الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الصفات المستحبة في المرأة المخطوبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةالصِّفاتُ المُستحبَّةُ في المَرأةِ المَخطوبةِ:
الخِصالُ المُطيبةُ للعيشِ الَّتي لا بُدَّ مِنْ مُراعاتِها في المرأةِ ليَدومَ العقدُ وتَتوفَّرَ مَقاصدُه ثَمانيةٌ: الدِّينُ والخلُقُ والحُسنُ وخِفةُ المهرِ والوِلادةُ والبَكارةُ والنَّسبُ وأنْ لا تكونَ قَرابةً قَريبةً.
الخَصلةُ الأُولى: أنْ تكونَ صالِحةً ذاتَ دِينٍ: لقولِ النبيِّ ﷺ: «تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدِينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَداكَ» (١)، فهذا هو الأصلُ، وبه يَنبغي أنْ يقَعَ الاعتناءُ؛ فإنها إنْ كانَتْ
(١) رواه البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (١٤٦٦)، وقالَ الإمامَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وفي هذا القولِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ له ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحَدُها: أنَّ «تَرِبتْ» هاهُنا بمَعنى (استَغنَتْ)، وإنْ كانَ في اللُّغةِ بمعنَى افتقَرَتْ، فتَصيرُ مِنْ أسماءِ الأضدادِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لا يجوزُ أنْ يَدعوَ على مَنْ لم يُخالِفْ له أمرًا، مع أنَّ دُعاءَه مَقرونٌ بالإجابةِ.
والثاني: أنَّ معناهُ (تَربَتْ يَداكَ إنْ لم تَظفرْ بذاتِ الدِّينِ)؛ لأنَّ مَنْ لم يَظفرْ بذاتِ الدِّينِ سُلبَ البَركةَ فافتقَرَتْ يَداهُ.
والثالث: أنها كَلمةٌ تَخفُّ على ألسنةِ العربِ في خَواتيمِ الكلامِ، ولا يُريدونَ بها دعاءً ولا ذَمًّا، كقَولِهم: «ما أشعَرَه قاتَلَه اللهُ، وما أرماهُ شُلَّتْ يداهُ». «الحاوي الكبير» (٩/ ١٠١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الصَّحيحُ في معنى هذا الحديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ أخبَرَ بما يَفعلُه الناسُ في العادةِ؛ فإنهُم يَقصدونَ هذهِ الخِصالَ الأربعَ وآخِرُها عندَهم ذاتُ الدِّينِ، فاظفَرْ أنتَ أيها المُسترشِدُ بذاتِ الدِّينِ، لا أنهُ أمَرَ بذلكَ، قالَ شِمْرٌ: الحسَبُ الفعلُ الجميلُ للرَّجلِ وآبائِه، وسبَقَ في كِتابِ الغُسلِ معنَى «تَربَتْ يداكَ»، وفي هذا الحديثِ الحَثُّ على مُصاحَبةِ أهلِ الدِّينِ في كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ صاحِبَهم يَستفيدُ مِنْ أخلاقِهم وبرَكتِهم وحُسنِ طَرائقِهم، ويأمَنُ المَفسدةَ مِنْ جِهتهِم. «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٥١، ٥٢).
ضَعيفةَ الدِّينِ في صِيانةِ نَفسِها وفَرْجِها أزْرَتْ بزَوجِها وسَوَّدتْ بينَ الناسِ وجهَهُ، وشَوَّشتْ بالغَيرةِ قلبَه، وتَنغَّصَ بذلكَ عَيشُه، فإنْ سلَكَ سبيلَ الحَميِّةِ والغَيرةِ لم يَزلْ في بَلاءٍ ومِحنةٍ، وإنْ سلَكَ سبيلَ التَّساهلِ كانَ مُتهاوِنًا بدِينِه وعِرضِه ومَنسوبًا إلى قِلةِ الحَميةِ والأنَفةِ.
وإذا كانَتْ مع الفسادِ جَميلةً كانَ بَلاؤُها أشَدَّ؛ إذْ يَشقُّ على الزَّوجِ مُفارَقتُها، فلا يَصبِرُ عنها ولا يَصبِرُ عليها، ويكونُ كالَّذي جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ لي امرأةً لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ: طلِّقْها، فقالَ: إني أحِبُّها، قالَ: أَمسِكْها» (١)، وإنما أمَرَه بإمساكِها خَوفًا عليهِ بأنهُ إذا طلَّقَها أتبَعَها نفْسَه، وفسَدَ هو أيضًا معَها، فرَأى ما في دَوامِ نكاحِه مِنْ دَفعِ الفَسادِ عنه مِنْ ضِيقِ قلبِه أَولى.
وإنْ كانَتْ فاسِدةَ الدِّينِ باستِهلاكِ مالِه أو بوَجهٍ آخَرَ لم يَزلِ العَيشُ مُشوَّشًا معهُ، فإنْ سكَتَ ولم يُنكِرْه كانَ شريكًا في المَعصيةِ مُخالِفًا لقولِه تعالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، وإنْ أنكَرَ وخاصَمَ تَنغَّصَ العُمر، ولهذا بالَغَ رسولُ اللهِ ﷺ في التَّحريضِ على ذاتِ الدِّينِ فقالَ: «تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدِينِها، فاظفَرْ بذاتِ
(١) صَحِيحُ الإسنادِ: رواه النسائي (٣٤٦٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥٣٣٩، ٥٦٥٩).
الدِّينِ تَربَتْ يَداكَ»، وإنما بالَغَ في الحثِّ على الدِّينِ لأنَّ مثلَ هذهِ المرأةِ تكونُ عَونًا على الدِّينِ، فأما إذا لم تَكنْ مُتدينةً كانتْ شاغِلةً عن الدِّينِ ومُشوِّشةً له.
الخَصلةُ الثَّانيةُ: حُسنُ الخلُقِ: وذلكَ أصلٌ مُهمٌّ في طلبِ الفراغةِ والاستِعانةِ على الدِّينِ، فإنها إذا كانَتْ سَليطةً بَذيةَ اللِّسانِ سَيئةَ الخلُقِ كافرةً للنِّعمِ كانَ الضَّررُ منها أكثَرَ مِنْ النَّفعِ، والصبْرُ على لسانِ النِّساءِ مما يُمتحَنُ به الأولياءُ.
قالَ بعضُ العرَبِ: لا تَنكحُوا مِنْ النِّساءِ سِتةً: لا أنَّانةً ولا منَّانةً ولا حنَّانةً، ولا تَنكحُوا حدَّاقةً ولا برَّاقةً ولا شدَّاقةً.
أمَّا الأنَّانة: فهي الَّتي تُكثِرُ الأنينَ والتشَكِّي، وتَعصبُ رأسَها كلَّ ساعةٍ، فنكاحُ الممراضةِ أو نكاحُ المُتمارِضةِ لا خيرَ فيه.
والمنَّانةُ: الَّتي تَمنُّ على زَوجِها فتقولُ: فعَلْتُ لأجْلِكَ كذا وكذا.
والحنَّانةُ: الَّتي تَحنُّ إلى زَوجٍ آخَرً، أو وَلدها مِنْ زَوجٍ آخَرَ، وهذا أيضًا ممَّا يجبُ اجتنابُه.
والحدَّاقةُ: الَّتي تَرمِي إلى كلِّ شيءٍ بحدَقتِها فتَشتهيهِ وتُكلِّفُ الزَّوجَ شِراءَه.
والبرَّاقةُ: تَحتملُ مَعنيينِ:
أحَدُهما: أنْ تكونَ طُولَ النهارِ في تَصقيلِ وَجهِها وتَزيينِه، ليَكونَ لوَجهِها بَريقٌ مُحصلٌ بالصُّنعِ.
والثَّاني: أنْ تَغضبَ على الطَّعامِ، فلا تَأكلُ إلا وحدَها، وتَستقلُّ نَصيبَها مِنْ كلِّ شيءٍ، وهذهِ لُغةٌ يَمانيةٌ، يَقولونَ: «برقَتِ المرأةُ وبَرقَ الصَّبيُّ الطعامَ» إذا غَضبَ عندَه.
والشدَّاقةُ: المُتشدِّقةِ الكثيرةُ الكلامِ.
وحُكيَ أنَّ السَّائحَ الأزْديَّ لَقيَ إلياسَ عليه السلام في سِياحتِه فأمَرَه بالتزوُّجِ ونهاهُ عنِ التبتُّلِ، ثمَّ قالَ: «لا تَنكحْ أربَعًا: المُختلِعةَ والمُباريةَ والعاهرةَ والناشِزَ».
فأمَّا المُختلِعةُ: فهي الَّتي تَطلبُ الخُلعَ كلَّ ساعةٍ مِنْ غيرِ سَببٍ.
والمُباريةُ: المُباهيةُ بغيرِها المُفاخِرةُ بأسبابِ الدُّنيا.
والعاهِرةُ الفاسِقةُ: الَّتي تُعرَفُ بخَليلٍ وخِدْنٍ، وهي الَّتي قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
والناشِزُ: الَّتي تَعلو على زَوجِها بالفِعالِ والمَقالِ، والنَّشْزُ: العالي مِنْ الأرضِ.
وكانَ عليٌّ رضي الله عنه يقولُ: «شرُّ خِصالُ الرِّجالِ خيرُ خِصالِ النِّساءِ: البُخلُ والزهوُ والجُبنُ».
فإنَّ المرأةَ إذا كانَتْ بَخيلةً حَفظتْ مالَها ومالَ زَوجِها، وإذا كانَتْ مَزهوةً استَنكفَتْ أنْ تُكلِّمَ كلَّ أحَدٍ بكَلامٍ ليِّنٍ مُريبٍ، وإذا كانتْ جَبانةً فرَقَتْ مِنْ كلِّ شيءٍ، فلمْ تَخرجْ مِنْ بيتِها واتَّقتْ مَواضعَ التُّهمةِ خِيفةً مِنْ زَوجِها، فهذهِ الحِكاياتُ تُرشِدُ إلى مَجامعِ الأخلاقِ المَطلوبةِ في النكاحِ.
الخَصلةُ الثالثةُ: حُسنُ الوجهِ: فذلكَ أيضًا مَطلوبٌ؛ إذْ به يَحصلُ التحصُّنُ، والطَّبعُ لا يَكتفِي بالدَّميمةِ غالبًا، كيفَ والغالِبُ أنَّ حُسنَ الخَلقِ والخُلقِ لا يَفترقانِ؟!.
وما نقَلْناه مِنْ الحثِّ على الدِّينِ وأنَّ المرأةَ لا تُنكَحُ لجمالِها ليسَ زاجِرًا عن رِعايةِ الجَمالِ، بل هو زَجرٌ عنِ النكاحِ لأجْلِ الجَمالِ المَحضِ مع الفَسادِ في الدِّينِ، فإنَّ الجَمالَ وحدَه في غالبِ الأمرِ يُرغِّبُ في النكاحِ ويُهوِّنُ أمْرَ الدِّينِ.
ويَدلُّ على الالتفاتِ إلى معنَى الجَمالِ أنَّ الأُلفةَ والمودَّةَ تَحصلُ بهِ غالبًا، وقد ندَبَ الشَّرعُ إلى مُراعاةِ أسبابِ الأُلفةِ، ولذلكَ استَحبَّ النَّظرَ، فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ أنَّ المُغيرةَ بنَ شُعبةَ أرادَ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً فقالَ له النبيُّ ﷺ: «اذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنهُ أَحرَى أنْ يُؤْدَمَ بينكُما» (١)، أي: يُؤلفَ بينَهُما مِنْ وُقوعِ الأدَمةِ على الأدَمةِ -وهي الجِلدةُ الباطِنةُ، والبشَرةُ الجِلدةُ الظَّاهرةُ-، وإنما ذكَرَ ذلكَ للمُبالغةِ في الائتلافِ.
وعَن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ عندَ النبيِّ ﷺ فأتاهُ رَجلٌ فأخبَرَه أنهُ تَزوَّجَ امرأةً مِنْ الأنصارِ، فقالَ له رسولَ اللهِ ﷺ: «أنظَرْتَ إليها؟ قالَ: لا، قالَ: فاذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شيئًا» (٢)، قيلَ:
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٠٨٧)، وابن ماجه (١٨٦٥).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٤).
كانَ في أعيُنِهنَّ عَمشٌ، وقيلَ: صِغرٌ، وكانَ بعضُ الوَرعينَ لا يُنكِحونَ كرائِمَهم إلَّا بعدَ النَّظرِ؛ احتِرازًا مِنْ الغُرورِ.
قالَ الأعمَشُ: كلُّ تَزويجٍ يقَعُ على غيرِ نظَرٍ فآخِرُه هَمٌّ وغَمٌّ.
ومَعلومٌ أنَّ النَّظرَ لا يَعرفُ الخُلقَ والدِّينَ والمالَ، وإنَّما يَعرفُ الجَمالَ مِنْ القُبحِ.
ورُويَ أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ على عهدِ عُمرَ رضي الله عنه، وكانَ قد خضَبَ فنصَلَ خِضابُه، فاستَعدَى عليهِ أهلُ المرأةِ عُمرَ وقالُوا: حِسبْناهُ شابًّا، فأوجَعَه عُمرُ ضَربًا وقالَ: غَررْتَ القَومَ».
والغُرورُ يقَعُ في الجَمالِ والخُلقِ جَميعًا، فيُستحبُّ إزالةُ الغُرورِ في الجمالِ بالنظرِ، وفي الخُلقِ بالوَصفِ والاستِيصافِ، فيَنبغي أنْ يُقدَّمَ ذلكَ على النكاحِ، ولا يَستوصِفُ في أخلاقِها وجَمالِها إلَّا مَنْ هو بَصيرٌ صادِقٌ خَبيرٌ بالظاهرِ والباطنِ، ولا يَميلُ إليها فيُفرطَ في الثَّناءِ، ولا يَحسدُها فيُقصرَ، فالطِّباعُ مائِلةٌ في مَبادي النكاحِ ووَصفِ المَنكوحاتِ إلى الإفراطِ والتَّفريطِ، وقلَّ مَنْ يَصدقُ فيه ويَقتصدُ، بلِ الخِداعُ والإغراءُ أغلَبُ، والاحتِياطُ فيه مُهمٌّ لمَن يَخشَى على نفسِه التشوُّفَ إلى غيرِ زوْجتِه.
فأمَّا مَنْ أرادَ مِنْ الزَّوجةِ مُجردَ السُّنةِ أو الوَلدَ أو تَدبيرَ المنزلِ فلو رَغبَ عن الجَمالِ فهو إلى الزُّهدِ أقرَبُ؛ لأنهُ على الجُملةِ بابٌ مِنْ الدُّنيا، وإنْ كانَ قد يُعِينُ على الدِّينِ في حقِّ بعضِ الأشخاصِ.
قالَ أبو سُليمانَ الدارانِيُّ: الزُّهدُ في كُلِّ شيءٍ، حتَّى في المرأةِ يتزوَّجُ الرَّجلُ العَجوزَ إيثارًا للزُّهدِ في الدُّنيا.
وقدْ كانَ مالكُ بنُ دينارٍ رحمة الله عليه يقولُ: يَتركُ أحَدُكم أنْ يتزوَّجَ يَتيمةً فيُؤجَرَ فيها إنْ أطعَمَها وكَساها تكونُ خَفيفةَ المُؤنةِ ترضَى باليَسيرِ، ويتزوَّجُ بنتَ فُلانٍ وفلانٍ -يعني أبناءَ الدُّنيا- فتَشتهي عليهِ الشهَواتِ وتقولُ: اكْسُني كذا وكذا.
واختارَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ عَوراءَ على أختِها، وكانَتْ أختُها جَميلةً، فسألَ: مَنْ أعقَلُهما؟ فقيلَ العَوراءُ، فقالَ: زوِّجُوني إياها.
فهذا دأبُ مَنْ لم يَقصدِ التمتُّعَ، فأما مَنْ لا يأمَنُ على دِينِه ما لم يكُنْ له مُستمِتعٌ فلْيُطلبِ الجمالُ؛ فالتلذُّذُ بالمباحِ حصنٌ للدِّينِ.
وقد قيلَ: إذا كانَتِ المرأةُ حَسناءَ، خيِّرةَ الأخلاقِ، سوداءَ الحدَقةِ والشَّعرِ، كبيرةَ العينِ، شَديدةَ بيضاءِ اللَّونِ، مُحبِّةً لزوجِها قاصرةَ الطَّرفِ عليهِ، فهي على صُورةِ الحُورِ العِينِ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى وصَفَ نِساءَ أهلِ الجَنةِ بهذهِ الصِّفةِ في قولهِ: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠]، أرادَ بالخَيراتِ حَسَناتِ الأخلاقِ، وفي قولِه: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] وفي قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧]، العَروبُ هي العاشِقةُ لزَوجِها المُشتهيةُ للوِقاعِ، وبه تَتمُّ اللَّذةُ، والحورُ البياضُ، والحَوراءُ شَديدةُ بياضِ العَينِ شَديدةُ سَوادِها في سَوادِ الشَّعرِ، والعَيناءُ الواسِعةُ العَينِ.
وقالَ ﷺ: «ما استَفادَ المُؤمِنُ بعدَ تقوَى اللَّهِ خيرًا له مِنْ زوجةٍ صالِحةٍ، إنْ أمَرَها أطاعَتْه، وإنْ نظَرَ إليها سَرَّتْه، وإنْ أقسَمَ عليها أبَرَّتْه، وإنْ غابَ عنها نصَحَتْه في نَفسِها ومالِه» (١)، وإنما يُسَرُّ بالنَّظرِ إليها إذا كانَت مُحبَّةً للزوجِ.
الخَصلةُ الرابعةُ: أنْ تكونَ خَفيفةَ المَهرِ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «خيرُهنَّ أيسَرُهنَّ صَداقًا» (٢).
وعن عائِشةَ رضي الله عنها عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «أعظَمُ النِّساءِ بَركةً أيسَرُهنَّ مُؤنةً» (٣).
وقد نهَى عنِ المُغالاةِ في المَهرِ، فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إنِّي تَزوَّجْتُ امرأةً مِنْ الأنصارِ، فقالَ له النبيُّ ﷺ: هل نَظرْتَ إليها؟ فإنَّ في عُيونِ الأنصارِ شيئًا، قالَ: قدْ نَظرْتُ إليها، قالَ: على كم تَزوَّجْتَها؟ قالَ: على أربَعِ أواقٍ؛ فقالَ له النبيُّ ﷺ: على أربعِ أواقٍ؟! كأنَّما تَنحِتونَ الفضَّةَ مِنْ عَرضِ هذا الجَبلِ» (٤).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٦٦٤)، وابن ماجه (١٨٥٧)، واللفظ له والحاكم في «المستدرك» (١٤٨٧)، وقالَ: هذا حَديثٌ صَحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ ولم يُخرِّجاهُ.
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٠٣٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد (٢٥١٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩٢٧٤).
(٤) رواه مسلم (١٤٢٣).
وتزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ نِسائِه على عَشرةِ دَراهمَ وأثاثِ بَيتٍ، وكانَ رَحى يدٍ وجَرَّةٍ ووِسادةٍ مَنْ أدمٍ حَشوُها لِيفٌ.
وأَولَم على بعضِ نِسائِه بمُدَّينِ مِنْ شعيرٍ، وعلى أُخرى بمُدَّينِ مِنْ تَمرٍ ومُدَّينِ مِنْ سَويقٍ.
وكانَ عمرُ رضي الله عنه يَنهَى عن المُغالاةِ في الصَّداقِ ويقولُ: «ما تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ولا زوَّجَ بَناتِه بأكثرَ مِنْ أربعِمائةِ دِرهمٍ، ولو كانتِ المُغالاةُ بمُهورِ النِّساءِ مَكرُمةً لسبَقَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ».
وقد تزوَّجَ بعضُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على نَواةٍ مِنْ ذَهبٍ قيمَتُها خَمسةُ دَراهمَ.
وزوَّجَ سعيدُ بنُ المُسيبِ ابنتَه مِنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه على دِرهمينِ، ثمَّ حمَلَها هو إليهِ ليلًا فأدخَلَها هو مِنْ البابِ ثمَّ انصرَفَ، ثمَّ جاءَها بعدَ سبعةِ أيامٍ فسلَّمَ عليها.
ولو تزوَّجَ على عَشرةِ دَراهمَ للخُروجِ مِنْ خلافِ العُلماءِ فلا بأسَ به.
وكما تُكرَهُ المُغالاةُ في المَهرِ مِنْ جهةِ المرأةِ يُكرَهُ السُّؤالُ عن مالِها مِنْ جهةِ الرَّجلِ، ولا يَنبغي أنْ يَنكحَ طَمعًا في المالِ.
قالَ الثَّوريُّ رحمة الله عليه: إذا تزوَّجَ وقالَ: «أيُّ شَيءٍ للمرأةِ؟» فاعلمْ أنهُ لِصٌّ، وإذا أهدَى إليهم فلا يَنبغي أنْ يُهديَ ليَضطرَّهم إلى المُقابَلةِ بأكثرَ
منه، وكذلكَ إذا أَهدَوا إليهِ فنيَّةُ طلَبِ الزِّيادةِ نِيةٌ فاسِدةٌ، فأمَّا التَّهادِي فمُستحبٌ، وهو سَببُ المودَّةِ؛ قالَ ﷺ: «تَهادَوْا تَحابُّوا» (١).
وأمَّا طلَبُ الزِّيادةِ فداخلٌ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] أي: تُعطِي لتَطلبَ أكثرَ، وتحتَ قولِه تعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] فإنَّ الرِّبا هو الزِّيادةُ، وهذا طَلبُ زيادةٍ على الجُملةِ، وإنْ لم يكنْ في الأموالِ الرِّبويةِ فكلُّ ذلكَ مَكروهٌ وبِدعةٌ في النكاحِ، يُشبهُ التِّجارةَ والقِمارَ ويُفسِدُ مَقاصدَ النكاحِ.
الخَصلةُ الخامِسةُ: أنْ تكونَ المرأةُ ولُودًا: فإنْ عُرفَتْ بالعُقرِ فلْيَمتنعْ عن تزوُّجِها.
فعن مَعقِلِ بنِ يَسارٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إني أصَبتُ امرأةً ذاتَ حَسبٍ وجَمالٍ وإنها لا تَلِدُ، أفَأتزوَّجُها؟ قالَ: لا، ثمَّ أتاهُ الثانيةَ فنَهاهُ، ثمَّ أتاهُ الثالثةَ فقالَ: تَزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلودَ فإني مُكاثِرٌ بكُم الأمَمَ» (٢).
وعَن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُ بالباءةِ ويَنهَى عن التَّبتُّلِ نَهيًا شديدًا ويقولُ: تَزوَّجُوا الوَدودَ الوَلودَ، إني مُكاثِرٌ بكُم الأنبياءَ يَومَ القِيامةِ» (٣).
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٥٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٥٦).
(٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٠٢٨).
فإنْ لم يكُنْ لها زَوجٌ ولم يَعرفْ حالَها فيُراعِي صحَّتَها وشَبابَها، فإنها تكونُ وَلودًا في الغالِبِ مع هذَينِ الوَصفينِ، ويُستحبُّ أنْ تكونَ مِنْ نِساءٍ يُعرَفْنَ بكثرةِ الوِلادةِ.
الخَصلةُ السادِسةُ: أنْ تكونَ بِكرًا: قالَ ﷺ لجابرٍ رضي الله عنه: «هل تَزوَّجتَ بِكرًا أم ثَيِّبًا؟ فقُلتُ: تَزوَّجتُ ثَيبًا، فقالَ: هلَّا تَزوَّجتَ بكرًا تُلاعبُها وتُلاعبُكَ وتُضاحكُها وتُضاحكُكَ» (١).
وقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «عليكم بالأبكارِ، فإنهُنَّ أعذَبُ أفواهًا وأنْتَقُ أرحامًا وأرضَى باليسيرِ» (٢).
وفي البَكارةِ ثلاثُ فوائِدَ:
إحداها: أنْ تُحبَّ الزَّوجَ وتألَفَه، فيُؤثرَ في مِعنَى الوِدِّ، وقد قالَ ﷺ: «تَزوَّجُوا الوَدودَ»، والطِّباعُ مَجبولةٌ على الأُنسِ بأولِ مَألوفٍ.
وأمَّا الَّتي اختبَرَتِ الرِّجالَ ومارَسَتِ الأحوالَ فربَّما لا ترضَى بعضَ الأوصافِ الَّتي تُخالِفُ ما ألِفَتْه، فتَقلي الزَّوجَ.
الثانيةُ: أنَّ ذلكَ أكمَلُ في مَودتِه لها؛ فإنَّ الطَّبعَ يَنفرُ عن الَّتي مَسَّها غيرُ الزَّوجِ نفرةً ما، وذلكَ يَثقلُ على الطَّبعِ مَهما يُذكَرْ، وبَعضُ الطِّباعِ في هذا أشَدُّ نُفورًا.
(١) رواه البخاري (٢٨٠٥، ٤٩٤٩، ٥٠٥٢)، ومسلم (٧١٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (١٨٦١).
الثالثةُ: أنها لا تَحِنُّ إلى الزَّوجِ الأوَّلِ، وآكَدُ الحُبِّ ما يقَعُ مع الحَبيبِ الأولِ غالِبًا.
الخَصلةُ السَّابعةُ: أنْ تكونَ نَسيبةً: أعني أنْ تكونَ مِنْ أهلِ بيتِ الدِّينِ والصَّلاحِ، فإنها ستُربِّي بناتِها وبَنيِها؛ فإذا لم تكُنْ مؤدَّبةً لم تُحسِنِ التأديبَ والتربيةَ، ولذلكَ قالَ ﷺ: «إيَّاكُم وخَضراءَ الدِّمَنِ، فقيلَ: ما خَضراءُ الدِّمنِ؟ قالَ: المرأةُ الحَسناءُ في المَنبِتِ السُّوءِ» (١).
وقالَ ﷺ: «تَخيَّرُوا لنُطَفِكُم» (٢)، ويُروَى: «تَخيَّرُوا لنُطفِكم فإنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ» (٣).
الخَصلةُ الثامنةُ: أنْ تكونَ أجنَبيةً ولا تكونَ مِنْ القَرابةِ القَريبةِ كما نَصَّ على ذلكَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ، قالَ الإمامُ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: فإنَّ ذلكَ يُقلِّلُ الشَّهوةَ؛ لِما رُويَ مرفوعًا: «لا تَنكحُوا القَرابةَ القَريبةَ، فإنَّ الولَدَ يُخلَقُ ضَاوِيًا» (٤) أي نَحيفًا، وذلكَ لتَأثيرِه في تَضعيفِ الشَّهوةِ، فإنَّ الشَّهوةَ إنَّما تَنبعِثُ بقُوةِ الإحساسِ بالنَّظرِ واللَّمسِ، وإنَّما يَقوَى الإحساسُ بالأمرِ
(١) ضعيفٌ جدًّا: رواه القضاعي في «مسند الشهاب» (٩٥٧).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (١٩٦٨).
(٣) ضعيفٌ بهذا اللفظِ.
(٤) قالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ في «تَلخِيص الحَبيرِ» (٣/ ١٤٦): قالَ ابنُ الصَّلاحِ: لم أجِدْ له أصلًا مُعتمَدًا.
الغَريبِ الجَديدِ، فأمَّا المَعهودُ الَّذي دامَ النَّظرُ إليه مُدةً فإنه يَضعُفُ الحِسُّ عن تَمامِ إدراكِه والتأثُّرِ به، ولا تَنبعثُ به الشَّهوةُ (١).
وعنِ الشَّافعيِّ قالَ: أيُّما أهل بَيتٍ لم تَخرجْ نِساؤُهم إلى رجالِ غيرِهم كانَ في أولادِهم حُمقٌ.
والقَرابةُ القَريبةُ عندَ الشَّافعيةُ هي مَنْ في أولِ دَرجاتِ العُمومةِ والخُؤولةِ، بخلافِ ابنِ بنتِ العمِّ أو ابنِ الخالِ، بل هيَ أَولى مِنْ الأجنبيةِ؛ لانتفاءِ ذلكَ مع حُنوِّ الرَّحمِ (٢).
وقالَ الخطيبُ الشربينيُّ رحمة الله عليه: قولُه: «ليسَتْ قرابةً قَريبةً» هذا مِنْ نفيِ الموصوفِ المقيَّدِ بصفةٍ، فيَصدقُ بالأجنبيةِ والقَرابةِ البعيدةِ، وهي أَولى منها، واستَدلَّ الرَّافعيُّ لذلكَ تبعًا ل «الوَسيط» بقَولِه ﷺ: «لا تَنكِحُوا القَرابةَ القريبةَ، فإنَّ الولَدَ يُخلَقُ ضاوِيًا» أي نَحيفًا، وذلكَ لضعفِ الشَّهوةِ، غيرَ أنَّه يَجيءُ كريمًا على طَبعِ قَومِه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ولم أجدْ لهذا الحديثِ أصلًا مُعتمَدًا، قالَ السُّبكيُّ: فيَنبغي أنْ لا يَثبتَ هذا الحُكمُ؛ لعدمِ الدَّليلِ، وقد زوَّجَ النبيُّ ﷺ عَليًّا بفاطِمةَ رضي الله عنهما وهي قَرابةٌ قَريبةٌ. اه.
(١) «إحياء علوم الدين» (٢/ ٤١).
(٢) «الديباج» (٣/ ١٦٧).
وما ذُكرَ مِنْ أنَّ غيرَ القَريبةِ أَولى هو ما صرَّحَ به في زِيادة الرَّوضة، لكنْ ذكَرَ صاحِبُ «البَحر» و «البَيان» أنَّ الشَّافعيَّ نَصَّ على أنه يُستحبُّ له أنْ لا يَتزوَّجَ مِنْ عَشيرتِه؛ وعللَّهُ الزَّنْجانِيُّ بأنَّ مِنْ مَقاصدِ النكاحِ اتصالُ القَبائلِ لأجْلِ التعاضُدِ والمعاوَنةِ واجتماعِ الكَلمةِ. اه.
والأَولى حَملُ كَلامِ الشافعيِّ رضي الله عنه على عَشيرتِه الأقرَبينِ، ولا يشكلُ ذلكَ بتزوُّجِ النبيِّ ﷺ زينبَ مع أنها بنتُ عمَّتِه؛ لأنهُ تزوَّجَها بَيانًا للجَوازِ، ولا بتزوُّجِ عليٍّ فاطمةَ رضي الله عنها؛ لأنها بَعيدةٌ في الجُملةِ؛ إذْ هي بنتُ ابنِ عمِّه، وأيضًا بَيانًا للجَوازِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَختارُ الأجنَبيةَ؛ فإنَّ ولَدَها أنجَبُ، ولهذا يُقالُ: «اغتَربُوا لا تَضْوُوا» يعني: انكِحُوا الغَرائبَ كَيلا تَضعُفَ أولادُكم، وقالَ بعضُهم: الغَرائبُ أنجَبُ وبناتُ العمِّ أصبَرُ.
ولأنهُ لا تُؤمَنُ العَداوةُ في النكاحِ وإفضاؤُه إلى الطَّلاقِ، فإذا كانَ في قَرابتِه أفضَى إلى قَطيعةِ الرَّحمِ المأمورِ بصِلتِها، واللهُ أعلَمُ (٢).
فهذهِ هي الخِصالُ المُرغبةُ في النِّساءِ، ويجبُ على الوليِّ أيضًا أنْ يُراعيَ خِصالَ الزَّوجِ، ولْيَنظرْ لكَريمتِه فلا يُزوِّجْها ممَّن ساءَ خلُقُه أو خَلقُه،
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٨٣).
أو ضَعُفَ دِينُه، أو قَصرَ عن القيامِ بحَقِّها، أو كانَ لا يُكافِئُها في نسَبِها، قالَ ﷺ: «النكاحُ رِقٌّ، فلْيَنظرْ أحَدُكم أينَ يضَعَ كَريمتَه».
والاحتياطُ في حقِّها أهَمُّ؛ لأنها رَقيقةٌ بالنكاحِ لا مخلصَ لها، والزَّوجُ قادِرٌ على الطَّلاقِ بكُلِّ حالٍ، ومَهما زوَّجَ ابنتَهُ ظالِمًا أو فاسِقًا أو مبتَدِعًا أو شارِبَ خَمرٍ فقدْ جنَى على دِينِه وتعرَّضَ لسَخطِ اللهِ؛ لِما قطَعَ مِنْ حقِّ الرَّحمِ وسُوءِ الاختيارِ.
وقالَ رجلٌ للحسَنِ: قد خطَبَ ابنَتِي جَماعةٌ فمَن أزوِّجُها؟ قالَ: ممَّن يتَّقِي اللهَ، فإنْ أحَبَّها أكرَمَها، وإنْ أبغَضَها لم يَظلمْها.
ورُويَ عنِ الشَّعبيِّ: «مَنْ زوَّجَ كَريمتَه مِنْ فاسِقٍ فقدْ قطَعَ رَحِمَها» (١).
(١) «إحياء علوم الدين» (٢/ ٣٧، ٤١)، و «المهذب» (٢/ ٣٤)، و «البيان» (٩/ ١١٤، ١١٨)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٣، ٢١٤)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢١٣، ٢١٤)، و «الديباج» (٣/ ١٦٧، ١٦٨)، و «المغني» (٧/ ٨٢، ٨٣)، و «الكافي» (٣/ ٨٥)، و «مجموع الفتاوى» (٣٢، ١٩٢، ١٩٣).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب اللعان
باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الاحكام
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الاحكام
يصح اللعان من كل زوج بالغ عاقل مختار، مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو عبدا، لقوله عز وجل " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " ولان اللعان لدرء العقوبة الواجبة بالقذف ونفى النسب، والكافر كالمسلم، والعبد كالحر في ذلك، فأما الصبى والمجنون فلا يصح لعانهما لانه قول يوجب الفرقة فلم يصح من الصبى والمجنون كالطلاق.
وأما الاخرس فإنه ان لم يكن له اشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصح لعانه لانه في معنى المجنون، وان كانت له اشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لعانه لانه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لعانه.
وأما من اعتقل لسانه فإنه ان كان مأيوسا منه صح لعانه بالاشارة كالاخرس، وان لم يكن مأيوسا منه ففيه وجهان:
(أحدهما)
لا يصح لعانه لانه غير مأيوس من نطقه فلم يصح لعانه بالاشارة كالساكت
(والثانى)
يصح، لان أمامة بنت أبى العاص رضى الله عنها أصمتت فقيل لها الفلان كذا ولفلان كذا؟ فأشارت أي نغم، فرفع ذلك فرؤيت أنها وصية، ولانه عاجز عن النطق يصح لعانه بالاشارة كالاخرس
(فصل)
وان كان أعجميا، فإن كان يحسن بالعربية فيه وجهان
(أحدهما)
يصح لعانه بلسانه لانه يمين فصح بالعجمية مع القدرة على العربية كسائر الايمان
(والثانى)
لا يصح لان الشرع ورد فيه بالعربية فلم يصح بغيرها مع القدرة كأذكار الصلاة، فإن لم يحسن بالعربية لاعن بلسانه لانه ليس بأكثر من اذكار الصلاة واذكار الصلاه تجوز بلسانه إذا لم يحصن بالعربية فكذلك اللعان.
وان كان الحاكم لا يعرف لسانه أحضر من يترجم عنه.
وفى عدده وجهان بناء على القولين في الشهادة على الاقرار بالزنا
(أحدهما)
يحتاج إلى أربعة
(والثانى)
يكفيه اثنان
ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.