الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > سابعا: نكاح المريض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةسابِعًا: نِكاحُ المَريضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ المَريضِ؛ هل يصحُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى عدمِ صِحةِ نكاحِ المَريضِ ولا المَريضةِ ولا هُما معًا، سواءٌ كانَ مَرضًا مَخُوفًا اتفاقًا، أو غيرَ مَخُوفٍ على المَشهورِ، وسواءٌ أَذِنَ له الوارثُ الرشيدُ في ذلكَ أم لا على المشهورِ؛ لاحتمالِ موتِ الآذِنِ قبلَ موتِ المَريضِ، ويكونُ الوارثُ لذلكَ المريضِ غيرَ الآذنِ، فلمَّا احتَملَ ذلكَ كانَ إذنُ الوارثِ لهُ بمَنزلةِ العَدمِ.
وسواءٌ احتاجَ المريضُ إلى النكاحِ أم لا على المَشهورِ الراجحِ؛ للنهيِ عن إدخالِ وارثٍ، وإنما لم يُمنَعْ مِنْ وَطءِ زوجتِه لأنَّ في النكاحِ إدخالُ وارثٍ مُحقَّقٍ، وليسَ عن كلِّ وَطءٍ حَملٌ.
وفي قولٍ -قالَ في «الجواهرِ»: إنهُ المشهورُ، أنَّ مَنْعَ النِّكاحِ المَذكورِ وإنْ أَذِنَ الوارثُ مقيَّدٌ بعدمِ الاحتياجِ إلى النكاحِ أو إلى مَنْ يقومُ به ويَخدمُهُ في مَرضهِ، وعليهِ إنِ احتاجَ إلى ذلكَ جازَ لهُ النكاحُ وإنْ مَنَعَهُ الوارثُ منهُ.
ويلحَقُ بالمريضِ في ذلكَ كلُّ مَحجورٍ مِنْ حاضِرِ صَفِّ القتالِ ومُقرَّبٍ لقَطعٍ ومَحبوسٍ لقَتلٍ وحامِلِ سِتَّةٍ بأنْ يكونَ زَوجُها طلَّقَها بائنًا دونَ الثَّلاثِ وأرادَ أنْ يَعقدَ عليها بعدَ مُضيِّ سِتةِ أشهُرٍ فأكثَرَ مِنْ حَملِها، فإنه لا يَجوزُ له ذلكَ ولا لها؛ لأنها مَحجورٌ عليها في تلكَ الحالةِ.
وللمَريضةِ التي فُسخَ نكاحُها بعدَ الدُّخولِ المسمَّى، فإذا تزوَّجَتْ حالَ مَرضِها ودخَلَ بها الزوجُ فإنه يُقضَى لها مِنْ رأسِ مالِه بالمسمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ
وإنْ حَرُمَ، ومثلُ الدُّخولِ موتُه، فيُقضَى لها به مِنْ رأسِ مالِه، أو مَوتُها قبْلَه وقبْلَ الفَسخِ، ولا ميراثَ لمَن بقيَ حيًّا بعدَ موتِ صاحبِه.
وإذا تزوَّجَ المريضُ مَرضًا مَخوفًا في مَرضِه ودخَلَ ولم يُفسَخِ النِّكاحُ فتارَةً يَموتُ فيكونُ عليه مِنْ ثُلثِ مالِه الأقلُّ مِن المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ، فإنْ كانَ الثَّلثُ أقلَّ منهُما أخَذَتْه فقطْ، فتَحصَّلَ مِنْ ذلكَ أنَّ عليه الأقلَّ مِنْ الثلاثةِ أشياءَ: الثَّلثِ والمُسمَّى وصَداقِ المثلِ.
وتارةً يَصحُّ مِنْ المَرضِ فلا يُفسخُ النكاحُ، فتأخُذُ المسمَّى مِنْ رأسِ مالِه.
