هل يخير الولد إذا بلغ سن التمييز أم لا؟

الإسلام > النكاح والأسرة > الحالات التي لا تسقط فيها حضانة الأم إذا تزوجت > هل يخير الولد إذا بلغ سن التمييز أم لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

هل يخير الولد إذا بلغ سن التمييز أم لا؟ - الأقوال والأدلة

هل يُخيَّرُ الوَلدُ إذا بلَغَ سِنَّ التَّمييزِ أم لا؟

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ -كما تَقدَّمَ- على أنَّ الأمَّ إذا طلقَتْ مِنْ زوجِها ولم تَتزوجْ أنها أحَقُّ بالوَلدِ.

واتَّفقُوا أيضًا على أنَّ الغُلامَ الصَّغيرَ لا يُخيَّرُ إلى أنْ يَبلغَ سِنَّ التَّمييزِ وهو سَبعُ سَنواتٍ، ويَثبتُ للأمِّ الحَقُّ في الحَضانةِ إلى سِنِّ التَّمييزِ بلا خِلافٍ بينَهُم (١).

ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَلدِ -الغُلامِ أو الأُنثى- إذا بلَغَ سبْعَ سِنينَ، هل يَثبتُ له التَّخييرُ بينَ أبوَيهِ عندَ تُنازعِ الأبوَينِ فيَذهبُ عندَ أيِّهما شاءَ؟ أم لا يَثبتُ له ويَكونُ عندَ الأمِّ إلى البُلوغِ أو الزَّواجِ بالبِنتِ؟ على خِلافٍ بينَهُم في ذلكَ.

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الولَدَ يَكونُ عندَ أمِّه ولا يُخيَّرُ قبلَ البُلوغِ.

قالَ المالِكيةُ: ويَكونُ الغُلامُ عندَ أمِّه إلى أنْ يَبلغَ، والجاريةُ إلى أنْ تَتزوَّجَ ويَدخلَ بها زَوجُها؛ لأنَّ الابنةَ تَحتاجُ إلى الحِفظِ والمُراعاةِ إلى أكثَرَ ممَّا يَحتاجُ إليه الابنُ، وبُلوغُها لا يُزيلُ ذلكَ؛ لأنها مُعرَّضةٌ للأزواجِ، وبنَفسِ بُلوغِها لا تَعرفُ مَصالحَ نَفسِها، والأزواجُ يَرغَبونَ فيمَن يَكنفُها أبوها وأمُّها ومَن لم تَخرجْ عن حَضانتِهما ومُراعاتِهما أكثَرَ مِنْ رَغبتِهم في المُتخليةِ بنَفسِها، فكانَتِ المَصلحةُ لها في تَبقيةِ حقِّ الحَضانةِ عليها (٢).

(١) «جامع المسائل» (٣/ ٤٢٦).
(٢) «المعونة» (١/ ٦٤٢) التاج والإكليل» (٣/ ٢٥٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٠٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٣٧).

وقالَ الحَنفيةُ: يَكونُ الغُلامُ عندَ أمِّه أو جدَّتِه حتى يَستغنيَ فيَأكلَ وحْدَه ويَشربَ وحْدَه ويَلبسَ وحْدَه ويَستنجيَ وحْدَه؛ لأنه إذا استَغنَى يَحتاجُ إلى التأدُّبِ والتخلُّقِ بآدابِ الرِّجالِ وأخلاقِهم، والأبُ أقدَرُ على التأديبِ والتثقيفِ.

والأمُّ والجدَّةُ أحَقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ؛ لأنَّ بعدَ الاستغناءِ تَحتاجُ إلى مَعرفةِ آدابِ النِّساءِ، والمَرأةُ على ذلكَ أقدَرُ، وبعدَ البلوغِ تَحتاجُ إلى التَّحصينِ والحِفظِ، والأبُ فيه أقوَى وأهدَى.

وعن مُحمدٍ أنها تُدفَعُ إلى الأبِ إذا بلَغَتْ حَدَّ الشَّهوةِ؛ لتحقُّقِ الحاجةِ إلى الصيانةِ.

ومَن سِوَى الأمِّ والجدَّةِ أحقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ حَدًّا تُشتهَى؛ لأنَّ حَقَّ هَؤلاءِ لا يُستحقُّ بالوِلادةِ، وإنما يَثبتُ لهُم ما دامَ الصغيرُ يَحتاجُ إلى الحَضانةِ، فإذا استَغنَى عنها زالَ ذلكَ المَعنَى (١).

واستَدلَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على عَدمِ التَّخييرِ بما رواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو «أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (٢)، ولم يُخيِّرْه النبيُّ ، ولأنَّ تَخييرَ الصبيِّ ليسَ بحِكمةٍ؛ لأنه لغَلبةِ

(١) «الهداية» (٢/ ٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٧٧، ٧٩)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٤٨)، و «العناية» (٦/ ١٨٥، ١٨٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٢٧٦)، وأحمد (٦٧٠٧).

هَواهُ يَميلُ إلى اللَّذةِ الحاضِرةِ مِنْ الفَراغِ والكَسلِ والهَربِ مِنْ الكِتابِ وتعلُّمِ آدابِ النفسِ ومَعالمِ الدِّينِ، فيَختارُ شَرَّ الأبوَينِ وهو الذي يُهملُه ولا يُؤدبُه.

وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ قَضَى في ابنةِ حَمزةَ للخالةِ مِنْ غيرِ تَخييرٍ، والأمُّ أحَقُّ به منها، والمَعنى يَعضدُه؛ فإنَّ الابنَ قد أَنِسَ بها، فنَقلُه عنها إضرارٌ به.

وأما حَديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه الوارِدِ في التَّخييرِ فالمُرادُ منه التَّخييرُ في حقِّ البالغِ؛ لأنها قالَتْ: «نَفَعني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ».

ومعنَى قَولِها: «نَفَعني»، أي: كسَبَ عليَّ، والبالغُ هو الذي يَقدرُ على الكَسبِ، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ منه التَّخييرُ في حَقِّ البالغِ، ونَحنُ به نقولُ: إنَّ الصبيَّ إذا بلَغَ يُخيَّرُ.

ولأنه لم يَذكرْ فيه الفِراقَ، فالظاهرُ أنها كانَتْ في صُحبتِه، ألَا تَرى إلى قَولِها: «إنَّ زَوجِي يُريدُ»، ولَولا أنها في صُحبتِه لَمَا قالَتْ ذلكَ.

وليسَ فيه دَليلٌ على أنه يُخيَّرُ في السَّبعِ؛ لأنه ليسَ في الحديثِ ذِكرُ عُمرِه (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا بانَتْ مِنْ زَوجِها في حالِ الحَياةِ وبينَهُما وَلدٌ وله سَبعُ سِنينَ فما زادَ وهو مُميِّزٌ وتنازَعَ الأبوانِ فيمَن يكونُ

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٣، ٤٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٧٨)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٧٣)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٤٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٩٢).

عندَه فإنه يُخيَّرُ بينَهُما، فإذا اختارَ أحَدُهما كانَ عندَه، والغُلامُ والجارِيةُ في ذلكَ سَواءٌ؛ لِما رواهُ أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «إنَّ امرَأةً جاءَتْ رَسولَ اللهِ فقالَتْ: فدَاكَ أبي وأمِّي، إنَّ زَوجِي يُريدُ أنْ يَذهبَ بابنِي، وقد نَفعَني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ، فجاءَ زَوجُها وقالَ: مَنْ يُخاصِمُني في ابني؟ فقالَ: يا غُلامُ هذا أَبوكَ وهذهِ أمُّكَ، فخُذْ بيَدِ أيِّهما شِئتَ، فأخَذَ بيَدِ أمِّه فانطَلقَتْ به» (١).

ولا يَثبتُ التَّخييرُ بينَهُما إلا إذا كانَ كلُّ واحِدٍ منهُما يَصلحُ للحَضانةِ، فإنْ كانَ أحَدُهما مَملوكًا أو مَعتوهًا أو فاسِقًا أو كافرًا فلا تَخييرَ بينَه وبينَ الآخَرِ؛ لأنه لا حَقَّ له في كَفالتِه.

فإنِ اختارَهُما أُقرعَ بينَهُما؛ لأنه لا يُمكنُ اجتِماعُهما على كَفالتِه ولا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ، فوجَبَ التَّقديمُ بالقُرعةِ.

وإنْ لم يَختَرْ واحِدًا منهُما أُقرعَ بينَهُما؛ لأنه لا يُمكِنُ تركُه وحْدَه ما لم يَبلغْ؛ لأنه يَضيعُ، ولا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ، فوجَبَتِ القُرعةُ.

وإنِ اختارَ أحَدَهما نَظَرْتَ، فإنْ كانَ ابنًا فاختارَ الأمَّ كانَ عندَها بالليلِ، ويَأخذُه الأبُ بالنَّهارِ ويُسلِّمُه في مَكتبٍ أو صَنعةٍ؛ لأنَّ القَصدَ حظُّ الوَلدِ، وحَظُّ الوَلدِ فيما ذكَرْناهُ.

وإنِ اختارَ الأبَ كانَ عندَه باللَّيلِ والنهارِ، ولا يَمنعُه مِنْ زِيارةِ أمِّه؛ لأنَّ المَنعَ مِنْ ذلكَ إغراءٌ بالعُقوقِ وقَطعِ الرَّحمِ، فإنْ مَرضَ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٩٦).

بتَمريضِه؛ لأنَّ بالمَرضِ صارَ كالصَّغيرِ في الحاجةِ إلى مَنْ يَقومُ بأمرِه، فكانَتِ الأمُّ أحَقَّ به.

وإنْ كانَتْ جارِيةً فاختارَتْ أحَدَهما كانَتْ عندَه بالليلِ والنهارِ، ولا يُمنَعُ الآخَرُ مِنْ زِيارتِها مِنْ غيرِ إطالةٍ وتَبسُّطٍ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَ الزَّوجينِ تَمنعُ مِنْ تبسُّطِ أحَدِهما في دارِ الآخَرِ.

وإنْ مَرضَتْ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمريضِها في بَيتِها، وإنْ مَرضَ أحَدُ الأبوَينِ والوَلدُ عند الآخَرِ لم يُمنعْ مِنْ عِيادتِه وحُضورِه عندَ مَوتِه.

وإنِ اختارَ أحَدَهما فسُلِّمَ إليه ثم اختارَ الآخَرَ حُوِّلَ إليهِ، وإنْ عادَ فاختارَ الأولَ أُعيدَ إليهِ؛ لأنَّ الاختِيارَ إلى شَهوتِه، وقد يَشتهي المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وَقتٍ، فاتبعَ ما يَشتهيهِ كما يتبعُ ما يَشتهيهِ مِنْ مَأكولٍ ومَشروبٍ.

وإنْ لم يَكنْ له أبٌ وله أمٌّ وجَدٌّ خيِّرَ بينَهُما؛ لأنَّ الجَدَّ كالأبِ في الحَضانةِ في حَقِّ الصَّغيرِ، فكانَ كالأبِ في التَّخييرِ في الكَفالةِ (١).

ومَذهبُ الحَنابلةِ كمَذهبِ الشافِعيةِ في الغُلامِ أنه يُخيَّرُ إذا بلَغَ سبعَ سِنينَ أو ثَماني سِنينَ وهو مُميِّزٌ، وتَنازعَا كَفالتَه خيِّرَ بينَهُما، وأما الجاريةُ فلا تُخيَّرُ وتَكونُ عندَ أبيها.

والدليلُ على تَخييرِ الغُلامِ إذا بلَغَ سبعَ سِنينَ ما رَواهُ أبو هُريرةَ رضي الله عنه

(١) «المهذب» (٢/ ١٧١، ١٧٢)، و «البيان» (٢٨٧، ٢٩٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٩٧).

قال: «إنَّ امرَأةً جاءَتْ رَسولَ اللهِ فقالَتْ: فدَاكَ أبي وأمِّي، إنَّ زَوجِي يُريدُ أنْ يَذهبَ بابنِي، وقد نَفعَني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ، فجاءَ زَوجُها وقالَ: مَنْ يُخاصِمُني في ابني؟ فقالَ: يا غُلامُ هذا أَبوكَ وهذهِ أمُّكَ، فخُذْ بيَدِ أيِّهما شِئتَ، فأخَذَ بيَدِ أمِّه فانطَلقَتْ به» (١).

ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ، فرُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه «أنه خيَّرَ غُلامًا بينَ أبيه وأمِّه» (٢).

