إذا بلغ الولد أين يكون؟

الإسلام > النكاح والأسرة > الحالات التي لا تسقط فيها حضانة الأم إذا تزوجت > إذا بلغ الولد أين يكون؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

إذا بلغ الولد أين يكون؟ - الأقوال والأدلة

يَتعينُ أحَدُهما مُطلَقًا، بل مع العُدوانِ والتَّفريطِ والفَسادِ والضَّررِ لا يُقدَّمُ مَنْ يكونُ كذلكَ على البَرِّ العادِلِ المُحسنِ القائمِ بالواجِبِ (١).

إذا بلَغَ الوَلدُ أينَ يَكونُ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في الغُلامِ أو الجارِيةِ إذا بلَغَا أينَ يَكونُ، هل له حَقُّ الانفرادِ بنَفسِه فيَسكنُ حيثُ أحَبَّ ولا يُجبَرُ على الكَونِ مع أحَدِهما؟ أم يُجبَرُ؟

فالَّذي عليهِ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ أنَّ الولدَ البالغَ الرَّشيدَ له الانفِرادُ بنَفسِه عن أبوَيهِ، ولا يُجبَرُ على الكَونِ عندَ أحَدِهما.

وأما البِنتُ فعندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ تُجبَرُ على السُّكنى معَ أحَدِ أبوَيها على التَّفصيلِ التالي.

وعندَ الشافِعيةِ لها الانفِرادُ إذا كانَتْ أمِينةً.

وأما الثيِّبُ فيَجوزُ لها الانفِرادُ عندَ الجُمهورِ إذا كانَتْ أمينةً ولم يُخْشَ منها شَيءٌ.

قالَ الحَنفيةُ: الغُلامُ إذا بلَغَ رَشيدًا فلَه أنْ يَنفردَ بالسُّكنى، وليسَ لأبيه أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه بغيرِ اختِيارِه، إلا أنْ يَكونَ مُفسدًا مَخوفًا عليهِ، فحِينئذٍ له أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه بغيرِ اختيارِه؛ اعتِبارًا لنَفسِه بمالِه، فإذا بلَغَ رَشيدًا لا يَبقَى للأبِ يَدٌّ في مالِه، فكذا في نَفسِه، وإذا بلَغَ مُبذِّرًا كانَ له وِلايةُ حِفظِ مالِه، فكذا له أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه إمَّا لدَفعِ الفِتنةِ، أو لدَفعِ العارِ عن نَفسِه، فإنه يُعيَّرُ بفَسادِ ابنِه.

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٣٠، ١٣٢)، و «المستدرك على مجموع الفتاوى» (٥/ ٨٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١٣، ٢١٤).

وأما الجارِيةُ إذا كانَتْ بِكرًا فلِأبيها أنْ يَضمَّها إلى نَفسِه بعدَ البُلوغِ وإنْ كَرهَتْ، حتَّى وإنْ كانَتْ مَأمونةً؛ لأنها لم تَختبِرِ الرِّجالَ ولم تَعرفْ حِيلَهم، فيُخافُ عليها الخِداعُ منهُم.

وأما الثيِّبُ فإنْ كانَتْ مَأمونةً لا يُخافُ عليها الفِتنُ فليسَ له أنْ يَضمَّها إلى نَفسِه؛ لأنها اختبَرتِ الرِّجالَ وعَرفَتْ كَيدَهم، فأمِنَ عليها مِنْ الخِداعِ، وقد زالَتْ وِلايتُه بالبلوغِ، فلا حاجَةَ إلى ضَمِّه، وإنْ كانَتْ مَخوفًا عليها فله أنْ يَضمَّها إليه؛ لِما ذكَرْنا في حَقِّ الغُلامِ.

والجَدُّ بمَنزلةِ الأبِ فيهِ، وإنْ لم يكنْ لها أبٌ ولا جدٌّ وكانَ لها أخٌ أو عَمٌّ فلَه أنْ يَضمَّها إذا لم يَكنْ مُفسدًا، أما إذا كانَ مُفسدًا فلا يُمكَّنُ مِنْ ذلكَ، وكذا الحُكمُ في كلِّ عَصبةٍ ذِي رَحمٍ مَحرمٍ منها.