ومتَى عُثرَ عليه فُسِخَ ولو بعدَ البناءِ ولو حائِضًا، فإنْ فُسخَ قبلَ الدخولِ فلا شيءَ عليهِ، إلا أنْ يَصحَّ المَريضُ فلا يُفسَخُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ نكاحُ المَريضِ ولو كانَ مرَضَ الموتِ، إلا أنه لا تَصحُّ الزيادةُ عن مَهرِ المثلِ، ومَهرُها دَينٌ مِنْ جميعِ المالِ كسائرِ الديونِ.
وهكذا المَريضةُ إذا نكَحَتْ رجلًا صَحيحًا صَحَّ نكاحُها ووَرثَها الزوجُ، وعليهِ صَداقُها إنْ كانَ مهرَ المثلِ فما زادَ، فإنْ نكَحَتْه بأقلَّ مِنْ صَداقِ مثلِها بالمُحاباةِ فالنُّقصانُ وَصيةٌ له، فتُردُّ إنْ كانَ وارِثًا، وتَمضِي في الثلثِ إنْ كانَ الزَّوجُ غيرَ وارثٍ.
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «الكافي» ص (٢٤٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٣٢، ١٣٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٩٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٠١، ١٠٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٤٨، ٦٥١).
والدليلُ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يُفرِّقْ بينَ صَحيحٍ ومَريضٍ، ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضي الله عنه أنه قالَ في مرَضِه: «زوِّجُوني لِئلَّا ألقَى اللهَ عَزْبًا»، ورُويَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «لو لم يَبْقَ مِنْ أجَلِي إلا عَشرةُ أيامٍ ما أحبَبْتُ إلا أنْ تكونَ لي زَوجةٌ»، ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه أنَّ الزُّبيرَ رضي الله عنه دخَلَ على قُدامةَ يَعودُه فبَصرَ عندَه بجاريةٍ، فقالَ قُدامةُ: زوِّجْنِي بها، فقالَ: ما تَصنعُ بها وأنتَ على هذهِ الحالةِ؟ فقالَ: إنْ أنا عِشْتُ نسَبْتُ الزُّبيرَ، وإنْ متُّ فهُمْ أحَقُّ مَنْ يَرثنِي».
ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يُمنَعْ مِنْ التَّسرِّي بالإماءِ لم يُمنَعْ مِنْ نكاحِ الحَرائرِ كالصَّحيحِ، ولأنه فِراشٌ لا يُمنَعُ منه الصحيحِ، فوجَبَ ألا يُمنعَ منه المَريضُ كالاستِمتاعِ بالإماءِ، ولأنه عقدٌ، فلمْ يَمنعْ منه المرضُ كالبيعِ والشراءِ، ولأنه لا يَخلُو عقدُه مِنْ أنْ يكونَ لحاجةٍ أو لِشهوةٍ، فإنْ كانَ لحاجةٍ لم يَجُزْ منعُه، وإنْ كانَ لشهوةٍ فهي مُباحةٌ له كما أُبيحَ له أنْ يَلتزمَ بما شاءَ مِنْ أكلٍ أو لبسٍ.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بالتُّهمةِ ودُخولِ الضَّررِ فهو أنَّ التُّهمةَ تَبعُدُ عمَّن هو في مَرضِ موتِه؛ لأنه في الأغلبِ يَقصدُ وجْهَ اللهِ ﷿، والضررُ لا يَمنعُ مِنْ جوازِ العُقودِ كالبيعِ، ولأنه إنْ كانَ ضَررًا لوَرثتِه فهو مَنفعةٌ لنَفسِه، وهو أحَقُّ بمَنفعةِ نَفسِه مِنْ منفعةِ وَرثتِه.
فأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ فيه مُزاحَمةً لبعضِ الوَرثةِ ودفْعًا
لبَعضِهم فهو أنَّ ما لم تَمنعِ الصِّحةُ منه لم يَمنعِ المرضُ منه كالإقرارِ بوارثٍ وكالاستِيلاءِ للأمَةِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ويَجوزُ للمريضِ أنْ يَنْكِحَ جَميعَ ما أحَلَّ اللهُ تعالَى أربعًا وما دُونَهنَّ كما يَجوزُ له أنْ يَشتري، فإذا أصَدَقَ كلَّ واحدةٍ مِنهنَّ صداقَ مثلِها جازَ لها مِنْ جَميعِ المالِ، وأيتهنَّ زادَ على صَداقِ مثلِها فالزيادةُ مُحاباةٌ، فإنْ صَحَّ قبلَ أنْ يموتَ جازَ لها مِنْ جَميعِ المالِ، وإنْ ماتَ قبلَ أنْ يصحَّ بَطلَتْ عنها الزِّيادةُ على صَداقِ مِثلِها وثبَتَ النكاحُ وكانَ لها الميراثُ …
ولو نكَحَ المريضُ فزادَ المَنكوحةَ على صَداقِ مثلِها ثمَّ صحَّ ثمَّ ماتَ جازَتْ لها الزيادةُ؛ لأنهُ قد صَحَّ قبلَ أنْ يموتَ فكانَ كمَنِ ابتَدأَ نكاحًا وهوَ صحيحٌ، ولو كانتِ المسألةُ بحالِها ثُمَّ لم يَصحَّ حتى ماتَتِ المَنكوحةُ فصارَتْ غيرَ وارثٍ كانَ لها جَميعُ ما أصدَقَها صَداقُ مثلِها مِنْ رأسِ المالِ والزِّيادةُ مِنَ الثلُثِ، كما يكونُ ما وهَبَ لأجنَبيةٍ فقَبضَتْه مِنَ الثُّلثِ، فما زادَ مِنْ صَداقِ المرأةِ على الثُلثِ إذا ماتَتْ مِثلُ المَوهوبِ المَقبوضِ.
(قالَ الشافِعيُّ): ولو كانَتِ المَسألةُ بحالها والمُتزوجةُ ممَّن لا تَرثُ بأنْ تكونَ ذمِّيةً ثم ماتَ وهيَ عندَه جازَ لها جَميعُ الصداقِ صَداقُ مثلِها مِنْ جميعِ المالِ والزيادةُ على صَداقِ مثلِها مِنَ الثلثِ؛ لأنها غيرُ وارثٍ، ولو أسلَمَتْ فصارَتْ وارثًا بطَلَ عنها ما زادَ على صداقِ مثلِها.
(قالَ الشافِعيُّ): ولو نكَحَ المريضُ امرأةً نكاحًا فاسِدًا ثمَّ ماتَ لم تَرثْه ولم يَكنْ لها مَهرٌ إنْ لم يَكنْ أصابَها، فإنَ كانَ أصابَها فلها مَهرُ مثلِها كانَ أقلَّ مما سمَّى لها أو أكثَرَ (١).
وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن مَريضٍ تزوَّجَ في مرضِهِ فهلْ يَصحُّ العقدُ؟
فأجابَ: نكاحُ المريضِ صَحيحٌ تَرثُ المرأةُ في قولِ جَماهيرِ عُلماءِ المسلمِينَ مِنَ الصحابةِ والتابعِينَ، ولا تَستحقُّ إلا مهْرَ المثلِ، لا تَستحقُّ الزيادةَ على ذلكَ بالاتِّفاقِ (٢).
وقالَ أبو بَكرٍ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: بابُ نكاحِ المَريضِ:
أباحَ اللهُ النكاحَ في كتابِه وندَبَ إليهِ، والنِّكاحُ مَندوبٌ إليهِ، والمَريضُ غيرُ مَمنوعٍ منهُ.
وممَّن روينَا إباحةَ ذلكَ عنهُ الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ وقُدامةُ بنُ مَظعونٍ وعبدُ الملكِ بنُ مَروانَ والحسَنُ البَصريُّ والشعبيُّ والنخَعيُّ، وبهِ قالَ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وأصحابُ الرأيِ، وهوَ مذهبُ الشافِعيِّ.
(١) «الأم» (٤/ ١٠٣، ١٠٤)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٥١، ٣٥٢)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٤٣، ٢٤٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩).
وفيهِ قولٌ ثانٍ: وهو أنَّ مَنْ نكَحَ وهو مَريضٌ لا تَرِثُه إذا فعَلَ ذلك ضِرارًا، هذا قولُ الزُّهريِّ، وبه قالَ مالِكٌ، وقالَ القاسِمُ وسالمٌ: إنْ كان فعَلَ ذلك ضِرارًا مُضارًّا لم يَجُزْ، فإنْ لم يَكنْ مُضارًّا جازَ.
وقالَ مالكٌ: إنْ لم يَدخلْ بها فُرِّقَ بينَهُما ولا مهْرَ لها، فإنْ دخَلَ بها فلها مَهرُها؛ لِمَا استَحلَّ مِنْ فرْجِها، يُبدأُ به قبلَ الوَصايا والعتقِ.
وقالَ قتادةُ: إنْ كانَ تَزوجَها مِنْ حاجةٍ به إليها مِنْ خِدمةٍ أو قيامٍ فإنها تَرِثُه (١).
وأمَّا الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه فمالَ إلى اعتبارِ المَصلحةِ في ذلكَ، فإنْ دلَّتِ الدلائلُ على أنَّه قصَدَ بالنكاحِ خَيرًا لا يُمنَعُ النكاحَ، وإنْ دلَّتْ على أنه قصَدَ الإضرارَ بورثتِهِ مُنِعَ، كما في أشياءَ مِنَ الصنائعِ، فقالَ رحمة الله عليه: اختَلفُوا في نكاحِ المَريضِ، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: يَجوزُ، وقالَ مالكٌ في المَشهورِ عنهُ: إنهُ لا يجوزُ، ويَتخرَّجُ ذلكَ مِنْ قولِه أنه يُفرَّقُ بينَهما وإنْ صحَّ، ويَتخرَّجُ مِنْ قولِه أيضًا أنهُ لا يُفرَّقُ بينَهما أنَّ التفريقَ مُستحبٌّ غيرُ واجبٍ.
وسببُ اختلافِهم: تَردُّدُ النكاحِ بينَ البيعِ وبينَ الهبةِ؛ وذلكَ أنهُ لا تجوزُ هبةُ المَريضِ إلا مِنَ الثلثِ ويجَوزُ بيعُه.
ولاختِلافِهم أيضًا سَببٌ آخَرُ وهوَ: هل يُتَّهمُ على إضرارِ الورثةِ بإدخالِ وارثٍ زائدٍ أو لا يُتَّهمُ؟
(١) «الإشراف» (٥/ ١٠٦، ١٠٧).
وقياسُ النكاحِ على الهِبةِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنهمُ اتَّفقُوا على أنَّ الهبةَ تجوزُ إذا حَمَلَها الثلثُ، ولم يَعتبِروا بالنكاحِ هُنا بالثلثِ، ورَدُّ جَوازِ النكاحِ بإدخالِ وارثٍ قِياسٌ مَصلحيٌّ لا يَجوزُ عندَ أكثرِ الفُقهاءِ، وكونُه يُوجِبُ مَصالحَ لم يَعتبِرْها الشرعُ إلا في جِنسٍ بَعيدٍ مِنَ الجنسِ الذي يُرامُ فيه إثباتُ الحُكمِ بالمَصلحةِ، حتى أنَّ قومًا رأَوا القولَ بهذا القولِ شَرعٌ زائدٌ، وإعمالُ هذا القياسِ يُوهِنُ ما في الشَّرعِ مِنَ التوقيفِ، وأنه لا تَجوزُ الزيادةُ فيه كما لا يَجوزُ النقصانُ.
