الإسلام > النكاح والأسرة > الاختلاف في المهر > ب- الاختلاف في قدر المهر المسمى
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 37 دقيقة قراءةومَن حلَفَ على فِعلِ نَفسِه مِنْ الزَّوجَينِ والوَليِّ حلَفَ على البَتِّ؛ لأنَّه الأصلُ في اليَمينِ.
ومَن حلَفَ على فِعلِ غَيرِه كالوَرثةِ حلَفَ على نَفيِ العِلمِ لا على البَتِّ (١).
ب - الاختِلافُ في قَدرِ المَهرِ المُسمَّى:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اختَلفَ الزَّوجانِ أو وَرثَتُهما أو وَرثةُ أحَدِهِما معَ الحَيِّ مِنهُما في مِقدارِ المَهرِ، بأنِ ادَّعَتِ الزَّوجةُ أنهُ ألفُ دِينارٍ وقالَ الزَّوجُ مَثلًا: «بل هوَ خَمسُمِائةِ دِينارٍ»، هل يُقبَلُ قَولُ الزَّوجِ أم الزَّوجةِ؟ أم يُقبَلُ قَولُ مَنْ أشبَهَ مِنهما؟
قالَ الحَنفيَّةُ: إنِ اختَلفَا في المَهرِ وهوَ دَينٌ مَوصوفٌ في الذِّمَّةِ أو عَينٌ حالَ قِيامِ النِّكاحِ -أي: قبْلَ الدُّخولِ أو بَعدَه- وكذا بعْدَ الطَّلاقِ والدُّخولِ بأنْ قالَتْ: «تَزوَّجتَني على أَلفَي دِينارٍ» وقالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ على ألفِ دِينارٍ» فأيُّهما أقامَ البيِّنةَ قُبلَتْ، وإنْ أقامَا فبيِّنةُ المَرأةِ تُقبَلُ؛ لأنها أكثَرُ إثباتًا.
فإنْ لم يَكنْ لهُما بيِّنةٌ تَحالَفَا، فأيُّهما نكَلَ قُضيَ عليهِ، وإذا تَحالَفَا لا يُفسحُ النِّكاحُ؛ لأنَّ أثَرَ التَّحالُفِ في انعِدامِ التَّسميةِ، وذلكَ لا يَمنعُ صحَّةَ النِّكاحِ، بدَليلِ صحَّتِه بدُونِ التَّسميةِ، بخِلافِ البَيعِ، لَكنْ يُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ، فإنْ كانَ مِثلَ ما قالَتْ أو أكثرَ قُضيَ بقَولِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ لها،
(١) «كشاف القناع» (٥/ ١٧١، ١٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١١)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١).
وإنْ كانَ مِثلَ ما قالَ أو أقلَّ قُضيَ بقَولِه، وإنْ كانَ أقلَّ مِمَّا قالَتْ وأكثَرَ مِمَّا قالَ قُضيَ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ لم تَثبُتِ الزِّيادةُ على مَهرِ المِثلِ نَظرًا إلى يَمينِه، ولا الحَطيطةُ منهُ نَظرًا إلى يَمينِها، فإذا سَقطَتِ التَّسميةُ بالتَّحالُفِ اعتُبِرَ مَهرُ المِثلِ كما إذا لم تُوجدِ التَّسميةُ حَقيقةً، ويُبدَأُ بيَمينِ الزَّوجِ كما في المُشتَري؛ لأنهُ مُنكِرٌ.
وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها ثمَّ اختَلفَا فالقَولُ قَولُه في نِصفِ المَهرِ، وقيلَ: لها مُتعةُ مِثلِها؛ لأنَّ المُتعةَ مُوجَبةٌ بعْدَ الطَّلاقِ كمَهرِ المِثلِ قبْلَه فتَحكُمُ كهوَ.
وهذا كلُّهُ عِنْدَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ: أنَّ القَولَ في الدَّعاوَى قَولُ مَنْ يَشهدُ لهُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ شاهِدٌ لمَن يَشهدُ لهُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ هوَ المُوجِبُ الأصليُّ في بابِ النِّكاحِ.
وقالَ أبو يُوسفَ: القَولُ قَولُ الزَّوجِ قبْلَ الطَّلاقِ وبَعدَه؛ لأنَّ المَرأةَ تَدَّعِي الزِّيادةَ والزَّوجُ يُنكِرُ، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ معَ يَمينِه، إلَّا أنْ يأتِيَ بشيءٍ يُكذِّبُه الظَّاهِرُ فيهِ؛ وهذا لأنَّ تَقوُّمَ مَنافِعِ البُضعِ ضَروريٌّ، فمَتى أمكَنَ إيجابُ شيءٍ مِنْ المُسمَّى لا يُصارُ إليهِ (١).
(١) «الاختيار» (٢/ ١٤٧)، و «الهداية» (١/ ٢١٢)، و «البناية» (٥/ ١٩٥)، و «العناية» (٥/ ٣٩، ٤١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٥٦)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٩٦)، و «النهر الفائق» (٢/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٤٨)، و «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٤/ ١٤١، ١٤٢).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ المَهرُ مِنْ الأثمانِ المُطلَقةِ فاختَلفَا في قَدْرِهِ بأنْ قالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ على أَلفِ دِرهمٍ» وقالَتِ المَرأةُ: «تَزوَّجتَني على ألفَينِ»، أو قالَ الزَّوجُ: «تَزوَّجتُكِ عَلى مِائةِ دِينارٍ» وقالَتِ المَرأةُ: «على مِائَتَي دِينارٍ تَحالفَا»، ويُبدَأُ بيَمينِ الزَّوجِ، فإنْ نكَلَ أعطاها أَلفَين، وإنْ حلَفَ تَحلِفُ المَرأةُ، فإنْ نكَلَتْ أَخذَتْ ألفًا، وإنْ حَلفَتْ يُحكَمُ لها بمَهرِ المِثلِ إنْ كانَ مَهرُ مِثلِها مِثلَ ما قالَتْ أو أكثرَ فلَها ما قالَتْ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها مِثلَ ما قالَ الزَّوجُ أو أقلَّ فلَها ما قالَ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها أقلَّ مِمَّا قالَتْ وأكثَرَ ممَّا قالَ فلَها مَهرُ مِثلِها، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَتحالَفانِ، والقَولُ قَولُ الزَّوجِ في هذا كُلِّه، إلَّا أنْ يأتِيَ بمُستنكَرٍ جِدًّا.
والحاصِلُ أنَّ أبا حَنيفةَ ومُحمدًا يحكمانِ مَهرَ المِثلِ ويُنهِيانِ الأمرَ إليهِ، وأبو يُوسفَ لا يحكمُه، بل يَجعلُ القولَ قولَ الزَّوجِ معَ يَمينِه إلَّا أنْ يأتِيَ بشيءٍ مُستنكَرٍ، وقَد اختُلفَ في تَفسيرِ المُستنكَرِ، قيلَ: هو أنْ يدَّعِي أنهُ تَزوَّجَها على أقلَّ مِنْ عَشرةِ دَراهِمَ، وهذا التَّفسيرُ يُروى عن أبي يُوسفَ رحمة الله عليه؛ لأنَّ هذا القَدرَ مُستنكَرٌ شَرعًا، إذْ لا مَهرَ في الشَّرعِ أقلَّ مِنْ عَشرةٍ.
وقيلَ: هُو أنْ يَدَّعِي أنهُ تَزوَّجَها على ما لا يُزوَّجُ مِثلُها بهِ عادةً، وهذا يُحكَى عَنْ أبي الحَسنِ؛ لأنَّ ذلكَ مُستنكَرٌ عُرفًا، وهوَ الصَّحيحُ مِنْ التَّفسيرِ؛ لأنهُما اختَلفَا في مِقدارِ المَهرِ المُسمَّى، وذلكَ اتِّفاقٌ مِنهُما على أصلِ المَهرِ المُسمَّى، وما دُونَ العَشرةِ لَم يُعرَفْ مَهرًا في الشَّرعِ بلا خِلافٍ بيْنَ أصحابِنا.
وقد رُويَ عن أبي يُوسفَ في المُتبايعَينِ إذا اختَلفَا في مِقدارِ الثَّمنِ والسِّلعةُ هالِكةٌ: أنَّ القولَ قولُ المُشتَري ما لَم يأتِ بشيءٍ مُستنكَرٍ.
وجهُ قَولِ أبي يُوسُفَ: أنَّ القولَ قَولُ المُنكِرِ في الشَّرعِ، والمُنكِرُ هو الزَّوجُ؛ لأنَّ المرأةَ تَدَّعِي عليهِ زِيادةَ مَهرٍ وهوَ يُنْكِرُ ذلكَ، فكانَ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه كما في سائِرِ المَواضِعِ، والدَّليلُ عليهِ أنَّ المُتعاقدَينِ في بابِ الإجارةِ إذا اختَلفَا في مِقدارِ المُسمَّى لا يُحكَمُ بأجرِ المِثلِ، بل يكونُ القَولُ قولَ المُستأجِرِ مَع يَمينِه لِمَا قُلنا، كذا هذا.
ولهُمَا: أنَّ القولَ في الشَّرعِ والعَقلِ قَولُ مَنْ يَشهدُ لهُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ يَشهدُ لِمَنْ يُوافِقُ قَولُه مَهرَ المِثلِ؛ لأنَّ النَّاسَ في العاداتِ الجاريةِ يُقدِّرونَ المُسمَّى بمَهرِ المِثلِ ويَبنونَه عليهِ لا بِرضَا الزَّوجِ بالزِّيادةِ عليهِ، والمَرأةُ وأولياؤُها لا يَرضونَ بالنُّقصانِ عنهُ، فكانَتِ التَّسميةُ تَقديرًا لمَهرِ المِثلِ وبناءً عليهِ، فكانَ الظَّاهِرُ شاهِدًا لِمَنْ يَشهدُ لهُ مَهرُ المِثلِ فيُحكمُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ أَلفينِ فلها ذلكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ لها، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ أَلفينِ لا يُزادُ عليهِ؛ لأنها رَضيَتْ بالنُّقصانِ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا فلها ألفٌ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شاهِدٌ للزَّوجِ، وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ذلكَ لا يَنقصُ عن ألفٍ؛ لأنَّ الزَّوجَ رَضيَ بالزِّيادةِ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها أكثَرَ مِمَّا قالَ وأقلَّ ممَّا قالَتْ فلها مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ هو الواجِبُ الأصليُّ، وإنَّما التَّسميةُ تَقديرٌ لهُ لِمَا قُلنا، فلا يُعدَلُ عنهُ إلَّا عندَ ثُبوتِ التَّسميةِ وصحَّتِها، فإذا لم يَثبتْ لوُقوعِ الاختِلافِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى المُوجِبِ الأصليِّ وتَحكيمُه، وإنَّما يَتَحالَفَانِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ
مِنهُما مُدَّعٍ مِنْ وَجهٍ ومُنكِرٌ مِنْ وَجهٍ؛ أمَّا الزَّوجُ فلأنَّ المَرأةَ تَدَّعي عليهِ زِيادةَ ألفٍ وهو مُنكِرٌ، وأمَّا المَرأةُ فلأنَّ الزَّوجَ يدَّعِي عليها تَسليمَ النَّفسِ عندَ تَسليمِ الألفِ إليها وهيَ تُنكِرُ، فكانَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما مُدَّعيًا مِنْ وَجهٍ ومُنكِرًا مِنْ وَجهٍ فيَتحالَفانِ؛ لقَولِه ﷺ: «واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ويُبدأُ بيَمينِ الزَّوجِ؛ لأنهُ أشَدُّ إنكارًا أو أسبَقُ إنكارًا مِنْ المَرأةِ؛ لأنهُ مُنكِرٌ قبْلَ تَسليمِ النَّفسِ وبعْدَه، ولا إنكارَ مِنْ المَرأةِ بعدَ تَسليمِ النَّفسِ، وقبْلَ التَّسليمِ هو أسبَقُ إنكارًا؛ لأنَّ المَرأةَ تَقبضُ المَهرَ أوَّلًا ثمَّ تُسلِّمُ نفْسَها فتُطالِبُه بأداءِ المَهرِ إليها وهوَ يُنكرُ، فكانَ هو أسبَقَ إنكارًا، فكانَتِ البدايةُ بالتَّحليفِ مِنه أَولى؛ لِمَا قُلنا في اختِلافِ المُتبايعَينِ …
ثمَّ إذا وجَبَ التَّحالفُ وبُدئَ بيَمينِ الزَّوجِ، فإنْ نكَلَ يُقضَى عليهِ بألفَينِ؛ لأنَّ النُّكولَ حُجَّةٌ يُقضَى بها في بابِ الأموالِ بلا خِلافٍ بيْنَ أصحابِنا، ولا خِيارَ للزَّوجِ وهوَ أنْ يُعطيَها مَكانَ الدَّراهِمِ دَنانيرَ؛ لأنَّ تَسميةَ الألفَينِ قَدْ تَثبتُ بالنُّكولِ؛ لأنهُ بمَنزِلةِ الإقرارِ، ومِن شأنِ المُسمَّى أنْ لا يكونَ للزَّوجِ العُدولُ عنهُ إلى غَيرِه إلَّا برِضَا المرأةِ، وإنْ حلَفَ تَحلفُ المرأةُ، فإنْ نكَلَتْ لم يُقضَ على الزَّوجِ إلَّا بالألفِ، ولا خيارَ لهُ؛ لِمَا قُلنَا في نُكولِ الزَّوجِ، وإنْ حَلفَتْ يحكمُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا قُضيَ لها على الزَّوجِ بألفٍ، ولا خِيارَ لهُ؛ لأنَّ تَسميةَ الألفِ قَدْ تَثبتُ بتَصادقِهما، فيُمنعُ الخِيارُ، وإنْ كانَ مَهرُ مِثلِها ألفَينِ قُضيَ لها بألفَينِ، ولهُ الخِيارُ في أخْذِ الألفَينِ دُونَ الآخَرِ؛ لثُبوتِ تَسميةِ أحَدِ الألفَينِ بتَصادقِهما دُونَ الآخَرِ، وإنْ
كانَ مَهرُ مِثلِها ألفًا وخَمسمائةٍ قُضيَ لها بألفٍ وخَمسِمائةٍ، ولا خيارَ له في قَدرِ الألفِ بتَصادُقِهما، وله الخيارُ في قَدرِ الخَمسمائةِ؛ لأنهُ لم تَثبتْ تَسميةُ هذا القَدرِ، فكانَ سَبيلُها سَبيلَ مَهرِ المِثلِ، فكانَ له الخيارُ فيها، ولا يُفسَخُ العَقدُ بَعدَ التَّحالِفِ في قولِ عامَّةِ العُلماءِ … (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ في قَدرِ المَهرِ أو صِفتِه أو جِنسِه فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ البناءِ وما يَنزلُ مَنزِلتَه كالمَوتِ والطَّلاقِ، وإمَّا أنْ يكونَ بَعدَ البناءِ.
فإنْ تَنازعَا قبْلَ البناءِ في قَدرِ المَهرِ بِأنْ قالَ: عَشرةٌ، وقالَتْ: عِشرينَ، أو صِفتِه بأنْ قالَتْ: بعَبدٍ رُوميٍّ، وقالَ: بعَبدٍ زِنجيٍّ، أو قالَتْ: بدَنانيرَ مُحمديةٍ، وقالَ: بل يَزيديةٍ، أو جِنسِه بأنْ قالَتْ: بذهَبٍ، وقالَ: بفضَّةٍ، أو: بعَبدٍ، وقالَ: بثَوبٍ، أو قالَتْ: بفَرَسٍ، وقالَ: بحِمارٍ؛ حَلفَا إنْ كانَا رَشيدينِ، وإلَّا فوَليُّهما، وتَبدأُ الزَّوجةُ، فيَحلفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما على ما ادَّعاهُ، وفُسخَ النِّكاحُ بطلاقٍ إذا لم يَحصُلْ مَوتٌ ولا طلاقٌ، ويَتوقَّفُ الفَسخُ على حُكمِ الحاكِمِ، وكذا إنْ نكَلَا، هذا إنْ أشبَها أو لم يُشبِها معًا، أمَّا إنْ أشبَهَ أحَدُهما فالقَولُ له بيَمينِه، فإنْ نكَلَ حلَفَ الآخَرُ ولا فسْخَ، هذا كلُّه إنْ كانَ التَّنازعُ في القَدرِ أو الصِّفةِ، وأمَّا في الجِنسِ فيُفسخُ مُطلَقًا حَلفَا أو أحَدُهما أو نكَلَا، أشبَها أو أحَدُهما أو لا، على الأرجَحِ، إلَّا أنْ يَرضَى أحَدُهما بقَولِ الآخَرِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦).
وانفِساخُ النِّكاحِ بتَمامِ التَّحالُفِ كالبَيعِ، وإنِّما يَكونُ إذا حكَمَ بهِ حاكِمٌ، فلا يَقعُ بمُجرَّدِ الحلِفِ، ويَقعُ ظاهِرًا وباطِنًا، وإنَّ نُكولَهُما كحلفِهِما، ويُقضَى للحالِفِ على النَّاكلِ، وأنَّ المرأةَ هيَ الَّتي تَبدأُ باليَمينِ؛ لأنها بائِعةٌ لبُضعِها.
وأمَّا إنِ اختَلفَا بَعدَ البِناءِ أو الطَّلاقِ أو المَوتِ فالقولُ للزَّوجِ بيَمينٍ مُطلَقًا، أشبَهَ أو لم يُشبِهْ، فإنْ نكَلَ حَلفَتِ الزَّوجةُ أو وَرثتُها في المَوتِ، وكانَ القَولُ لها في القَدرِ أو الصِّفةِ وإنْ لم يُشبِهْ، فإنْ نكَلَتْ أو وَرثتُها فالقولُ قولُ الزَّوجِ.
وأمَّا إنْ تَنازعَا في الجِنسِ بَعدَ البناءِ أو المَوتِ أو الدُّخولِ فيَجبُ لها صَداقُ المِثلِ (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ قبْلَ وَطءٍ أو بَعدَه معَ بَقاءِ الزَّوجيةِ أو زَوالِها في قَدرِ مَهرٍ مُسمًّى وكانَ ما يدَّعِيهِ الزَّوجُ أقلَّ كقَولِه: «عَقدْتُ بألفٍ» فقالَتْ: «بَلْ بألفَينِ»، أو في صِفتِه الشَّامِلةِ لجِنسِهِ والحُلولِ والتَّأجيلِ وقَدرِ الأجلِ كأنْ قالَتْ: «بألفِ دينارٍ» فقالَ: «بَلْ بألفِ دِرهمٍ» أو قالَتْ: «بألفٍ صَحيحةٍ» فقالَ: «بَلْ مُكسَّرةٍ»، أو بحالٍّ فقالَتْ: «بَلْ بمُؤجَّلٍ»، أو بمُؤجَّلٍ إلى سَنةٍ فقالَ: «بل إلى سَنتَينِ»، ولا بيِّنةَ لأحَدِهما أو تَعارضَتْ
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢٠، ٦٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٩٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٩٣، ١٩٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٧٦، ٧٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ١٩٦، ١٩٧).
بَيِّنتاهُما تَحالفَا قِياسًا على البَيعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليهِ، ويُبدأُ بالزَّوجِ لقوَّةِ جانبِهِ بَعدَ التَّحالفِ ببَقاءِ البُضعِ لهُ.
لو وجَبَ مَهرُ مِثلٍ لفَسادِ التَّسميةِ ونَحوِه فاختَلفَا في مِقدارِه فلا تَحالُفَ، ويُصدَّقُ الزَّوجِ بيَمينِه؛ لأنهُ غارمٌ والأصلُ بَراءةُ ذمَّتِه عمَّا زادَ.
ويَتحالَفُ عِنْدَ الاختِلافِ السَّابقِ أيضًا وارثاهُما أو وارِثُ واحِدٍ مِنهُما والآخَرُ؛ لقِيامِه مَقامَ مُورِّثِه.
لكن الزَّوجانِ يَحلفانِ على البَتِّ في النَّفيِ والإثباتِ، والوارِثُ يَحلِفُ على البَتِّ في الإثباتِ ونفيِ العلمِ، على القاعِدةِ في الحلِفِ على فِعلِ الغَيرِ، فيَقولُ وارِثُ الزَّوجِ: «واللهُ لا أعلَمُ أنَّ مُورِّثي نكَحَها بألفٍ، وإنَّما نكَحَها بخَمسِمِائةٍ»، ويَقولُ وارِثُ الزَّوجةِ: «واللهِ لا أعلَمُ أنهُ نكَحَ مُورِّثَتي بخَمسِمائةٍ، وإنَّما نكَحَها بألفٍ».
ثمَّ بَعدَ التَّحالُفِ المَذكورِ يُفسخُ المَهرُ المُسمَّى؛ لمَصيرِه بالتَّحالُفِ مَجهولًا، ويَجبُ مَهرُ مِثلٍ وإنْ زادَ على ما ادَّعتْه؛ لأنهُما لمَّا تحالَفَا وجَبَ رَدُّ البُضعِ وهو لا يُمكِنُ، فيَجبُ بَدلُه كالمَبيعِ التالِفِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا اختَلفَ الزَّوجانِ، أو اختَلفَ وَرثتُهما، أو أحَدُهما ووَرثةُ الآخَرِ، أو اختَلفَ وَليَّاهُما، أو اختَلفَ زَوجٌ ووَليُّ زَوجةٍ نَحو صَغيرٍ وعَكسُه كأنِ اختَلفَ وَليٌّ زَوجٍ نحو صَغيرٍ مع زَوجةٍ رَشيدةٍ أو معَ وَليِّ
(١) «البيان» (٩/ ٤٤٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٩٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٤٥، ١٤٦)، و «الديباج» (٣/ ٣٤٤، ٣٤٥).
غَيرِها أو معَ وَرثتِها في قَدرِ صَداقٍ بأنْ قالَ: «تَزوَّجتُكِ على عِشرينَ» فتَقولُ: «بل على ثَلاثينَ»، أو في عَينِه بأنْ قالَ: «هذا العَبدِ» فتَقولُ: «بل هذهِ الأمَةُ»، أو في صِفتِه بأنْ قالَ: «على عَبدٍ زِنجيٍّ» فقالَتْ: «بل أبيضَ» روميًّا، أو في جِنسِه بأنْ قالَ: «على فضَّةٍ» فتَقولُ: «على ذهَبٍ» أو ما يَستقِرُّ به الصَّداقُ؛ بأنِ ادَّعَتْ وَطئًا أو خَلوةً، وأنكَرَ فالقَولُ قَولُ الزَّوجِ أو وَليِّه أو وارثِهِ بيَمينِه، ولو لم يكُنْ ما ادَّعاهُ الزَّوجُ أو وَليُّه أو وارثُه مَهرَ المِثلِ؛ لأنهُ مُنكِرٌ لِمَا يُدَّعى عليهِ فدخَلَ في عُمومِ قَولِه ﷺ: «ولَكنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليهِ»، ولأنَّ الأصلَ بَراءتُه ممَّا يُدَّعى عليهِ.
ومَن تَوجَّهَ عليهِ اليَمينُ مِنْ الزَّوجَينِ والوليِّ فحلَفَ على فِعلِ نَفسِه فيَحلفُ على البَتِّ؛ لأنهُ الأصلُ في اليَمينِ، وإلَّا بأنْ تَوجَّهَ عليهِ اليَمينُ على فِعلِ غَيرِه فيَحلفُ على نَفيِ العِلمِ، ومحَلُّ حَلفِه على نَفيِ العِلمِ إنْ لم يَحضُرِ العَقدَ، فإنْ حضَرَ العَقدَ فلهُ الحَلفُ على البَتِّ في قَدرِ الصَّداقِ وعَينِه وجِنسِه وصَنعتِه.
وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: أنَّ القولَ قَولُ مَنْ يَدَّعي مَهرَ المِثلِ مِنهُما؛ لأنَّ الظَّاهرَ صِدقُ ما يَدَّعِيه، فيُقدَّمُ قَولُه، أشبَهَ المُنكِرَ في سائِرِ الدَّعاوَى، فلو ادَّعتِ المَرأةُ مَهرَ المِثلِ أو أقلَّ منهُ قُبلَ قَولُها، وإنِ ادَّعَى الزَّوجُ مَهرَ المِثلِ أو أكثَرَ منهُ قُبلَ قَولُه؛ لأنَّ الظَّاهرَ صِدقُ المُدَّعِي، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يكونَ هذا الاختِلافُ قبْلَ الدُّخولِ أو بعدَه، قبْلَ الطَّلاقِ أو بعدَه.
فإنِ ادَّعى أقلَّ منهُ وادَّعتْ أكثَرَ منهُ رُدَّ إلى مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ ذلكَ فائِدةُ
قَبولِ قولِ مَنْ يَدَّعيهِ بلا يَمينٍ عِنْدَ القاضي؛ لأنها دَعوى في نِكاحٍ أشبَهَتْ الدَّعوَى في أصلِ النِّكاحِ في الأحوالِ كلِّها، سواءٌ وافَقَ قولَ الزَّوجِ أو قولَها.
وعندَ أبي الخطَّابِ: يَجبُ اليَمينُ؛ لأنهُ اختِلافٌ فيما يَجوزُ بَدلُه، فوجَبَ أنْ تَجبَ فيه اليَمينُ كسائِرِ الدَّعاوى في الأموالِ.
وفي «المُغْني»: إذا ادَّعى أقلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ وادَّعتْ أكثَرَ منهُ رُدَّ إلى مَهرِ المِثلِ، ولم يَذكُرْ أصحابُنا يَمينًا، والأَولى أنْ يَتحالَفَا، فإنَّ ما يَقولُه كلُّ واحِدٍ مِنهُما مُحتمِلٌ للصِّحةِ، فلا يُعدَلُ عنهُ إلَّا بيَمينٍ، كالمُنكِرِ في سائرِ الدَّعاوي، ولأنهُما مُتساويانِ في عَدمِ الظُّهورِ، فشُرعَ التَّحالُفُ كاختِلافِ المُتبايعَينِ.
وعنهُ رِوايةٌ ثالثةٌ: يَتحالَفانِ، فإنْ حلَفَ أحَدُهما ونكَلَ الآخَرُ ثبَتَ ما قالَه الآخَرُ، وإنْ حَلفَا وجَبَ مَهرُ المِثلِ (١).
ج- الاختِلافُ في قَبضِ المَهرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لوِ اتَّفقَ الزَّوجانِ على المَهرِ وقَدرِه، إلا أنَّهما اختَلفَا في قَبضِه، فادَّعَى الزَّوجُ أنهُ أقبَضَها المَهرَ وادَّعتِ الزَّوجةُ أنهُ لَم يُقبِضْها المَهرَ، هل يُقبَلُ قَولُ الزَّوجةِ؟ أم الزَّوجِ؟ أم يُرجَعُ إلى العُرفِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى
(١) «المغني» (٧/ ١٧٩)، و «الكافي» (٣/ ١١٢)، و «المبدع» (٧/ ١٦٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٨٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧١، ١٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٢٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١).
أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في قَبضِ المَهرِ مع اتِّفاقِهما على قَدرِه فقالَ الزَّوجُ: «قَدْ أقبَضْتُكِ مَهرَكِ» وقالَتِ الزَّوجةُ: «لَم أقبَضْه» فالقَولُ قولُ الزَّوجةِ معَ يَمينِها أنها لَم تَقبضْه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القَبضِ وبَقاءُ المَهرِ، وسَواءٌ كانَ قبْلَ الدُّخولِ أو بَعدَه، أو قبْلَ الزّفافِ أو بَعدَه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «البيِّنةُ على المُدَّعِي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، والزَّوجُ مُدَّعٍ فكُلِّفَ البيِّنةَ، والزَّوجةُ مُنكِرةٌ فكُلِّفتِ اليَمينَ، ولأنَّ مَنْ ثبَتَ في ذمَّتِه حَقٌّ لغَيرِه لم يُقبَلْ قَولُه في دَفعِه كالدُّيونِ.
ولا يَصحُّ الاعتِبارُ بالعادةِ؛ لأنَّ عاداتِ النَّاسِ فيهِ مُختلِفةٌ (١).
وفي رِوايةٍ عَنْ الإمامِ أحمَدَ: أنهُ يُقبَلُ قَولُ الزَّوجِ معَ يَمينِه (٢).
وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إنْ تَنازعَا في قَبضِ ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ فقالَ الزَّوجُ: «دَفعتُه لكِ» وقالَتْ: «لم تَدفَعْه بل هو باقٍ عِندكَ» فلا يَخلُو هذا: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ البناءِ أو بَعدَه.
فإنْ كانَ قبْلَ البِناءِ فالقَولُ قَولُها بيَمينِها أنها لم تَقبضْه إنْ كانَتْ رَشيدةً،
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٨٦)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٠٠، ٥٠١)، و «المهذب» (٢/ ٦٢)، و «البيان» (٩/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «المغني» (٧/ ١٨١)، و «المبدع» (٧/ ١٦٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٩٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٨)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٢٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١).
(٢) «المبدع» (٧/ ١٦٥).
وإلَّا فَوليُّها هو الَّذي يَحلِفُ، فإنْ نكَلَ وَليُّها غَرمَ لها؛ لإضاعتِهِ بنُكولِه ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ.
وإنْ كانَ التَّنازعُ بَعدَ البناءِ فالقولُ قَولُه بيَمينِه؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ المَرأةَ لا تُسلِّمُ سِلعتَها حتَّى تَقبضَ صَداقَها، لكنْ بيَمينٍ إنْ كانَ مالِكًا لأمرِ نَفسِه، وإلَّا فوَليُّه، لَكنْ بأربَعةِ شُروطٍ:
الأوَّلُ: إنْ لم يَكنِ العُرفُ تأخيرَ ما حَلَّ مِنْ الصَّداقِ، بأنْ كانَ عُرفُهم تَقديمَه، أو لا عُرفَ لهم، فإنْ كانَ العُرفُ تأخيرَه فلا يكونُ القَولُ قولَه، بل قَولُها.
والثَّاني: ولَم يكنْ مَعها رَهنٌ، وإلَّا فالقَولُ لها لا لهُ.
والثَّالثُ: ولم يكنِ الَّصداقُ مَكتوبًا بكِتابٍ -أي وَثيقةٍ-، وإلَّا فالقَولُ لها.
والرَّابعُ: وادَّعى بَعدَ البناءِ دفْعَه لها قبْلَ البناءِ؛ لأنَّ البِناءَ مُقَوٍّ لدَعواهُ القَبضَ حيثُ حصَلَ بَعدَ القَبضِ، فإنِ ادَّعَى دفْعَه بَعدَه فقَولُها بيَمينٍ وعليهِ البَيانُ.
وأمَّا التَّنازعُ في مُؤجَّلِ الصَّداقِ -سَواءٌ كانَ التَّنازعُ قبْلَ البِناءِ أو بَعدَه- فالقولُ قَولُها كسائِرِ الدُّيونِ مِنْ أنَّ مَنْ ادَّعى الدَّفعَ فلا يُبْرِئُه إلَّا البيِّنةُ أو اعتِرافٌ مِنْ رَبِّ الدَّينِ (١).
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٩٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٨١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٠٣، ٢٠٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل حكم اختلاف الزوجين في المهر
وَالثَّانِيَةَ تَسْتَحِقُّ الْكُلَّ فَاسْتِحْقَاقُ بَعْضِ الْمَهْرِ لَمَّا مَنَعَ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الْمُتْعَةِ فَاسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْمَتَاعِ فِيهَا عَلَى النَّدْبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ إنَّهُ يُنْدَبُ الزَّوْجُ إلَى ذَلِكَ كَمَا يُنْدَبُ إلَى أَدَاءِ الْمَهْرِ عَلَى الْكَمَالِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي حَالِ قِيَامِ الْعِدَّةِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتَاعٌ إذْ الْمَتَاعُ اسْمٌ لِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ كُلِّهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بَعْدَ الدُّخُولِ تُسْتَحَبُّ فِيهَا الْمُتْعَةُ إلَّا أَنْ يَرْتَدَّ أَوْ يَأْبَى الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ طَلَبُ الْفَضِيلَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَضِيلَةِ.
(وَأَمَّا) تَفْسِيرُ الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ، فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهَا ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ دِرْعٌ، وَخِمَارٌ، وَمِلْحَفَةٌ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَرْفَعُ الْمُتْعَةِ الْخَادِمُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبِرْنِي عَنْ الْمُتْعَةِ، وَأَخْبِرْنِي عَنْ قَدْرِهَا، فَإِنِّي مُوسِرٌ، فَقَالَ: اُكْسُ كَذَا اُكْسُ كَذَا اُكْسُ كَذَا قَالَ: فَحَسَبْتُ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْرَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَلَّ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
ارجع إلى الاختلاف في المهر للاطلاع على جميع المسائل.