وكذلك البِكرُ إذا طعَنَتْ في السنِّ، فإنْ كانَ لها عَقلٌ ورأيٌ ويُؤمَنُ عليها مِنْ الفَسادِ فليسَ لغَيرِ الأبِ والجَدِّ أنْ يَضمَّها إليه، وإنْ خيفَ عليها ذلكَ فلِلأخِ والعمِّ ونَحوِهما مِنْ العَصباتِ أنْ يَضمَّها إليه إذا لم يَكنْ مُفسدًا، وإنْ لم يَكنْ لها أبٌ ولا جَدٌّ ولا غيرُهما مِنْ العَصبةِ أو كانَ لها عَصبةٌ مُفسِدٌ فلِلقاضي أنْ يَنظرَ في حالِها، فإنْ كانَتْ مَأمونةً خَلَّاها تَنفردُ بالسُّكنى، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أو ثَيبًا، وإلا وضَعَها عندَ امرأةٍ أمينةٍ ثِقةٍ تَقدرُ على الحِفظِ؛ لأنه جُعلَ ناظِرًا للمُسلمينَ (١).

(١) «المبسوط» (٥/ ٢١٢، ٢١٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٧٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٧٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٨٦).

وقالَ المالِكيةُ: تَكونُ البِنتُ عندَ أمِّها إلى أنْ تَنكحَ ويَدخلَ بها زَوجُها، ولا تَنفردُ بنَفسِها، وأما الغُلامُ فلَه ذلكَ إذا بلَغَ رَشيدًا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا بلَغَ الغُلامُ رَشيدًا واكتَفى بنَفسِه لا يلزمُ أنْ يكونَ عندَ كلِّ واحِدٍ منهُما في مَنزلِه كما لا يلزَمُ أنْ يُنفقَ عليه؛ لأنَّ السُّكنى تَبعٌ للنَّفقةِ، ولو سَألاهُ المُقامَ عندَهُما أو عندَ أحَدِهما لم يَلزمْه المُقامُ فيه؛ لأنه قد ملَكَ تَصرُّفَ نفسِه، لكنْ يُكرَهُ له التفرُّدُ عنهُما؛ مُحافَظةً على بِرِّهما وحَذرًا مِنْ عُقوقِهما، ومُقامُه مع أبيه أَولى مِنْ مقامِه عندَ أمِّه؛ للتَّجانسِ وإنفاقِهما على التصرفِ والتعاوُنِ، فإنِ امتَنعَ مِنْ البقاءِ معَ واحدٍ منهُما لم يُجبَرْ ولم يَأثمْ، ما لم يَخرجْ عن حَدِّ البِرِّ إلى العُقوقِ.

فأما الجارِيةُ إذا بلَغَتْ فحُكمُها أغلَظُ؛ لكَونِها عَورةٌ تَرمقُها العُيونُ وتَسبقُ إليها الظُّنونُ، فيَلزمُها ويَلزمُ أبوَيها مِنْ نَفيِ التُّهمةِ عنها ما لا يَلزمُها في حقِّ الابنِ، وإذا كانَ كذلكَ فالأَولى بها ألَّا تُفارِقَ أحَدَ أبوَيها، ومُقامُها مع أمِّها أَولى مِنْ مُقامِها مع أبيها؛ لأنها أقدَرُ على حِفظِها وأخبَرُ بتَدبيرِها؛ لأنَّ النساءَ أعرَفُ مِنْ الرِّجالِ بعَاداتِ النِّساءِ، كما كانَ الرِّجالُ أعرَفَ مِنْ النِّساءِ بعاداتِ الرِّجالِ؛ لأجلِ التَّجانسِ وتَشابهِ الأخلاقِ.

فإنْ فارَقَتْ أبوَيها نُظرَ في حالِها، فإنْ انتَفتِ الرِّيبةُ عنها في فِراقِها لم يَكنْ لهُما عليهِا اعتِراضٌ، وإنْ كانَ الأَولى بها ألَّا تُفارِقَ بِرَّهما، وإنْ

(١) «المعونة» (١/ ٦٤٢) التاج والإكليل» (٣/ ٢٥٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٠٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٣٧).

تَوجَّهتْ إليها رِيبةٌ كانَ لهُما في حَقِّ صِيانتِها أنْ يَأخذَاها بما يَنفِي الرِّيبةَ عنها مِنْ مُقامِها عندَ أحَدِهما أو عندَ مَنْ يُوثَقُ به مِنْ أهلِها، والنِّساءُ منهُم أَولى مِنْ الرِّجالِ؛ لفَضلِ الاحتِياطِ، وإنْ طلَبَتِ المُقامَ عندَ أحَدِ أبوَيها فامتَنعَ نُظرَ، فإنْ كانَ لخَوفِها على عَقِّها أُخذَا جَبْرًا بمُقامِها عندَ أحَدِهما، وإنْ كانَ لسُقوطِ مُؤنةِ السُّكنى لم يُجبَرْ واحِدٌ منهُما عليها كما لا يُجبَرُ على نَفقتِها، ويُكرهُ لهُما تَضييعُها، فإذا تزوَّجتْ صارَ الأبُ أحَقَّ بها منهُما.

فإنْ أيِّمَتْ بمَوتِ الزَّوجِ أو طَلاقٍ كانَتْ حالُها في الانفِرادِ عن أبوَيها بعدَ الأَيمةِ أخَفَّ مِنْ حالِها قبْلَها؛ لأنها قد خَبرتْ وخَرَجتْ عن حَدِّ الغرَّةِ، فلا يُكرهُ لها الانفِرادُ، فإنْ ظهَرَ منها بعدَ الأيمَةِ رِيبةٌ تولَّى الأبَوانِ حسْمَها (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إذا كانَ الولدُ بالغًا رَشيدًا فلا حَضانةَ عليه؛ لأنه استَقلَّ بنَفسِه وقدَرَ على إصلاحِ أمورِه بنَفسِه، فوجَبَ انفكِاكُ الحَجرِ عنه، وإليه الخِيَرةُ في الإقامةِ عندَ مَنْ شاءَ مِنْ أبوَيهِ؛ لأنه لم تَثبتِ الوِلايةُ عليه لأحَدٍ، فإنْ كانَ رَجلًا فلهُ الانفِرادُ بنَفسِه؛ لاستِغنائِه عنهُما، ويُستحَبُّ أنْ لا يَنفردَ عنهُما ولا يَقطعَ بِرَّه عنهُما.

وإنْ كانَتْ جارِيةً لم يَكنْ لها الانفِرادُ بنَفسِها، ولأبيها مَنعُها منه؛ لأنه لا يُؤمَنُ أنْ يَدخلَ عليها مَنْ يُفسدُها ويُلحقُ العارُ بها وبأهلِها، وإنْ لم يَكنْ لها أبٌ فلوَليِّها وأهلِها مَنعُها مِنْ ذلكَ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٥١١)، و «البيان» (١٠/ ٢٧٤).
(٢) «المغني» (٨/ ١٩١)، و «الكافي» (٣/ ٣٨٦، ٣٨٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب أين يكون اللعان)

(باب أين يكون اللعان)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ فَإِذَا لَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فِي مَكَّةَ فَبَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ أَوْ بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ ببيت ففي مسجده وَكَذَا كُلُّ بَلَدٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اللِّعَانُ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِه وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ لِعَانٌ. غَيْرُ هَذَيْنِ - فَتَوَلَّاهُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِمَا وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ عِنْدَنَا - وَشَهَادَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ إِلَّا بِحُكْمٍ، فَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَاللِّعَانُ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ حَتَّى لَا يُقْدِمَ الْمُتَلَاعِنَانِ عَلَى دَعْوَى كَذِبٍ وَارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، فَوَجَبَ تَغْلِيظُهُ بِمَا يَزْجُرُ عَنْهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ، وَتَغْلِيظُهُ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: بِالتَّكْرَارِ، وَبِالْمَكَانِ، وَبِالزَّمَانِ، وَبِالْجَمَاعَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 543 - 546

ارجع إلى الحالات التي لا تسقط فيها حضانة الأم إذا تزوجت للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد