الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > ثالثا: المعتدة المختلف في وجوب الإحداد عليها (المطلقة البائن)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةثالثًا: المعتدَّةُ المختَلَفُ في وُجوبِ الإحدادِ عليها (المطلَّقةُ البائِنُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المطلَّقةِ طلاقًا بائِنًا، هل يَجبُ عليها الإحدادُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجبُ عليها الإحدادُ، ولا يَجبُ الإحدادُ إلا على المَرأةِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، ولا إحدادَ على مُطلَّقةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١).
فأخبَرَ أنَّ الإحدادَ هو على المُتوفَّى، والمُطلِّقُ حَيٌّ، فلا إحدادَ على امرأتِه.
ولأنَّ الحِدادَ في المَنصوصِ عليهِ إنما وجَبَ لحَقِّ الزَّوجِ تَأسُّفًا على ما فاتِها مِنْ حُسنِ العِشرةِ وإدامةِ الصُّحبةِ إلى وَقتِ المَوتِ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ في المطلَّقةِ؛ لأنَّ الزوجَ أوحَشَها بالفُرقةِ وقطَعَ الوصلةَ باختيارٍ ولم يَمُتْ عنها، فلا يَلزمُها التأسُّفُ.
ولأنها مُعتدَّةٌ عن غيرِ وَفاةٍ، فلَم يَجبْ عليها الإحدادُ كالرَّجعيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ، ولأنَّ الإحدادَ في عدَّةِ الوفاةِ لإظهارِ الأسَفِ على فِراقِ زَوجِها ومَوتِه، فأما الطلاقُ فإنه فارَقَها باختيارِ نَفسِه وقطَعَ نِكاحَها، فلا مَعنى لتَكليفِها الحُزنَ عليه، ولأنَّ المُتوفَّى عنها لو أتَتْ بوَلدٍ لَحِقَ الزوجَ،
(١) أخرجه البخاري (١٢٢٢)، ومسلم (١٤٨٦).
وليسَ له مَنْ يَنفيهِ، فاحتيطَ عليها بالإحدادِ لئلَّا يلحَقَ بالمَيتِ مَنْ ليسَ منه، بخِلافِ المُطلَّقةِ فإنَّ زوْجَها باقٍ، فهو يَحتاطُ عليها بنفسِه ويَنفي ولَدَها إذا كانَ مِنْ غَيرِه …
وقالَ الحَنابلةُ: إنه مُباحٌ ولا يُسَنُّ، وقالَ الشافِعيةُ: يُسنُّ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الإحدادَ يَجبُ على المطلَّقةِ البائنِ مِنْ خُلعٍ أو ثَلاثٍ؛ لأنَّ الحِدادَ إنما وجَبَ على المُتوفَّى عنها زَوجُها لفَواتِ النكاحِ الذي هو نِعمةٌ في الدِّينِ خاصَّةً في حَقِها؛ لِما فيه مِنْ قَضاءِ شَهوتِها وعفَّتِها عن الحَرامِ وصِيانةِ نفسِها عن الهَلاكِ بدُرورِ النَّفقةِ، وقد انقَطعَ ذلكَ كلُّه بالمَوتِ، فلَزمَها الإحدادُ إظهارًا للمُصيبةِ والحُزنِ، وقد وُجدَ هذا المَعنى في المُطلقةِ الثَّلاثِ والمُبانةِ، فيَلزمُها الإحدادُ إظهارًا للتأسُّفِ على فَواتِ نِعمةِ النكاحِ الذي هو سَببٌ لصَونِها وكِفايةِ مُؤنتِها، والإبانةُ أقطَعُ لها مِنْ المَوتِ (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٣٠)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٦، ٣٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢٨)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٢٧٥)، و «البيان» (١١/ ٧٨)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١١٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٥٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٥)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٥٥)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٧٣)، و «المغني» (٨/ ١٣١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٠١، ٥٠٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٩)، و «الهداية» (٢/ ٣١)، و «الاختيار» (٣/ ٢١٦، ٢١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٧، ٢٨)، و «المغني» (٨/ ١٣١، ١٣٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فهل يَجبُ على المُعتدَّةِ مِنْ طَلاقٍ أو وَطءِ شُبهةٍ أو زِنًى أو استِبراءٍ إحدادٌ؟
قُلنا: هذا هو الحُكمُ الخامِسُ الذي دلَّتْ عليه السُّنةُ أنه لا إحدادَ على واحِدةٍ مِنْ هَؤلاءِ؛ لأنَّ السُّنةَ أثبتَتْ ونفَتْ فخصَّتْ بالإحدادِ الواجِبِ الزَّوجاتِ وبالجائزِ غيرَهنَّ على الأمواتِ خاصَّةً، وما عَداهُما فهو داخِلٌ في حُكمِ التَّحريمِ على الأمواتِ، فمِن أينَ لكُم دخولُه في الإحدادِ على المطلَّقةِ البائنِ؟! وقد قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والإمامُ أحمَدُ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه اختارَها الخِرقيُّ: إنَّ البائنَ يَجبُ عليها الإحدادُ، وهذا مَحضُ القِياسِ؛ لأنها مُعتدةٌ بائنٌ مِنْ نِكاحٍ، فلَزمَها الإحدادُ كالمُتوفَّى عنها؛ لأنهُما اشتَركَا في العدَّةِ واختَلفَا في سَببِها، ولأنَّ العدَّةَ تُحرِّمُ النكاحَ، فحَرَّمتْ دَواعيهِ.
قالُوا: ولا ريبَ أنَّ الإحدادَ مَعقولُ المَعنى، وهو أنَّ إظهارَ الزِّينةِ والطِّيبِ والحُليِّ ممَّا يَدعُو المَرأةَ إلى الرجالِ ويَدعُو الرجالَ إليها، فلا يُؤمَنُ أنْ تَكذبَ في انقضاءِ عِدتِها استِعجالًا لذلكَ، فمُنعَتْ مِنْ دَواعي ذلكَ وسُدَّتْ إليه الذَّريعةُ، هذا مع أنَّ الكَذبَ في عدَّةِ الوفاةِ يَتعذرُ غالبًا بظُهورِ مَوتِ الزوجِ وكَونِ العدَّةِ أيامًا مَعدودةً، بخِلافِ عدَّةِ الطلاقِ؛ فإنها بالأقراءِ وهي لا تُعلَمُ إلا مِنْ جِهتِها، فكانَ الاحتِياطُ لها أَولى.
قيلَ: قد أنكَرَ اللهُ ﷾ على مَنْ حرَّمَ زَينتَه التي أخرَجَ لعِبادِه والطِّيباتِ مِنْ الرِّزقِ، وهذا يَدلُّ على أنه لا يَجوزُ أنْ يُحرَّمَ مِنْ الزِّينةِ إلا ما حرَّمَه اللهُ ورَسولُه، واللهُ سُبحانَه قد حرَّمَ على لسانِ رَسولِه ﷺ زِينةَ الإحدادِ على المُتوفَّى عنها مُدةَ العدَّةِ، وأباحَ رَسولُه الإحدادَ بتَركِها على غَيرِ الزَّوجِ، فلا يَجوزُ تَحريمُ غيرِ ما حرَّمَه، بل هو على أصلِ الإباحَةِ، وليسَ الإحدادُ مِنْ لَوازمِ العدَّةِ ولا تَوابعِها، ولهذا لا يَجبُ على المَوطوءةِ بشُبهةٍ ولا المَزنِيِّ بها ولا المُستبْرَأةِ ولا الرَّجعيةِ اتِّفاقًا، وهذا القِياسُ أَولى مِنْ قياسِها على المُتوفَّى عنها؛ لِما بيْنَ العدَّتينِ مِنْ القُروءِ قَدرًا أو سَببًا وحُكمًا، فإلحاقُ عدَّةِ الأقراءِ بالأقراءِ أَولى مِنْ إلحاقِ عدَّةِ الأقراءِ بعدَّةِ الوفاةِ، وليسَ المَقصودُ مِنْ الإحدادِ على الزَّوجِ المَيتِ مُجردُ ما ذكَرْتُم مِنْ طَلبِ الاستِعجالِ؛ فإنَّ العدَّةَ فيه لم تَكنْ لمُجردِ العِلمِ ببَراءةِ الرَّحمِ، ولهذا تَجبُ قبلَ الدُّخولِ، وإنما هو مِنْ تَعظيمِ هذا العَقدِ وإظهارِ خَطرِه وشَرفِه وأنه عندَ اللهِ بمَكانٍ، فجُعلَتِ العدَّةُ حَريمًا له، وجُعلَ الإحدادُ مِنْ تَمامِ هذا المَقصودِ وتَأكُّدِه ومَزيدِ الاعتناءِ به، حتى جُعلَتِ الزوجةُ أَولى بفعلِه على زوجِها مِنْ أبيها وابنِها وأخيها وسائرِ أقاربِها، وهذا مِنْ تَعظيمِ هذا العَقدِ وتَشريفِه وتأكُّدِ الفَرقِ بينَه وبينَ السِّفاحِ مِنْ جَميعِ أحكامِه، ولهذا شُرعَ في ابتِدائِه إعلانُه والإشهادُ عليه والضَّربُ بالدُّفِّ؛ لتَحقُّقِ المُضادَّةِ بينَه وبيَن السِّفاحِ، وشُرعَ في آخرِه وانتهائِه مِنْ العدَّةِ والإحدادِ ما لم يُشرعْ في غَيرِه (١).
(١) «زاد المعاد» (٧٠٠، ٧٠١).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام رجعة المطلقة طلاقا رجعيا وما يتعلق بها]
(فَصْلٌ) يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ، وَإِنْ بِكَإِحْرَامٍ، وَعَدَمِ إذْنِ سَيِّدٍ: .
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي أَحْكَام رَجْعَة الْمُطَلَّقَة طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
(فَصْلٌ)
فِي أَحْكَامِ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْهَا بِكَسْرِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الرَّجْعَةُ رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِهَا فَخَرَجَتْ الْمُرَاجَعَةُ، وَعَلَى رَأْيٍ رَفْعُ إيجَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. الْحَطّ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فِي حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالرَّجْعِيَّةِ زَمَنَ عِدَّتِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَإِبَاحَتُهُ وَهُوَ الشَّاذُّ، فَالتَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِي. ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٌ عَنْ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرِ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَوَطْءٍ جَائِزٍ قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِتَزَوُّجِهَا عَقِبَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ إذًا اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فَلَا بُطْلَانَ.
وَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ الْمُرْتَجِعُ وَالْمُرْتَجَعَةُ وَصِيغَةُ الرَّجْعَةِ وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا قَبْلَ ارْتِجَاعِهَا.
ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.