القسم الثاني: زينة الثياب

الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > القسم الثاني: زينة الثياب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

القسم الثاني: زينة الثياب - الأقوال والأدلة

القِسمُ الثاني: زينةُ الثِّيابِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَحرمُ على المُحدَّةِ لبسُ الثيابِ المُصبغةِ للتحسُّنِ كالمُعصفَرِ والمُزعفَرِ.

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنه لا يَجوزُ لها لباسُ الثِّيابِ المُصبغةِ والمُعصفرةِ، إلا ما صُبغَ بالسَّوادِ فإنه رخَّصَ فيه عُروةُ بنُ الزُّبيرِ ومالكٌ والشافعيُّ (١).

والدليلُ عليه قَولِ النبيِّ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٢).

وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (٣).

ولفُقهاءِ كلِّ مَذهبٍ تَفصيلٌ في ذلك.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: تَجتنبُ لبسَ المُطيَّبَ والمُعصفَرِ والمُزعفرِ … وهذا في حالِ الاختيارِ، فأما في حالِ الضرورةِ بأنْ لم يكنْ لها إلا ثَوبٌ

(١) «الإجماع» (٨٦)، رقم (٤٥٨)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٨٠، ١٨١).
(٢) أخرجه مسلم (٩٣٨).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٣٥٣٥)، وأحمد (٢٦٦٢٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٣٠٦).

مَصبوغٌ فلا بأسَ أنْ تَلبسَه، لكنْ لا تَقصدُ به الزينةَ؛ لأنَّ مَواضعَ الضَّرورةِ مُستثناةٌ.

وقالَ أبو يُوسفَ: لا بأسَ أنْ تَلبسَ القَصبَ والخَزَّ الأحمَرَ، وذكرَ في «الأَصْل» وقالَ: ولا تَلبسُ قَصبًا ولا خَزًّا تَتزينُ به؛ لأنَّ الخزَّ والقصَبَ قد يُلبسُ للزِّينةِ وقد يُلبسُ للحاجةِ والرَّفاءِ، فاعتبِرَ فيه القَصدُ، فإنْ قُصدَ به الزِّينةُ لم يَجُزْ، وإنْ لم يُقصدْ به جازَ (١).

أما لبسُ الحَريرِ إنْ قصَدَتْ به الزينةَ لم يَجُزْ، وإنْ لبسَتْه لعُذرٍ كما إذا كانَ بها حكَّةٌ أو لعَدمِ غيرِه جازَ مِنْ غيرِ إرادةِ الزِّينةِ (٢).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما الإحدادُ عندَ العُلماءِ فالامتناعُ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ بالثيابِ والحُليِّ وما كانَ مِنْ الزِّينةِ كلِّها الداعيةِ إلى الأزواجِ، وجُملةُ مَذهبِ مالكٍ في ذلكَ أنَّ المَرأةَ المُحِدَّ لا تَلبسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا أنْ يُصبغَ بسَوادٍ، وتَلبسُ البَياضَ كلَّه رَقيقَه وغَليظَه، ولا تَلبسُ رَقيقَ ثيابِ اليَمنِ وتَلبسُ غَليظَها إنْ شاءَتْ، وتَلبسُ الكتَّانَ كلَّه رَقيقَه وغَليظَه ما لم يَكنْ مَصبوغًا، وكذلكَ القُطنُ، ولا تَلبسُ خَزًّا ولا حَريرًا (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٨)، و «المبسوط» (٦/ ٥٩)، و «الاختيار» (٣/ ٢١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٩).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٩).
(٣) «التمهيد» (١٧/ ٣١٥).

وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وفي الثيابِ زِينتانِ:

إحداهُما: ما يَحصلُ بلبسِها مِنْ الزِّينةِ بستْرِ العَورةِ مِنْ غيرِ زِينةٍ أدخلَتْ على الثَّوبِ، فيَجوزُ للمَرأةِ المُحدَّةِ لبسُ جَميعِ الثيابِ التي لم تدخلْ عليها زِينةٌ وإنْ كانَتِ الزِّينةُ فيها مِنْ أصلِ الخِلقةِ كالدبيقيِّ والمَرويِّ وغيرِ ذلكَ ممَّا يُتخذُ مِنْ الحَريرِ والخزِّ والقزِّ؛ لأنَّ زِينتَها مِنْ أصلِ خِلقتِها، فلا يَلزمُها تَغييرُها، كما إذا كانَتِ المَرأةُ حَسنةَ الوَجهِ .. فلا يَلزمُها تَغييرُ وَجهِها بالسَّوادِ وغيرِه.

وأما الثيابُ المَصبوغةُ فيُنظَرُ فيها:

فإنْ صُبغَتْ للزِّينةِ كالأحمَرِ والأصفَرِ والأزرَقِ الصافي والأخضَرِ الصافي .. فيَحرمُ عليها لبسُه.

وقالَ أبو إسحاقَ: ما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ .. يَجوزُ لها لبسُه؛ لقَولِه : «إلا ثوبَ عَصبٍ»، و (العَصبُ): ما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ.

والمَذهبُ الأولُ؛ لأنَّ الشافِعيَّ رحمة الله عليه نَصَّ على (أنه يَحرمُ عليها لبسُ الوشيِّ وعصبِ اليَمنِ والحبرِ)، وهذه صُبغَ غَزلُها ثم نُسجَتْ، ولقَولِه : «لا تَلبسُ المُتوفَّى عنها زَوجُها المُعصفَرَ ولا المُمشَّقِ» ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ الثيابَ المُرتفعةَ هي التي صُبغَ غَزلُها ثم نُسجَتْ، والتي دُونَها هي التي نُسجَتْ ثم صُبغَتْ، والخبَرُ نَحملُه على المَصبوغِ بالسَّوادِ، و (المُمشَّقُ): ما صُبغَ بالمغرةِ.

وأما ما صُبغَ للوَسخِ كالأسوَدِ والأزرَقِ المُشبعِ والأخضَرِ المُشبعِ .. فلا يَحرمُ عليها لبسُه؛ لأنه لا يُصبغُ للزِّينةِ، وإنما صُبغَ لنفيِ الوَسخِ أو ليَدلَّ على الحُزنِ.

وأما الثانيةُ: الثيابُ التي عليها طرزٌ: قالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ: فإنْ كانَتْ الطرزُ كِبارًا .. حَرُمَ عليها لبسُها؛ لأنها زِينةٌ ظاهِرةٌ أدخِلَتْ عليها، وإنْ كانَتْ صِغارًا .. ففيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: يَحرمُ عليها، كقَليلِ الحُليِّ وكَثيرِه.

والثاني: لا يَحرمُ عليها لبسُها؛ لخَفائِها.

قالَ الصُّيمريُّ: ولا تَلبسُ البُرودَ المَنقوشةَ، ولا القَرقوبيُّ مِنْ المَقانعِ والوِقاياتِ؛ لِما فيه مِنْ النقشِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: تَحرمُ عليها الثِّيابُ المُصبغةُ للتَّحسينِ كالمُعصفَرِ والمُزعفرِ وسائرِ الأحمَرِ وسائر المُلوَّنِ للتَّحسينِ كالأزرَقِ الصَّافي والأخضَرِ الصافي والأصفَرِ، فلا يَجوزُ لبسُه؛ لقَولِ النبيِّ : «لا تَلبسُ ثَوبًا مَصبوغًا»، وقَولِه: «لا تَلبسُ المُعصفَرَ مِنْ الثيابِ ولا المُمشَّقَ».

(١) «البيان» (١١/ ٨٦، ٨٧)، ويُنظَر: «الحاوي الكبير» (١١/ ٢٨١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٥٩، ١٦٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٦، ١٠٨).

فأما ما لا يُقصدُ بصَبغِه حُسنُه كالكُحليِّ والأسوَدِ والأخضَرِ المُشبعِ فلا تُمنعُ منه؛ لأنه ليسَ بزِينةٍ.

وما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ فيه احتِمالانِ:

أحَدُهما: يَحرمُ لبسُه؛ لأنه أرفَعُ وأحسَنُ، ولأنه مَصبوغٌ للحُسنِ، فأشبَهَ ما صُبغَ بعدَ نَسجِه.

والثاني: لا يَحرمُ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ في حَديثِ أمِّ سَلمةَ: «إلا ثوبَ عَصبٍ»، وهو ما صُبغَ غَزلُه قبلَ نَسجِه، ذكَرَه القاضِي، ولأنه لم يُصبغْ وهو ثَوبٌ، فأشبَهَ ما كانَ حَسنًا مِنْ الثيابِ غيرَ مَصبوغٍ، والأولُ أصَحُّ، وأما العَصبُ فالصَّحيحُ أنه نَبتٌ تُصبغُ به الثِّيابِ، قالَ صاحِبُ «الرَّوض الأُنُف»: الوَرسُ والعَصبُ نَبتانِ باليَمنِ لا يَنبتانِ إلا به، فأرخَصَ النبيُّ للحادَّةِ في لبسِ ما صُبغَ بالعَصبِ؛ لأنه في مَعنى ما صُبغَ لغيرِ التَّحسينِ، أما ما صُبغَ غَزلُه للتَّحسينِ كالأحمَرِ والأصفَرِ فلا مَعنى لتَجويزِ لبسِه مع حُصولِ الزينةِ بصَبغِه كحُصولِها بما صُبغَ بعدَ نَسجِه.

ولا تُمنعُ مِنْ حِسانِ الثيابِ غيرِ المَصبوغةِ وإنْ كانَ رَقيقًا، سَواءٌ كانَ مِنْ قُطنٍ أو كتَّانٍ أو إبريسَمٍ؛ لأنَّ حُسنَه مِنْ أصلِ خِلقتِه، فلا يَلزمُ تَغييرُه، كما أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ حَسنةَ الخِلقةِ لا يَلزمُها أنْ تُغيرَ لونَها وتُشوِّهَ نفسَها (١).

(١) «المغني» (٨/ ١٢٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٠٣)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦٩).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 217 - 221

ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 34%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله