الخطبة على خطبة الكافر

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الخطبة على خطبة الكافر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

الخطبة على خطبة الكافر - الأقوال والأدلة

هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا يَخطبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتى يَنكحَ أو يَتركَ» (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه إذا ترَكَ الخِطبةَ رَغبةً عنها وأَذِنَ فيها جازَتِ الخِطبةُ على خِطبتِه، وقد صُرِّحَ بذلكَ في هذهِ الأحادِيثِ (٢).

[الخطبة على خطبة الكافر]

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الخِطبةِ على خِطبةِ الكافرِ الذِّميِّ -كما لو خطَبَ كافرٌ ذِميٌّ كِتابيةً وتمَّتِ الخِطبةِ-، هل يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الكافرِ الذِّميِّ المُحتَرمِ (غَير الحَربيِّ أو المُرتدِّ)؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ : «لا يَخطبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ»، فذِكرُ الأخِ هُنا لا مَفهومُ له؛ لأنهُ خرَجَ مَخرجَ الغالبِ (٣).

قالَ المالِكيةُ: إذا قِيلَ: إنَّ الذِّميَّ أسوَأُ حالًا مِنْ الفاسِقِ، وإنهُ يَجوزُ أنْ

(١) رواه البخاري (٤٨٤٩).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٨)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «المغني» (٧/ ١١٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٨٦).
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٩/ ١٩٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٩).

يَخطبَ على خِطبةِ الفاسِقِ، ولا يَجوزُ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الذميِّ، والذميُّ أسوَأُ حالًا مِنْ الفاسِقِ عندَ اللهِ.

فالجَوابُ أنَّ الفاسِقَ على حالةِ لا يُقَرُّ عليها شَرعًا، بخِلافِ الذميِّ؛ فإنه على حالٍ يُقَرُّ عليهِ، فالشَّارعُ أقَرَ الذِّميَّ على كُفرِه، وأباحَ له أنْ يتزوَّجَ مَنْ كانَتْ على كُفرِه، والفاسِقُ لا يُقَرُّ على فِسقِه، ولا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ، ويُفسَخُ نكاحُه (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ وبعضُ الشَّافعيةِ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه إلى أنهُ يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الكافرِ الذميِّ، وقولُ النبيِّ : «لا يَخطبِ المُسلمُ على خِطبةِ أخيهِ» إنما هو للمُسلمينَ، ولو خطَبَ على خِطبةِ يَهوديٍّ لم يكُنْ داخِلًا في ذلكَ؛ لأنهُم ليسُوا بإخوةٍ للمُسلمينَ؛ لأنَّ لفْظَ النهيِ خاصٌّ في المُسلمينَ، وإلحاقُ غيرِه به إنما يَصحُّ إذا كانَ مِثلَه، وليسَ الذميُّ كالمُسلمِ ولا حُرمتُه كحُرمتِه، ولذلكَ لم تَجبْ إجابتُهم في دَعوةِ الوليمةِ ونحوِها (٢).

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: ونهيُه عليه السلام أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ المُسلمِ يَدلُّ على إباحةِ أنْ يَنكحَ على خِطبةِ اليَهوديِّ والنصرانِيِّ؛ لأنَّ الأمورَ كانَتْ على الإباحةِ حتَّى نهَى عن الخِطبةِ على المُسلمِ، فثَبتَتِ

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٣٦)، و «الفواكة الدواني» (٢/ ١١).
(٢) «المغني» (٧/ ١١١)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٨، ١٩).

الإباحةُ على مَنْ ليسَ بمُسلمٍ؛ لأنَّ المُؤمنينَ إخوةٌ (١).

وأمَّا قولُهم: «إنهُ خرَجَ مخرَجَ الغالبِ» قُلنا: متَى كانَ في المَخصوصِ بالذِّكرِ معنًى يَصحُّ أنْ يُعتبَرَ في الحُكمِ لم يَجُزْ حَذفُه ولا تَعديَةُ الحُكمِ بدونِه، وللأخوَّةِ الإسلاميةِ تأثيرٌ في وجوبِ الاحترامِ وزِيادةِ الاحتياطِ في رعايةِ حُقوقِه وحفظِ قَلبِه واستبقاءِ مودَّتِه، فلا يجوزُ خلافُ ذلكَ (٢).

وقالَ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: قالَ الخطَّابيُّ وغيرُه: ظاهِرُه اختِصاصُ التَّحريمِ بما إذا كانَ الخاطِبُ مُسلمًا، فإنْ كانَ كافرًا فلا تَحريمَ، وبه قالَ الأوزاعيُّ، وحكاهُ الرَّافعيُّ عن أبي عُبيدِ بنِ حَربَويهِ، قالَ والِدِي رحمة الله عليه في «شَرح التِّرمذيِّ»: ويُقوِّي ذلكَ قولُه في أولِ حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ عندَ مُسلمٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمِنِ»، فهو ظاهِرٌ في اختِصاصِ ذلكَ بخِطبةِ المُسلمِ. انتهى.

وقالَ الجُمهورُ: تَحرمُ الخِطبةُ على خِطبةِ الكافرِ أيضًا، قالَ النَّوويُّ: ولهُم أنْ يُجيبُوا عن الحديثِ بأنَّ التقييدَ بأخيهِ خرَجَ على الغالِبِ، فلا يكونُ له مَفهومٌ يُعمَلُ به، كما في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ونظائِرِه (٣).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٦٠).
(٢) «المغني» (٧/ ١١٢).
(٣) «طرح التثريب» (٦/ ٨٢)، و «نيل الأوطار» (٦/ ٢٣٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 116 - 118

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله