الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > رابعا: الإحداد على غير الزوج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: والحِكمةُ في وُجوبِ الإحدادِ في عدَّةِ الوَفاةِ دونَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الزِّينةَ والطِّيبَ يَدعوانِ إلى النكاحِ ويُوقِعانِ فيه، فنُهيَتْ عنه ليكونَ الامتناعُ مِنْ ذلكَ زاجِرًا عن النكاحِ؛ لكَونِ الزَّوجِ مَيتًا لا يَمنعُ مُعتدَّتَه مِنْ النكاحِ ولا يُراعيهِ ناكحُها ولا يَخافُ منه، بخِلافِ المُطلِّقِ الحيِّ؛ فإنه يُستغنَى بوُجودِه عن زاجرٍ آخَرَ، ولهذهِ العلَّةُ وجبَتِ العدَّةُ على كلِّ مُتوفَّى عنها وإنْ لم تكُنْ مَدخولًا بها، بخِلافِ الطلاقِ، فاستُظهِرَ للمَيتِ بوُجوبِ العدَّةِ وجُعلَتْ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا لأنَّ الأربَعةَ فيها يُنفخُ الرُّوحُ في الولدِ إنْ كانَ والعَشرُ احتياطًا، وفي هذهِ المدَّةِ يَتحركُ الولدُ في البَطنِ.
قالُوا: ولم يُوكَلْ ذلكَ إلى أمانةِ النِّساءِ ويُجعلْ بالأقراءِ كالطلاقِ لِمَا ذكَرْناهُ مِنْ الاحتياطِ للمَيتِ (١).
رابعًا: الإحدادُ على غَيرِ الزَّوجِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرهِم على أنه يُباحُ الإحدادُ على غيرِ الزَّوجِ مِنْ الأقاربِ كالأبِ والأمِّ والإخوةِ والأبناءِ ثَلاثةَ أيامٍ وأنه لا يَجبُ؛ لِما رواهُ الشَّيخانِ عن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبَرَتْه قالَتْ: دخَلْتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ فقالَتْ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» ثمَّ
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١١٣).
دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١).
فأباحَ النبيُّ ﷺ أنْ تُحِدَّ المَرأةُ على غيرِ زَوجِها مِنْ ذَوِي مَحارمِها ثلاثةَ أيامٍ لِما يَغلبُ مِنْ لَوعةِ الحُزنِ ويَهجمُ مِنْ أليمِ الوَجدِ، ولم يُوجبْ ذلكَ عليها، قالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وهذا مَذهبُ الفُقهاءِ، وحرَّمَ عليها مِنْ الإحدادِ ما فوقَ ذلكَ.
وممَّا يَدلُّ على أنَّ الإحدادَ في الثلاثةِ أيامٍ على غيرِ الزوجِ غيرُ واجِبٍ إجماعُ العُلماءِ على أنَّ مَنْ ماتَ أبوها أو ابنُها وكانَتْ ذاتَ زوجٍ وطالَبَها زوجُها بالجِماعِ في الثلاثةِ الأيامِ التي أبيحَ لها الإحدادُ فيها أنه يُقضَى له عليها بالجِماعِ فيها، ونَصَّ التَّنزيلُ أنَّ الإحدادَ على ذواتِ الأزواجِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا واجبٌ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: واستدلَّ به على جَوازِ الإحدادِ على غيرِ الزَّوجِ مِنْ قَريبٍ ونحوِه ثَلاثَ لَيالٍ فما دُونَها وتَحريمِه فيما زادَ عليها، وكأنَّ هذا القدرَ أبيحَ لأجْلِ حظِّ النفسِ ومُراعاتِها وغَلبةِ الطِّباعِ البَشريةِ، ولهذا تَناولَتْ أمُّ حَبيبةَ وزَينبُ بنتُ جَحشٍ رضي الله عنهما الطِّيبَ لتَخرجَا عن
(١) أخرجه البخاري (١٢٢٢)، ومسلم (١٤٨٦).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٣/ ٢٦٨، ٢٦٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الأولى في أنواع الطلاق
كِتَابُ الطَّلَاقِ
الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ
كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ:
; الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ.
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ الْبِدْعِيِّ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْخُلْعِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الْفَسْخِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.
ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.