الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > سادسا: نكاح المحرم بحج أو عمرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةسادِسًا: نِكاحُ المُحرِمِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في نِكاحِ المُحرِمِ بحجٍّ أو عُمرةٍ، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في كلٍّ مِنْ الزَّوجينِ والوَليِّ عدمُ الإحرامِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ رضي الله عنه يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (١).
ورَوى مالِكٌ في «المُوطَّأ» ٧٧٣: عن داوُدَ بنِ الحُصَينِ أنَّ أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المِرِّيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ طَريفًا تَزوَّجَ امرأةً وهو مُحرِمٌ فرَدَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ نِكاحَه (٢).
٧٧٤: وحدَّثني عن مالِكٍ عن نافِعٍ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ يقولُ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يَخطُبُ على نَفسِه ولا على غَيرِه» (٣).
٧٧٥: وحدَّثِني عن مالكٍ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المسَيَّبِ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ سُئِلُوا عن نِكاحِ المُحرِمِ فقالوا: لا يَنكحِ المُحرِمُ
(١) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٣).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٤).
ولا يُنكِحْ، قالَ مالكٌ في الرَّجلِ المُحرِمِ: إنه يُراجِعُ امرَأتَه إنْ شاءَ إذا كانَتْ في عدَّةٍ منهُ (١).
وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ رَجلًا تزوَّجَ وهو مُحرِمٌ فأجمَعَ أهلُ المَدينةِ على أنْ يُفرَّقَ بينَهُما» (٢).
ولأنه نِكاحٌ لا يَعقبُه استِباحةُ الوَطءِ ولا القُبلةُ، فلمْ يَصحَّ كنِكاحِ المُعتدَّةِ، ولأنهُ عَقدٌ يَمنعُ الإحرامُ مِنْ مَقصودِه، فمُنعَ.
قال المالِكيةُ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطبُ» أي: يَحرمُ عليهِ، وكذا يَحرمُ عليه أنْ يَحضرَ نكاحًا، فإنْ كانَ أحدُ الزَّوجينِ مُحرِمًا أو الوليُّ أو الوكيلُ مُحرِمًا حالَ العقدِ فالفَسادُ، وأَولى أكثَرُ مِنْ واحدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ»، ولأنه سَببٌ يَثبتُ به تَحريمُ المُصاهَرةِ أو سَببٌ تَصيرُ المرأةُ به فِراشًا، فوجَبَ أنْ يُحظَرَ حالَ الإحرامِ كالوَطءِ، ولأنَّ كُلَّ معنًى حَرَّمَ الطِّيبَ حرَّمَ النكاحَ كالعدَّةِ.
ولهُ أن يُراجِعَ؛ لأنه ليسَ بعَقدِ نكاحٍ، وإنما هو مِنْ حُقوقِ النكاحِ، فلم يَمنعْ منه الإحرامُ كالطَّلاقِ والظِّهارِ.
وهذا كلُّه في الوليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي يكونُ كُلٌّ منهُما مُحرمًا ويوكِّلُ حلالًا فيَصحُّ عقدُ الوكيلِ الحلالِ (٣).
(١) رواه مالك في «الموطأ» (٧٧٥).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨٩٤٩).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٤/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «التمهيد» (٢/ ١٥٦، ١٥٧)، و «الاستذكار» (٤/ ١١٧، ١١٨)، و «عيون المسائل» (٢٦٦)، و «الجامع لمسائل المدونة» (٩/ ٢٦٠)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٩٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٢٢)، و «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني (٢/ ٤١).
وقالَ الشافِعيةُ: إحرامُ أحَدِ العاقدَينِ مِنْ وليٍّ ولو حاكِمًا أو زَوجٍ أو وكيلٍ عن أحَدِهما أو الزَّوجةِ بنُسكٍ ولو فاسِدًا يَمنعُ صحَّةَ النكاحِ؛ لأنَّ المُحرمَ مَسلوبُ العِبارةِ في عَقدِ النكاحِ استِقلالًا ووِلايةً ووَكالةً في كلٍّ مَنْ طَرفيِ الإيجابِ والقَبولِ، سَواءٌ كانَ في حَجٍّ أو عُمرةٍ، صَحيحًا كانَ أو فاسِدًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» (١)، والكافُ مَكسورةٌ فيهما والياءُ مَفتوحةٌ في الأولِ مَضمومةٌ في الثاني.
وعن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَتزوَّجُ المُحرِمُ ولا يُزوِّجُ» (٢) (٣).
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليه: ذكَرَ مُسلمٌ الاختلافَ أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهوَ مُحرمٌ أو وهو حَلالٌ؟ فاختَلفَ العُلماءُ بسَببِ ذلكَ في نِكاحِ المُحرمِ.
(١) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٢) رواه الدارقطني (٣٦٩٥).
(٣) «الحاوي الكبير» (٤/ ١٢٤، ١٢٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٥، ٧٠٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٣، ٩٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦١، ٢٦٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦١١، ٦١٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٧٨، ٢٧٩).
فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهُم: لا يَصحُّ نكاحُ المُحرمِ، واعتَمدُوا أحادِيثَ البابِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والكُوفيُّونَ: يَصحُّ نِكاحُه؛ لحَديثِ قِصةِ مَيمونةَ.
وأجابَ الجُمهورُ عن حَديثِ مَيمونةَ بأجوبةٍ:
أصَحُّها: أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما تزوَّجَها حَلالًا، هكذا رَواهُ أكثَرُ الصَّحابةِ، قالَ القاضي وغيرُه: ولمْ يَرْوِ أنه تزوَّجَها مُحرِمًا إلَّا ابنُ عبَّاسٍ وحْدَه، ورَوَتْ مَيمونةُ وأبو رافِعٍ وغيرُهما أنه تزوَّجَها حَلالًا، وهمْ أعرَفُ بالقَضيةِ؛ لِتَعلُّقِهم به، بخِلافِ ابنِ عبَّاسٍ، ولأنهم أضبَطُ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأكثَرُ.
الجوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ:
قتَلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … .......................................
أي: في حَرَمِ المَدينةِ.
والثالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليه.
والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابِنا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ.
وأمَّا قولُه ﷺ: «ولا يُنكِح» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالأبِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ الخاصَّةِ.
واعلَمْ أنَّ النهيَ عن النكاحِ والإنكاحِ في حالِ الإحرامِ نهيُ تَحريمٍ، فلو عقَدَ لم يَنعقدْ، سواءٌ كانَ المُحرمُ هو الزوجُ أو الزوجةُ أو العاقِدُ لهُما بوِلايةٍ أو وَكالةٍ، فالنكاحُ باطلٌ في كلِّ ذلكَ، حتَّى لو كانَ الزَّوجانِ والوليُّ مُحِلَّينِ ووكَّلَ الوليُّ أو الزوجُ مُحرِمًا في العقد لم يَنعقدْ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ قالَ: (ولا يَتزوَّجُ المُحرمُ ولا يزوِّجُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطلٌ).
قولُه: (لا يتزوَّجُ) أي: لا يَقبلُ النكاحَ لنَفسِه، (ولا يُزوِّجُ) أي: لا يكونُ وليًّا في النكاحِ ولا وَكيلًا فيهِ، ولا يَجوزُ تَزويجُ المُحرِمةِ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ وابنِه وزَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنهم، وبهِ قالَ سَعيد بنُ المسيِّبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ والزُّهريُّ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ.
(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٤، ١٩٥).
وأجازَ ذلكَ ابنُ عبَّاسٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» مُتفَقٌ عليهِ، ولأنه عَقدٌ يَملكُ به الاستِمتاعَ، فلا يُحرِّمُه الإحرامُ كشِراءِ الإماءِ.
ولنَا: ما رَوى أبانُ بنُ عُثمانَ عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مُسلمٌ، ولأنَّ الإحرامَ يُحرِّمُ الطِّيبَ، فيُحرِّمُ النكاحَ كالعدَّةِ.
فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ.
وعن أبي رافِعٍ قالَ: «تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ.
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ ﷺ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه: «وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا …
وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ.
ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ ﷺ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ.
فصلٌ: ومتَى تزوَّجَ المُحرِمُ أو زوَّجَ أو زوِّجَتْ مُحرِمةٌ فالنكاحُ باطلٌ، سَواءٌ كانَ الكلُّ مُحرِمينَ أو بعضُهم؛ لأنه مَنهيٌّ عنه، فلمْ يَصحَّ كنكاحِ المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها.