والتوقفُ أيضًا عنِ اعتِبارِ المَصالحِ تَطرقٌ للناسِ أنْ يَتسرَّعُوا لعدَمِ السُّننِ التي في ذلك الجِنسِ إلى الظلمِ، فلْنُفوِّضْ أمثالَ هذهِ المَصالحِ إلى العلماءِ بحِكمةِ الشرائعِ الفُضلاءِ الذينَ لا يُتَّهمُونَ بالحكمِ بها، وبخاصةٍ إذا فُهمَ مِنْ أهلِ ذلكَ الزمانِ أنَّ في الاشتغالِ بظواهرِ الشرائعِ تطرُّقًا إلى الظُّلمِ، ووجهُ عَملِ الفاضلِ العالمِ في ذلكَ أنْ يَنظرَ إلى شَواهدِ الحالِ، فإنْ دلَّتِ الدلائلُ على أنَّه قصَدَ بالنكاحِ خَيرًا لا يُمنَعُ النكاحَ، وإنْ دلَّتْ على أنهُ قصَدَ الإضرارَ بورثتِهِ مُنعَ مِنْ ذلكَ، كما في أشياءَ كَثيرةٍ مِنَ الصنائعِ يَعرِضُ فيها للصنَّاعِ الشيءُ وضِدُّه ممَّا اكتَسبُوا مِنْ قُوةِ مِهنَتِهم، إذ لا يُمكنُ أنْ يُحَدَّ في ذلك حَدٌّ مُؤقتٌ صِناعيٌّ، وهذا كثيرًا ما يَعرِضُ في صِناعةِ الطبِّ وغيرِها مِنَ الصنائعِ المُختلِفةِ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٥).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]
عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.
(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ
ــ
منح الجليل
لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ
(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الإرث من الجانبين جميعا
الدُّخُولِ أَمْرًا بَاطِنًا، فَيُقَامُ النِّكَاحُ مَقَامَهُ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»
وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِمَغْرِبِيَّةٍ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ حَقِيقَةً لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ النِّكَاحُ.
فَصْلٌ وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى
(فَصْلٌ) :
وَمِنْهَا وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ ، وقَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ الطلاق: ٧ ، وَقَوْلِهِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ الطلاق: ٦ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِسْكَانِ أَمْرٌ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْكَسْبِ لِكَوْنِهَا عَاجِزَةً بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ لِضَعْفِ بِنْيَتِهَا وَالْكَلَامُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا، وَمِقْدَارُ الْوَاجِبِ مِنْهَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ النَّفَقَةِ.
فَصْلٌ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ
(فَصْلٌ) :
وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، وَهِيَ حُرْمَةُ أَنْكِحَةِ فِرَقٍ مَعْلُومَةٍ ذَكَرْنَاهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرْنَا دَلِيلَ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِهَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِنَفْسِ النِّكَاحِ، وَفِي بَعْضِهَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ، وَقَدْ بَيَّنَّا جُمْلَةَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهَا.
فَصْلٌ الْإِرْثُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا
(فَصْلٌ) :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الرابع في حقوق الزوجية حقوق الزوجة على زوجها
وَالرَّابِعُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَقْتُولِ فِي زَوْجَتِهِ، وَحُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ - أَعْنِي: يُعَمَّرَ وَحِينَئِذٍ يُورَثُ - وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا مَبْنَاهَا عَلَى تَجْوِيزِ النَّظَرِ بِحَسَبِ الْأَصْلَحِ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ الْمُرْسَلِ، وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ - أَعْنِي: بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ -.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ خِيَارُ الْعِتْقِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي خِيَارِ الْعِتْقِ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ هَلْ لَهَا خِيَارٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَاللَّيْثُ: لَا خِيَارَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَاحْتِمَالُ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ أَنْ يَكُونَ الجَبْرُ الَّذِي كَانَ فِي إِنْكَاحِهَا بِإِطْلَاقٍ إِذَا كَانَتْ أَمَةً، أَوِ الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ عَبْدٍ، فَمَنْ قَالَ: الْعِلَّةُ الْجَبْرُ عَلَى النِّكَاحِ بِإِطْلَاقٍ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَمَنْ قَالَ: الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِ الْعَبْدِ فَقَطْ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَقَطْ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّقْلِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ.
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.