الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > حكم الوشم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوسُئلَ عَطاءٌ عن شُعورِ الناسِ أيُنتفَعُ بها؟ قال: لا بأسَ بذلكَ.
وقالَ آخَرونَ: لا يَجوزُ الوَصلُ بشَيءٍ شَعرٍ ولا غيرِه، ولا بأسَ أنْ تضَعَ الشعرَ وغيرَه على رأسِها وَضعًا ما لم تَصِلْه، رُويَ ذلكَ عن إبراهيمَ، وعلَّةُ هذا القولِ أنَّ الخبَرَ إنَّما ورَدَ عن النبيِّ عليه السلام بالنهيِ عن الوَصلِ، فأما ما لم يَكنْ وَصلًا فلا بأسَ به.
قالَ الطبَريُّ: والصوابُ عندَنا في ذلكَ أنْ يُقالَ: غيرُ جائزٍ أنْ تَصلَ بشَعرِها شيئًا مِنْ الأشياءِ لِتَتجمَّلَ به، وشَعرًا كانَ أو غيرَه؛ لعُمومِ النهيِ عن النبيِّ عليه السلام أنْ تَصِلَ بشَعرِها شيئًا.
وأمَّا خبَرُ أشوَعَ عن عائِشةَ فهو باطلٌ؛ لأنَّ رُواتَه لا يُعرَفونَ، وابنُ أشوعَ لم يُدرِكْ عائشةَ (١).
حُكمُ الوَشمِ:
الواشِمةُ: هي التي تَشمُّ يَدَيها، وذلك أنْ تَغررَ ظَهْرَ كَفِّها أو غيرَه مِنْ جَسدِها بإبرةٍ حتَّى تُؤثِّرَ فيها ثم تَحشوهُ كُحلًا وتَجعلَه كالنَّقشِ في جَسدِها تَتزيَّنُ بذلكَ (٢).
(١) «شرح صحيح البخاري» (٩/ ١٧٢، ١٧٣).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٩/ ١٦٧)، و «أحكام القرآن» (١/ ٣٦٠)، و «المغني» (١/ ٦٨).
قالَ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: ورِجالُ صِقليةَ وإفرِيقيةَ يَفعلونَه ليَدُلَّ كلُّ واحدٍ منهُم على رُجْلَتِه في حَداثتِه (١).
وقد نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على حُرمةِ الوَشمِ؛ لِمَا ورَدَ مِنْ النهيِ عنه في عدَّةِ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ، منها ما رَواهُ علقَمةُ عن عبدِ اللهِ قالَ: «لعَنَ اللهُ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والنَّامِصاتِ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ، قالَ: فبلَغَ ذلكَ امرأةً مِنْ بنِي أسَدٍ يُقالَ لها أمُّ يَعقوبَ وكانَتْ تَقرأُ القُرآنَ، فأتَتْه فقالَتْ: ما حَديثٌ بلَغَني عنكَ أنكَ لَعَنتَ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: وما لي لا أَلعَنُ مَنْ لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ، وهو في كِتابِ اللهِ، فقالَتِ المَرأةُ: لقدْ قَرأتُ ما بينَ لَوحَيِ المُصحفِ فما وجَدتُه، فقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرأتِيه لقدْ وَجدتِيه، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فقالَتِ المرأةُ: فإني أرَى شَيئًا مِنْ هذا على امرَأتِكَ الآنَ، قالَ: اذهَبِي فانظُرِي، قالَ: فدخَلَتْ على امرأةِ عبدِ اللهِ فلمْ تَرَ شيئًا، فجاءَتْ إليه فقالَتْ: ما رأيتُ شَيئًا، فقالَ: أمَا لو كانَ ذلكَ لم نُجامِعْها» (٢).
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٣٦٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢١٢٥).
وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «لعَنَ النبيُّ ﷺ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ» (١).
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «لُعِنَتِ الواصِلةُ والمُستَوصِلةُ والنامِصةُ والمُتَنمِّصةُ والواشِمةُ والمُستَوشِمةُ مِنْ غَيرِ داءٍ» (٢).
