ما تجتنبه المحدة

الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > ما تجتنبه المحدة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ما تجتنبه المحدة - الأقوال والأدلة

ما تَجتنِبُه المحِدَّةُ:

تَجتنبُ الحادَّةُ عندَ الفُقهاءِ في الجُملةِ الزِّينةَ الداعِيةَ للرجالِ إلى النِّساءِ، وذلكَ كالحُليِّ والكُحلِ وكلِّ ما يَدعُو إلى جِماعِها ويُرغِّبُ في النَّظرِ إليها ويُحسِّنُها، وما لم يَكنْ فيه زِينةٌ لا يَجبُ عليها أنْ تَجتنبَه، وبالجُملةِ فأقاوِيلُ الفُقهاءِ فيما تَجتنبُ الحادَّةُ مُتقارِبةٌ، وذلكَ ما يُحرِّكُ الرِّجالَ بالجُملةِ إليهِنَّ.

وذلكَ أربعةُ أشياءَ:

أحَدُها: الطِّيبُ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنه يَحرمُ على المَرأةِ المُحِدَّةِ أنْ تَمسَّ طِيبًا؛ لقَولِ النبيِّ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (١).

وعن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أنها أخبَرَتْه هذه الأحادِيثَ الثلاثةَ، قالَتْ زَينبُ: دَخَلتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ حينَ تُوفِّيَ أبُوها أبو سُفيانَ بنُ حَربٍ، فدَعَتْ أمُّ حَبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خَلوقٌ أو غَيرُه، فدهَنَتْ منه جارِيةً ثمَّ مسَّتْ بعَارِضَيها ثمَّ قالَتْ: واللهِ ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «لا يَحلُّ

(١) أخرجه مسلم (٩٣٨).

لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثِ لَيالٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا»، قالت زَينَبُ فَ دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثِ ليالٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا».

قالَتْ زَينبُ: «وسَمعتُ أمَّ سَلمةَ تَقولُ: جاءَتْ امرَأةٌ إلى رَسولِ اللهِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَتْ عَينَها أفَتكحُلُها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ : «لا»، -مَرَّتينِ أو ثَلاثًا كلَّ ذلكَ يَقولُ: لا-، ثمَّ قالَ رَسولُ اللهِ : «إنما هيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهِليةِ تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ»، قالَ حُميدٌ: فقلتُ لزَينبَ: وما تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ؟ فقالَتْ زَينبُ: كانَتِ المَرأةُ إذا تُوفِّيَ عنها زَوجُها دخَلَتْ حفْشًا ولَبسَتْ شَرَّ ثِيابِها ولم تَمسَّ طِيبًا حتى تَمرَّ بها سَنةٌ، ثمَّ تُؤتَى بدابَّةٍ حِمارٍ أو شاةٍ أو طائِرٍ فتَفتَضُّ بهِ، فقَلَّما تَفتَضُّ بشَيءٍ إلا ماتَ، ثمَّ تَخرجُ فتُعطَى بَعرةً فتَرمِي ثمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَتْ مِنْ طِيبٍ أو غَيرِه»، سُئلَ مالِكٌ: ما تَفتضُّ بهِ؟ قالَ: تَمسحُ به جِلدَها (١).

ولأنَّ الطِّيبَ يُحرِّكُ الشَّهوةَ ويَدعُو إلى المُباشَرةِ.

(١) أخرجه البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (١٤٨٧، ١٤٨٨، ١٤٨٩).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ إلا ما روينَاهُ عن الحَسنِ على أنَّ المَرأةَ مَمنوعةٌ في الإحدادِ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في تَحريمِه -أي الطِّيبِ- عندَ مَنْ أوجَبَ الإحدادَ (٢).

لكنْ لها أنْ تَجعلَ في فَرجِها طِيبًا إذا اغتَسلَتْ مِنْ الحَيضِ؛ لقَولِ النبيِّ : «ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٣).

وأما الأدهانُ فإنْ كانَتْ مُطيبةً كدُهنِ الوَردِ والبَنفسجِ والياسَمينِ وما أشبَهَها حَرُمَ عليها استِعمالُه في جَميعِ بَدنِها؛ لِما فيه مِنْ الطِّيبِ.

فأما الادِّهانُ بغيرِ المُطيِّبِ كالزَّيتِ والشَّيرجِ والسَّمنِ فلا بأسَ به؛ لأنه ليسَ بطِيبٍ.

وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ استِعمالُه في غيرِ الرأسِ؛ لأنه لا يَحصلُ به التزيُّنُ، ولا يَجوزُ استِعمالُه في الرَّأسِ؛ لأنه يُرجِّلُ الشَّعرَ ويُزينُه.