وعن أحمدَ: إنْ زوَّجَ المُحرِمُ لم أفسَخِ النكاحَ.
قالَ بعضُ أصحابِنا: هذا يَدلُّ على أنه إذا كانَ الوليُّ بمُفرَدِه أو الوكيلُ مُحرِمًا ما لم يَفسدِ النكاحُ، والمَذهبُ الأولُ، وكَلامُ أحمدَ يُحملُ على أنه لا يَفسخُه لكَونِه مُختلَفًا فيه.
قالَ القاضي: ويُفرَّقُ بينَهُما بطَلقةٍ.
وهكذا كُلُّ نكاحٍ مُختلَفٍ فيه، قال أحمَدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: إذا تزوَّجَتْ بغيرِ وليٍّ لم يَكنْ للوليِّ أنْ يزوِّجَها مِنْ غيرِه حتَّى يُطلِّقَ.
ولأنَّ تَزويجَها مِنْ غيرِ طَلاقٍ يُفضِي إلى أنْ يَجتمعَ للمَرأةِ زَوجانِ، كلُّ واحِدٍ منهُما يَعتقدُ حِلَّها (١).
(١) «المغني» (٣/ ١٥٧، ١٥٨)، و «الكافي» (١/ ٤٠٢).
وقالَ في موضعٍ آخرَ: المُحرمُ إذا تَزوَّجَ لنَفسِه أو عقَدَ النكاحَ لغيرِه ككَونِه وليًّا أو وكيلًا فإنه لا يَصحُّ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رواهُ مسلمٌ.
وإنْ عقَدَ الحلالُ نِكاحًا لمُحرمٍ بأنْ يكونَ وَكيلًا له أو وليًّا عليه أو عقَدَه على مُحرِمةٍ لم يَصحَّ؛ لدُخولِه في عُمومِ الحديثِ؛ لأنه إذا تزوَّجَ له وكيلُه فقدْ نكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرمِ وليًّا لغيرِه رِوايتينِ:
إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختِيارُ الخِرقيِّ.
والثانِيةُ: تَصحُّ، وهي اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النكاحَ حرِّمَ على المُحرِمِ؛ لأنه في دَواعِي الوَطءِ المُفسِدِ للحَجِّ، ولا يَحصلُ ذلكَ فيه بكَونِه وليًّا لغيرِه.
والأولُ أَولى؛ لدُخولِه في عُمومِ الخبَرِ، ولأنه عَقدٌ لا يَصحُّ للمُحرمِ، فلا يَصحُّ منه كشِراءِ الصَّيدِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجوزُ للمُحرمِ أنْ يليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِه ولغيرِه وأنْ يُوكِّلَ ويتوكَّلَ فيهِ (٢)؛ لِمَا رواهُ مُسلمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عنِ أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (٣)، إلا أنه لا يَجوزُ له أنْ يَدخلَ بها حتى يَحِلَّ مِنْ إحرامهِ.
(١) «المغني» (٧/ ١٤٠)، و «الكافي» (١/ ٤٠٢)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٣٤٥).
(٢) «المبسوط» (٤/ ١٩١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١١٤، ١١٥)، و «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٦٨، ٢٧١)، و «الهداية شرح البداية» (١/ ١٩٣)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٠).
(٣) رواه مسلم (١٤١٠).
قالَ الإمامُ الطحَاويُّ رحمة الله عليه: فأمَّا النَّظرُ في ذلكَ: فإنَّ المُحرِمَ حرامٌ عليه جِماعُ النِّساءِ، فاحتُملَ أنْ يكونَ عقدُ نكاحِهنَّ كذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فوَجدْناهُم قد أجمَعُوا أنه لا بأسَ على المُحرمِ بأنْ يَبتاعَ جارِيةً، ولكنْ لا يَطؤُها حتَّى يَحِلَّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ لِيَتطيَّبَ به بعدَما يَحِلُّ، ولا بأسَ بأنْ يَشتريَ قَميصًا لِيَلبسَه بعدَما يَحلُّ، وذلكَ الجِماعُ هو والتطيُّبُ واللِّباسُ حَرامٌ عليه كلُّه وهو مُحرِمٌ، فلمْ يَكنْ حُرمةُ ذلكَ عليهِ تَمنعُه عقْدَ المِلكِ عليهِ، ورأَيْنا المُحرِمَ لا يَشتريْ صَيدًا، فاحتُملَ أنْ يكونَ حُكمُ عَقدِ النكاحِ كحُكمِ عَقدِ شِراءِ الصيدِ أو حُكمِ عقدِ شِراءِ ما وصَفْنا ممَّا سِوى ذلكَ، فنظَرْنا في ذلكَ فإذا مَنْ أحرَمَ وفي يَدِه صَيدٌ أُمرَ أنْ يُطلِقَه، ومَن أحرَمَ وعليهِ قَميصٌ وفي يَدِه طِيبٌ أُمرَ أنْ يَطرحَه عنهُ ويَرفعَه، ولم يَكنْ ذلكَ كالصَّيدِ الذي يُؤمَرُ بتَخليتِه ويتركُ حَبسهُ، ورأَيْناهُ إذا أحرَمَ ومعَه امرأةٌ لم يُؤمرْ بإطلاقِها، بل يُؤمرُ بحِفظِها وصَونِها، فكانَتِ المرأةُ في ذلكَ كاللِّباسِ والطِّيبِ لا كالصَّيدِ، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يكونَ في استِقبالِ عَقدِ النكاحِ عليها في حُكمِ استقبالِ عقدِ المِلكِ على الثيابِ والطِّيبِ الذي يَحلُّ له به لبسُ ذلكَ واستعمالُه بعدَ الخُروجِ مِنْ الإحرامِ.
فقالَ قائِلٌ: فقدْ رأَيْنا مَنْ تزوَّجَ أختَه مِنْ الرَّضاعةِ كانَ نكاحُه باطِلًا، ولو اشتِراها كانَ شِراؤُه جائِزًا، فكانَ الشِّراءُ يَجوزُ أنْ يُعقدَ على ما لا يَحلُّ وَطؤُه، والنكاحُ لا يجوزُ أنْ يُعقدَ إلا على مَنْ يَحلُّ وَطؤُها، وكانَتِ المرأةُ حَرامًا على المُحرمِ جِماعُها، فالنظرُ على ذلكَ أنْ يَحرمَ عليه نِكاحهُا.
فكانَ مِنْ الحُجةِ للآخرِينَ عليهِم في ذلكَ أنَّا رأَيْنا الصائمَ والمُعتكِفَ حَرامٌ على كلِّ واحدٍ منهُما الجِماعُ، وكلٌّ قد أجمَعَ أنَّ حُرمةَ الجِماعِ عليهِما لا يَمنعُهما مِنْ عَقدِ النكاحِ لأنفُسِهما؛ إذْ كانَ ما حرَّمَ الجِماعَ عليهما مِنْ ذلكَ إنما هو حُرمةُ دِينٍ كحُرمةِ حَيضِ المرأةِ الذي لا يَمنعُها مِنْ عقدِ النكاحِ على نَفسِها، فحُرمةُ الإحرامِ في النظرِ أيضًا كذلكَ.
وقد رأَيْنا الرَّضاعَ الَّذي لا يَجوزُ تَزويجُ المرأةِ لِمَكانِه إذا طرَأَ على النكاحِ فسَخَ النكاحَ، وكذلك لا يَجوزُ استِقبالُ النكاحِ عليهِ، وكانَ الإحرامُ إذا طرَأَ على النكاحِ لم يَفسخْه، فالنَّظرُ على ذلكَ أيضًا أنْ يكونَ لا يَمنعُ استقبالَ عُقدةِ النكاحِ، وحُرمةُ الجِماعِ بالإحرامِ كحُرمتِه بالصيامِ سَواءٌ، فإذا كانَتْ حُرمةُ الصيامِ لا تَمنعُ عقْدَ النكاحِ فكذلكَ حُرمةُ الإحرامِ لا تَمنعُ عُقدةَ النكاحِ أيضًا، فهذا هو النظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ رحمهم الله (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في نكاحِ المُحرِمِ.
فقالَ مالِكٌ والشافعيُّ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ وأحمدُ: لا يَنكحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، فإنْ فعَلَ فالنكاحُ باطِلٌ، وهو قولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ بذلكَ.
(١) «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٧٢).
وسببُ اختلافِهم: تَعارُضُ النقلِ في هذا البابِ، فمِنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نكَحَ مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ»، وهو حَديثٌ ثابِتُ النقلِ خرَّجَه أهلُ الصَّحيحِ، وعارَضَه أحادِيثُ كَثيرةٌ عن مَيمونةَ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَها وهو حَلالٌ»، قالَ أبو عُمرَ: رُويَتْ عنها مِنْ طُرقٍ شتَّى مِنْ طَريقِ أبي رافعٍ، ومِن طريقِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وهو مَولاها، وعن يَزيدَ بنِ الأصَمِّ، ورَوى مالكٌ أيضًا مِنْ حَديثِ عُثمانَ ابنِ عفَّانَ مع هذا أنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ».
فمَن رجَّحَ هذه الأحادِيثَ على حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَنكحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ، ومَن رجَّحَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ أو جمَعَ بينَه وبينَ حديثِ عُثمانَ بنِ عفانَ بأنْ حمَلَ النهيَ الوارِدَ في ذلك على الكَراهيةِ قالَ: يَنكحُ ويُنكِحُ، وهذا راجِعٌ إلى تعارُضِ الفعلِ والقولِ، والوجهُ الجَمعُ أو تَغليبُ القولِ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤، ٣٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب نكاح أهل الشرك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب نِكاحِ أهْلِ الشِّرْك
أنْكِحَةُ الكُفّارِ صحيحةٌ، يُقَرُّونَ عليها إذا أسْلَمُوا أوِ تَحاكَمُوا إلينا، إذا كانت المرأةُ ممَّن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها فى الحالِ، ولا يُنْظَرُ إلى صِفةِ عَقْدِهِم وكيْفِيّته، ولا يُعْتَبَرُ له شروطُ أنكِحَةِ المسلمينَ، من الوَلِىِّ، والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك. بلا خِلافٍ بين المسلمينَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العلماءُ على أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا أسْلَما معًا، فى حالٍ واحدةٍ، أَنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما ، ما لم يَكُنْ بينهما نَسَبٌ ولا رَضَاعٌ. وقد أسْلَمَ خَلْقٌ فى عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسْلَم نِسَاؤُهم، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم، ولم يَسْأَلْهمُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شُرُوطِ النكاحِ، ولا كَيْفِيَّته، وهذا أمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرورةِ، فكان يَقِينًا، ولكن يُنْظَرُ فى الحالِ، فإن كانت المرأةُ على صِفَةٍ يجوزُ له ابْتِداءُ نِكاحِها، أُقِرَّ، وإن كانتْ ممَّن لا يجوزُ ابْتداءُ نِكاحِها، كأحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّببِ، أو المُعْتَدَّةِ ، والمُرْتَدَّةِ، والوَثَنِيَّةِ، والْمَجُوسِيَّة، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا . وإن تزَوَّجَها فى العِدَّةِ، وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا ؛ لأنَّها يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها.
١١٦٦ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإِذَا أسلَمَ الْوَثَنِىُّ، وقَدْ تزَوَّجَ بأرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، ولَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَان
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح
الْمُعَيَّنِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوْصُوفِ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، فَالزَّوْجُ مَجْبُورٌ عَلَى دَفْعِهِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا فَكَانَ مُسْتَقِرًّا مَهْرًا بِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِاسْتِقْرَارِ - وَهُوَ يَوْمُ الْعَقْدِ - فَأَمَّا الثَّوْبُ - وَإِنْ وُصِفَ - فَلَمْ يَتَقَرَّرْ مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ بَلْ الزَّوْجُ مُخَيَّرٌ فِي تَسْلِيمِهِ وَتَسْلِيمِ قِيمَتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ مَهْرًا بِالتَّسْلِيمِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّسْلِيمِ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا جُعِلَ مَهْرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا التَّغَيُّرُ فِي رَغَبَاتِ النَّاسِ بِحُدُوثِ فُتُورٍ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَيُعْتَبَرُ سِعْرُهُ، وَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَةً فَرَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّى مَا هُوَ أَدْنَى مَالِيَّةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَانَ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ ذِكْرٌ لِكُلِّهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَمَّى ذَلِكَ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ ازْدَادَتْ، قِيمَتُهُ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ وَبَيَانُ حُكْمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَفَسَادِهَا فَنَقُولُ: لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ شَرَائِطُ مِنْهَا.
أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهَذَا عِنْدَنَا.
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.