قالَ الإمامُ المَناويُّ رحمة الله عليه: والواشِمة والمُستوشِمة، وذلكَ كلُّه حَرامٌ شَديدُ التَّحريمِ، قالَ ابنُ العرَبيِّ: بإجماعِ الأمَّةِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ خلَقَ الصُّوَرَ فأحسَنَها، ثمَّ فاوَتَ في الجَمالِ بينَهُما مِراتبَ، فمَن أرادَ أنْ يُغيِّرَ خَلْقَ اللهِ فيها ويُبطِلَ حِكمتَه فيها فهو جَديرٌ بالإبعادِ والطَّردِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا الواشِمةُ بالشِّينِ المُعجَمةِ ففاعِلةُ الوَشمِ، وهي أنْ تَغرزَ إبرةً أو مِسلَّةً أو نحوَهما في ظَهرِ الكَفِّ أو المِعصَمِ أو الشِّفةِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ بَدنِ المَرأةِ حتَّى يَسيلَ الدَّمُ، ثمَّ تَحشُو ذلكَ المَوضعَ بالكُحلِ أو النُّورَةِ فيَخضَرَّ، وقد يُفعلُ ذلكَ بِداراتٍ ونُقوشٍ، وقد تُكثِّرُه وقد تُقلِّلُه، وفاعِلةُ هذا واشِمةٌ، وقد وَشَمَتْ تَشِمُ وَشْمًا والمَفعولُ بها مَوشومةٌ، فإنْ طلَبَتْ فِعلَ ذلك بها فهي مُستوشِمةٌ، وهو حَرامٌ على الفاعِلةِ والمَفعولِ
(١) أخرجه البخاري (٥٥٩٦).
(٢) رواه أبو داود (٤١٧٠).
(٣) «فيض القدير» (٥/ ٢٧٣)، و «بريقة محمودية» (٣/ ١٩٧)، و «عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي» (٧/ ٢٦٣).
بها باختيارِها والطالِبةِ له، وقد يُفعَلُ بالبنتِ وهي طِفلةٌ، فتأثَمُ الفاعِلةُ ولا تأثَمُ البنتُ؛ لعَدمِ تكليفِها حِينئذٍ.
قالَ أصحابُنا: هذا المَوضعُ الذي وُشِمَ يَصيرُ نَجسًا، فإنْ أمكَنَ إزالتُه بالعِلاجِ وجَبَتْ إزالتُه، وإنْ لم يُمكِنْ إلا بالجَرحِ فإنْ خافَ منه التلَفَ أو فَواتَ عُضوٍ أو مَنفعةِ عُضوٍ أو شيئًا فاحِشًا في عُضوٍ ظاهرٍ لم تَجبْ إزالتُه، فإذا بانَ لم يَبْقَ عليه إثمٌ، وإنْ لم يَخَفْ شيئًا مِنْ ذلكَ ونحوَه لَزمَه إزالتُه ويَعصِي بتأخيرِه، وسواءٌ في هذا كلِّه الرَّجلُ والمَرأةُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الواشِمةُ: وهيَ التي تَنقشُ بدَنَها وتَشِمُه بما كانَتِ العرَبُ تَفعلُه مِنْ الخُضرةِ في غَرزِ الإبَرِ فيَبقَى لونُه على الإبرِ.
وأمَّا الوَشمُ بالحِنَّاءِ والخِضابِ فمُباحٌ وليسَ ممَّا تَناولَه النهيُ (٢).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الوَشمَ حرامٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لعَنَ اللهُ الواشِمةَ والمُستوشِمةَ»، والواشِمةُ: التي تَغرزُ جِلدَها بإبرةٍ تَحشوهُ كُحلًا، والمُستوشِمةُ: التي يُفعَلُ بها ذلكَ (٣).
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٤/ ١٠٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٢/ ٢٥٧).
(٣) «المغني» (١/ ٦٨)، و «كشاف القناع» (١/ ٩٤).
ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.