ويَجوزُ لها تَغسيلُ شَعرِها وبَدنِها بالسِّدرِ والخُطميِّ؛ لحَديثِ أمُّ حَكيمٍ بنتِ أُسيدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكِي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ

(١) «الإشراف» (٥/ ٣٧١)، و «الإجماع» (٨٨)، رقم (٤٦٠).
(٢) «المغني» (٨/ ١٢٥).
(٣) أخرجه مسلم (٩٣٨).

-قالَ أحمَدُ: الصَّوابُ: بكُحلِ الجِلاءِ- فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ فسَألَتها عن كُحلِ الجِلاءِ فقالَتْ: لا تَكتحِلِي بهِ إلا مِنْ أمرٍ لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحِلِينَ باللَّيلِ وتَمسحينَه بالنهارِ، ثمَّ قالَتْ عندَ ذلكَ أمُّ سَلمةَ: دخَلَ عَليَّ رَسولُ اللهِ حينَ تُوفِّيَ أبو سَلمةَ وقد جَعلْتُ على عَينِي صَبْرًا فقالَ: ما هذا يا أمَّ سَلمةَ؟ فقلتُ: إنما هو صَبْرٌ يا رَسولَ اللهِ ليسَ فيه طِيبٌ، قالَ: إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تَجعلِيهِ إلا بالليلِ وتَنزعِينَه بالنَّهارِ، ولا تَمتشطِي بالطِّيبِ ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ، قالَتْ: قلتُ: بأيِّ شَيءٍ أمتَشطُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: بالسِّدرِ تُغلِّفينَ به رأسَكِ» (١).

وقالَ الإمامُ مالكٌ أنه بلَغَه أنَّ أمَّ سَلمةَ زوْجَ النبيِّ كانَتْ تَقولُ: «تَجمَعُ الحادُّ رَأسَها بالسِّدرِ والزَّيتِ».

قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ في ذلكَ خِلافًا؛ لأنَّ السِّدرَ والزَّيتَ ليسَ بطِيبٍ.

وقد جاءَ عن الشافِعيِّ فيهِ شَيءٌ على جِهةِ الاستِحسانِ؛ لِما فيهِ مِنْ تَليينِ الشَّعرِ وتَرجيلِه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على مَنعِ الأدهانِ المُطيبةِ، واختَلفُوا في غيرِ المُطيِّبةِ كالزَّيتِ والشَّيرجِ البَحتَينِ والسَّمنِ فمَنَعناهُ نحنُ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٣٥٣٧).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢٣٩، ٢٤٠).

والشافِعيُّ إلا لضَرورةٍ؛ لحُصولِ الزِّينةِ به، وأجازَهُ الإمامانِ -مالِكٌ وأحمَدُ- والظاهِريةُ (١).

ولا يَجوزُ لها لِبسُ الثَّوبِ المُطيَّبِ والمَصبوغِ بالعُصفرِ والزَّعفرانِ؛ لأنَّ له رائحةً طَيبةً، فكانَ كالطِّيبِ.

وضابطُ الطِّيبِ المُحرَّمِ عليها عندَ الشافِعيةِ: كلُّ ما حَرُمَ على المُحرِمِ مِنْ الطِّيبِ والدُّهنِ فيَحرمُ عليها هاهُنا، وما حَلَّ للمُحرمِ حَلَّ هنا.

وهذا كلُّه في حالةِ الاختيارِ، أما في حالَةِ الضَّرورةِ أو الحاجةِ فيَجوزُ لها استِعمالُ الطِّيبِ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ (٢).

وزادَ المالِكيةُ أنه يَجبُ عليها أنْ تَتركَ التطيُّبَ، فلا تَمسُّه ولا تَعملُه ولا تتَّجِرُ فيه وإنْ لم يَكنْ لها صَنعةٌ غيرُه إذا كانَتْ تُباشِرُ مَسَّه بنَفسِها، وإلا فلا منْعَ؛ لأنَّ في ذلكَ داعِيةً إلى النكاحِ وتَهييجَ الشَّهوةِ، فمُنعَتْ مِنْ ذلكَ (٣).

(١) «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٤٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٨)، و «الاختيار» (٣/ ٢١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٨)، و «التمهيد» (١٧/ ٣١٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٨٥)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢٨)، و «المهذب» (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، و «البيان» (١١/ ٨٣، ٨٤)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٦١، ١٦٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٧، ١٠٨)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٥٨)، و «المغني» (٨/ ١٢٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٠٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦٩)
(٣) «التاج والإكليل» (٣/ ١٨٥)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٤١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 204 - 208

ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
الله أكبر