وعن عَمارةَ الجُرميِّ قالَ: «خيَّرَني عليٌّ بينَ أمِّي وعمِّي، وكنتُ ابنَ سَبعٍ أو ثَمانٍ» (٣).

وهذه قِصصٌ في مَظنةِ الشُّهرةِ ولم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ التَّقديمَ في الحَضانةِ يلحَقُ به الوَلدُ، فيَتقدَّمُ مَنْ هو أشفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلدِ عندَه أكثَرُ، واعتبَرْنا الشَّفقةَ بمَظنتِها إذا لم يَكنْ اعتِبارُها بنَفسِها، فإذا بلَغَ الغُلامُ حدًّا يُعرِبُ عن نَفسِه ويميزُ بينَ الإكرامِ وضِدِّه فمالَ إلى أحَدِ الأبوَينِ دَلَّ على أنه أرفَقُ به وأشفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلكَ، وقيَّدْناهُ بالسَّبعِ؛ لأنها أولُ حالٍ أمَرَ الشَّرعُ فيها بمُخاطبتِه بالأمرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأمَّ قُدِّمتْ في حالِ الصِّغرِ؛ لحاجتِه إلى حَملِه ومُباشرةِ خِدمتِه؛ لأنها أعرَفُ بذلكَ وأقوَمُ به، فإذا استَغنَى عن ذلكَ تَساوَى والِداهُ؛ لقُربِهما منه، فرُجِّحَ باختيارِه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٩٦).
(٢) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٣٦)، رقم (١٩٤٥٦).
(٣) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٣٩)، رقم (١٩٤٦٨).

فإنِ اختارَ أباهُ كانَ عندَه ليلًا ونهارًا ليَحفظَه ويُعلِّمَه ويُؤدِّبَه، ولا يُمنعُ مِنْ زِيارةِ أمِّه، ولا هي مِنْ زِيارتِه؛ لِما فيه مِنْ الإغراءِ بالعُقوقِ وقَطيعةِ الرَّحمِ.

وإنِ اختارَ أمَّه كانَ عندَها ليلًا؛ لأنه وَقتُ الانحيازِ إلى المَساكنِ، وعندَ أبيهِ نهارًا؛ ليُؤدِّبَه ويُعلِّمَه لئلَّا يَضيعَ، ولأنَّ النهارَ وقتُ التصرُّفِ في الحَوائجِ وعَملِ الصَّنائعِ.

ومتَى اختارَ أحَدُهما فسُلِّمَ إليه ثم اختارَ الآخَرَ رُدَّ إليهِ، وإنْ عادَ فاختارَ الأولَ أُعيدَ إليهِ، هكذا أبَدًا كلَّما اختارَ أحَدَهما صارَ إليهِ؛ لأنه اختِيارُ شَهوةٍ لحَظِّ نَفسِه، فاتبعَ ما يَشتهيهِ كما يتبعُ ما يَشتهيهِ مِنْ مَأكولٍ ومَشروبٍ، وقد يَشتهِي المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ وعندَ الآخَرِ في وَقتٍ، وقد يَشتهي التَّسويةَ بينَهُما وأنْ لا يَنقطعَ عنهُما، وإنْ خيَّرناهُ فلَم يَختَرْ واحِدًا منهُما أو اختارَهُما معًا قدِّمَ أحَدُهما بالقرعةِ؛ لأنه لا مَزيةَ لأحَدِهما على صاحبِه ولا يُمكِنُ اجتماعُهُما على حَضانتِه، فقُدِّمَ أحَدُهما بالقُرعةِ، فإذا قُدمَ بها ثم اختارَ الآخَرَ رُدَّ إليهِ؛ لأنَّنا قدَّمْنا اختيارَه الثاني على الأولِ، فعَلى القُرعةِ التي هي بَدلٌ أَولى.

وأما الأُنثى إذا بلَغَتِ سَبعًا كانَتْ عندَ أبيها وُجوبًا إلى أنْ تَتزوَّجَ؛ لأنه أحفَظُ لها وأحَقُّ بوِلايتِها، ولمُقاربتِها الصَّلاحيةَ للتَّزويجِ، وإنما تُخطَبُ مِنْ أبيها؛ لأنه وَليُّها وأعلَمُ بالكُفءِ، ولم يَرِدِ الشرعُ بتَخييرِها، ولا يَصحُّ قياسُها على الغُلامِ؛ لأنه لا يَحتاجُ إلى ما تحتاجُ إليه الأُنثى.

ويَمنعُها الأبُ ومَن يَقومُ مَقامَة مِنْ الانفِرادِ بنَفسِها خَشيةً عليها؛ لأنه لا يُؤمَنُ عليها دُخولُ المُفسدينَ، ولا تُمنعُ الأمُّ مِنْ زِيارتِها، ولا هي مِنْ زِيارةِ أمِّها، إنْ لم يُخَفِ الفَسادُ، وتُمنعُ مِنْ الخَلوةِ بها إنْ خِيفَ أنْ تُفسدَ قلْبَها.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا كانَتِ الجارِيةُ عندَ الأمِّ أو عندَ الأبِ فإنها تَكونُ عندَه لَيلًا ونهارًا؛ لأنَّ تَأديبَها وتَخريجَها في جَوفِ البيتِ، مِنْ تَعليمِها الغزْلَ والطَّبخَ وغيرَها، ولا حاجَةَ بها إلى الإخراجِ منه، ولا يُمنعُ أحَدُهما مِنْ زِيارتِها عندَ الآخَرِ مِنْ غيرِ أنْ يَخلوَ الزَّوجُ بأمِّها، ولا يُطيلُ ولا يَتبسَّطُ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَهُما تَمنعُ تبسُّطَ أحَدِهما في مَنزلِ الآخَرِ، وإنْ مَرضَتْ فالأمُّ أحَقُّ بتَمريضِها في بيتِها (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولو كانَ الأبُ عاجزًا عن حِفظِها، أو يُهملُه لاشتِغالِه عنه أو قلَّةِ دِينِه، والأمُّ قائِمةٌ بحِفظِها قُدِّمتْ، وكذا إذا ترَكَها عندَ ضرَّةِ أمِّها لا تَعملُ مَصلحتَها بل تُؤذيها وأمُّها تَعملُ مَصلحتَها ولا تُؤذيها فالحَضانةُ هُنا للأمِّ قَطعًا، ولو قُدِّرَ أنَّ التخييرَ مَشروعٌ وأنها اختارَتِ الأمَّ فكيفَ إذا لم يَكنْ كذلكَ؟

وممَّا يَنبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الشارعَ ليسَ له نصٌّ عامٌّ على تَقديمِ أحَدِ الأبوَينِ مُطلَقًا، ولا تَخييرِ أحَدِ الأبوَينِ مُطلقًا، والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا

(١) «المغني» (٨/ ١٩١، ١٩٣)، و «الكافي» (٣/ ٣٥٨)، و «شرح الزركشي» (٥/ ٥٧١)، و «المبدع» (٨/ ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٨٩، ٥٩١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١٢، ٢١٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الرابع في حقوق الزوجية حقوق الزوجة على زوجها

وَالرَّابِعُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَقْتُولِ فِي زَوْجَتِهِ، وَحُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ - أَعْنِي: يُعَمَّرَ وَحِينَئِذٍ يُورَثُ - وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا مَبْنَاهَا عَلَى تَجْوِيزِ النَّظَرِ بِحَسَبِ الْأَصْلَحِ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ الْمُرْسَلِ، وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ - أَعْنِي: بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ -.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ خِيَارُ الْعِتْقِ

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي خِيَارِ الْعِتْقِ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ هَلْ لَهَا خِيَارٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَاللَّيْثُ: لَا خِيَارَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَاحْتِمَالُ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ أَنْ يَكُونَ الجَبْرُ الَّذِي كَانَ فِي إِنْكَاحِهَا بِإِطْلَاقٍ إِذَا كَانَتْ أَمَةً، أَوِ الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ عَبْدٍ، فَمَنْ قَالَ: الْعِلَّةُ الْجَبْرُ عَلَى النِّكَاحِ بِإِطْلَاقٍ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَمَنْ قَالَ: الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِ الْعَبْدِ فَقَطْ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَقَطْ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّقْلِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 535 - 542

ارجع إلى الحالات التي لا تسقط فيها حضانة الأم إذا تزوجت للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل