تَضرُّ نيَّتهُ، وليسَ على الرجلِ أنْ يَنويَ حبْسَ امرأتِهِ، وحَسبُه إنْ وافَقَتْه، وإلَّا طلَّقَها (٢).

إلَّا أنَّ الحَنابلةَ قالوا: إنَّ الغريبَ إذا تَزوَّجَ امرأةً بنيَّةِ طلاقِها إذا خرَجَ ليَعودَ إلى وطنِهِ فالنكاحُ باطلٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالمتعةِ، وكذا إذا نوَى بقلبِه أنهُ يطلِّقُها بعدَ وَقتِ كذا (٣).

وسُئِلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن رَجلٍ ركَّاضٍ يَسيرُ في البلادِ في كلِّ مدينةٍ شهرًا أو شهرَينِ ويَعزلُ عنها ويَخافُ أنْ يقَعَ في المَعصيةِ، فهل لهُ أنْ يتزوَّجَ في مُدَّةِ إقامتِهِ في تلكَ البلدةِ وإذا سافَرَ طلَّقَها وأعطَاها حقَّهَا أو لا؟ وهل يَصحُّ النكاحُ أم لا؟

فأجابَ: لهُ أنْ يتزوَّجَ، لكنْ يَنكحُ نكاحًا مُطلَقًا لا يَشترطُ فيهِ توقيتًا

(١) «الأم» (٥/ ٨٠، ٨١).
(٢) «المغني» (٧/ ١٣٧).
(٣) «الروض المربع» (٢/ ٣٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٩٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٢٧).

بحَيثُ يكونُ إنْ شاءَ مسَكَها وإنْ شاءَ طَلَّقَها، وإنْ نوَى طلاقَها حَتمًا عندَ انقضاءِ سفرِهِ كُرِهَ في مثلِ ذلكَ وفي صحَّةِ النكاحُ نِزاعٌ، ولو نوَى أنَّه إذا سافرَ وأعجبَتْهُ أمسَكَها وإلَّا طلَّقَها جازَ ذلكَ، فأمَّا أنْ يَشترطَ التوقيتَ فهذا نكاحُ المتعةِ الذي اتَّفقَ الأئمةُ الأربعةُ وغيرُهم على تَحريمِهِ، وإنْ كانَ طائفةٌ يُرخِّصونَ فيهِ إمَّا مُطلَقًا وإمَّا للمُضطرِّ كما قد كانَ ذلكَ في صَدرِ الإسلامِ، فالصوابُ أنَّ ذلكَ مَنسوخٌ كما ثبتَ في الصحيحِ أنَّ النبيَّ بعدَ أنْ رَخَّصَ لهم في المتعةِ عامَ الفتحِ قالَ: «إنَّ اللهَ قد حَرَّمَ المتعةَ إلى يومِ القيامةِ»، والقرآنُ قد حَرَّمَ أنْ يطَأَ الرجلُ إلَّا زوجةً أو مَملوكةً بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)[المعارج: ٢٩ - ٣١]، وهذهِ المُستمتَعُ بها ليسَتْ مِنَ الأزواجِ ولا ما مَلكتِ اليمينُ، فإنَّ اللهَ قد جعَلَ للأزواجِ أحكامًا مِنَ الميراثِ والاعتدادِ بعدَ الوفاةِ بأربعةٍ أشهرٍ وعشرٍ وعدَّةِ الطَّلاقِ ثَلاثةَ قُروءٍ ونحوِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ التي لا تَثبتُ في حقِّ المُستمتَعِ بها، فلو كانَتْ زوجةً لَثبَتَ في حقِّها هذهِ الأحكامُ، ولهذا قالَ مَنْ قالَ مِنَ السلفِ: إنَّ هذهِ الأحكامَ نَسختِ المُتعةَ، وبَسْطُ هذا طويلٌ وليسَ هذا مَوضِعَه.

وإذا اشتُرطَ الأجَلُ قبلَ العقدِ فهوَ كالشرطِ المُقارِنِ في أصَحِّ قولَي العُلماءِ، وكذلكَ في نكاحِ المُحلِّلِ، وأمَّا إذا نوى الزوجُ الأجَلَ ولم يُظهِرْه للمرأةِ فهذا فيهِ نزاعٌ، يُرخِّصُ فيهِ أبو حنيفةَ والشافِعيُّ، ويكرَهُه مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما، كما أنَّه لو نَوَى التحليلَ كانَ ذلكَ ممَّا اتفقَ الصحابةُ على

النهيِ عنهُ وجَعلُوهُ مِنْ نكاحِ المُحلِّلِ، لكنَّ نكاحَ المُحلِّلِ شرٌّ مِنْ نكاحِ المُتعةِ، فإنَّ نكاحَ المُحلِّلِ لم يُبَحْ قطُّ، إذْ ليسَ مَقصودُ المُحلِّلِ أنْ يَنكحَ، وإنَّما مَقصودُه أنْ يُعيدَها إلى المُطلِّقِ قبلَه، فهوَ يُثبِتُ العقدَ ليُزيلَه، وهذا لا يكونُ مَشروعًا بحالٍ، بخلافِ المُستمتِعِ؛ فإنَّ لهُ غَرضًا في الاستمتاعِ، لكنَّ التأجيلَ يُخلُّ بمَقصودِ النكاحِ مِنْ المَودَّةِ والرحمةِ والسَّكَنِ، ويَجعلُ الزوجةَ بمَنزلةِ المُستأجَرةِ، فلهذا كانَتِ النيَّةُ في نكاحِ المُتعةِ أخفَّ مِنَ النيَّةِ في نكاحِ المُحلِّلِ، وهوَ يتردَّدُ بينَ كراهةِ التحريمِ وكراهةِ التنزيهِ، وأمَّا العزلُ فقد حرَّمَهُ طائفةٌ مِنْ العلماءِ، لكنَّ مَذهبِ الأئمةِ الأربَعةِ أنَّه يَجوزُ بإذنِ المرأةِ، واللهُ أعلمُ (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٠٧، ١٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع إلا بالنية والطلاق من الجامع من كتاب الرجعة ومن

(بَابُ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنَ الْكَلَامِ وما لا يقع إلا بالنية والطلاق من الجامع من كتاب الرجعة ومن كتاب النكاح ومن إملاء مسائل مالك وغير ذلك)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ: (ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ فِي كِتَابِهِ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءَ الطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الطَّلَاقُ فَلَا يَقَعُ إِلَّا بِالْكَلَامِ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْكَلَامِ. وَلَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، فَلَوْ نَوَى طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لَمْ تُطَلَّقْ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ تُطَلَّقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ نَوَى طَلَاقَ امْرَأَتِهِ طُلِّقَتْ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِنِيَّةِ الرِّدَّةِ، جَازَ أَنْ تقع الطَّلَاقُ وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ بِنِيَّةِ أَنْفُسِهَا) .

وَالنِّيَّةُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ. فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إِزَالَةُ مِلْكٍ وَالْمِلْكُ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ أَحَدُ طَرَفَيِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَصِحَّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعَقْدِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب تصريح الطلاق وغيره

بابُ تصْريحِ الطَّلاقِ وغيره

وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلا بلَفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفظٍ، لم يَقَعْ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيْدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالِمٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهرِىُّ: إذا عزَمَ على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ، فى من طَلَّقَ فى نفسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّهُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ" . رَوَاه النَّسائىُّ، والتِّرمذىُّ . وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصرُّف يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحْصُلْ بالنِّيَّةِ كالبيعِ والهِبَةِ. وإن نَواهُ بقلبه، وأشارَ بأصابعِه، لم يَقعْ أيضًا؛ لما ذكَرْناه. إذا ثَبَتَ أنَّه يُعتبرُ فيه اللَّفظُ، فاللَّفظُ يَنْقسِمُ فيه إلى صريحٍ وكنايةٍ، فالصَّريحُ يقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، والكنايةُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مقامَ نِيَّتِه.

١٢٥٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ. لَزِمَهَا الطَّلَاقُ)

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الأولى في أنواع الطلاق

كِتَابُ الطَّلَاقِ

الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ

كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ:

; الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ.

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ.

الْجُمْلَةُ الْأُولَى

وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ الْبِدْعِيِّ.

وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْخُلْعِ.

الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الْفَسْخِ.

الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 248 - 255

ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله