حكم الخطبة

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > حكم الخطبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

حكم الخطبة - الأقوال والأدلة

النحَّاسُ: والخُطبةُ: ما كانَ لها أولٌ وآخِرٌ، وكذا ما كانَ على فُعْلَةٍ، نحوُ الأُكلةِ والضُّغطةِ (١).

حُكمُ الخُطبةِ:

الخُطبةُ وسيلةٌ للنكاحِ، ومُجرَّدُ وَعدٍ وليسَتْ عَقدًا ولا شَرطًا لصحَّةِ النكاحِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ؛ فيَصحُّ النكاحُ بدُونِها باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.

قالَ أبو بكرٍ بنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ أفسَدَ نِكاحًا ترَكَ المُعاقِدُ الخُطبةَ عنهُ (٢).

وذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ الخُطبةَ مَندوبةٌ؛ لِما رُويَ عَنْ عُروةَ «أنَّ النبيَّ خطَبَ عائِشةَ إلى أبي بكرٍ فقالَ لهُ أبو بَكرٍ: إنَّما أنا أخُوكَ، فقالَ: أنتَ أخي في دِينِ اللهِ وكِتابِه، وهيَ لي حَلالٌ» (٣).

وليسَتِ الخُطبةُ بواجِبةٍ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، فيَجوزُ النكاحُ بدُونها؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ وغيرُه عَنْ سَهلِ بن سَعدٍ قالَ: «أتَتْ النبيَّ امرأةٌ فقالَتْ إنَّها قد وهَبَتْ نفْسَها للهِ ولرَسولِه ، فقالَ: ما لي في النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقالَ رَجلٌ: زوِّجْنيها، قالَ: أَعطِها ثَوبًا،

(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٨٩).
(٢) «الإشراف» (٥/ ١٢).
(٣) رواه البخاري (٤٧٩٣).

قالَ: لا أَجدُ، قالَ: أَعطِها ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فاعْتَلَّ له، فقالَ: ما معكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: كذا وكذا، قالَ: فقدْ زوَّجْتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والخُطبةُ غيرُ واجِبةٍ عندَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ علِمْناه إلَّا داودَ فإنهُ أوجَبَها لِمَا ذكَرْناهُ.

ولنا: إنَّ رَجلًا قالَ للنبيِّ : «يا رَسولَ اللهِ زَوِّجْنيها، فقالَ رَسولُ اللهِ : زوَّجْتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» متفَقٌ عليهِ، ولم يَذكرْ خُطبةً.

وخطَبَ إلى عُمرَ مَولاةً له فما زادَ على أنْ قالَ: «أنكَحْتُكَ على ما أمَرَ اللهُ، على إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ».

وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ عن أبيهِ: «إنْ كانَ الحُسينُ لَيُزوِّجُ بعضَ بناتِ الحسَنِ وهو يَتعرَّقُ العرَقَ» رواهُما ابنُ المُنذرِ.

وروَى أبو داودَ بإسنادِه عن رَجلٍ مِنْ بَني سُليمٍ قالَ: «خطَبْتُ إلى النبيِّ أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطَّلبِ، فأنكَحَني مِنْ غيرِ أنْ يَتشهَّدَ» (٢)، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فلمْ تَجبْ فيهِ الخُطبةُ كالبيعِ، وما استَدلُّوا به يَدلُّ على عدمِ الكَمالِ بدُونِ الخُطبةِ لا على الوُجوبِ (٣).

(١) رواه البخاري (٤٧٤١).
(٢) رواه أبو داود (٢١٢٠).
(٣) «المغني» (٧/ ٦٣)، ويُنظَر: «كشاف القناع» (٥/ ٢١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١١٥، ١١٦)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٣، ٤٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٣٩)، و «الديباج» (٣/ ١٨٠، ١٨١).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: وخُطبةُ النِّكاحِ ليسَتْ بواجِبةٍ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ، إلَّا داودَ فإنهُ قالَ: هي واجِبةٌ (١).

وقالَ تاجُ الدِّينِ الدَّميريُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: نصَّ مالكٌ في كِتابِ مُحمدٍ أنها مُستحَبةٌ، وقالَ: هي مِنْ الأمرِ القَديمِ، وليسَتْ بواجِبةٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ خِلافًا لداوُدَ (٢).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ خُطبةِ النكاحِ قبلَ الخِطبةِ سُنةٌ مُستحَبةٌ وليسَتْ بواجبةٍ، وقالَ أبو عُبيدٍ القاسِم بنُ سلامٍ وداودُ بنُ عليٍّ: خُطبةُ النِّكاحِ واجِبةٌ؛ استِدلالًا بروايةِ الأعرَجِ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ قالَ: «كلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لم يُبدَأْ فيه بحَمدِ اللهِ فهو أبتَرُ» (٣)، ولأنَّ النبيَّ ما عقَدَ لنَفسِه نكاحًا إلَّا بعدَ خُطبةٍ، فكانَ الخاطِبُ في تَزويجِه خَديجةَ عمَّه أبا طالِبٍ، وكانَ الخاطِبُ بتَزويجِه بعائِشةَ طلحةَ بنَ عُبيدِ اللهِ، وزوَّجَ فاطِمةَ بعليٍّ فخطَبَا جَميعًا، ولأنهُ عَملٌ مَقبولٌ قد اتَّفقَ عليهِ أهلُ الأعصارِ في جميعِ الأمصارِ، فكانَ إجماعًا لا يُسوِّغُ خِلافًا، ولأنَّ ما

(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٤٦) رقم (٢١١٨).
(٢) «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تقدَّمَ.

وقَعَ به الفَرقُ بينَ ما يُستَسرُّ بهِ مِنْ الزِّنا ويُعلَنُ مِنْ النكاحِ كانَ واجِبًا في النكاحِ كالوليِّ والشُّهودِ.

والدَّليلُ على صِحةِ ما ذهَبْنا إليهِ مِنْ استِحبابها دونَ وُجوبها هو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، فجعَلَ الإذنَ شَرطًا دونَ الخُطبةِ؛ ولأنَّ النبيَّ حينَ زوَّجَ الواهِبةَ لنَفسِها مِنْ خاطِبِها قالَ: «قد زوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» فلم يَخطُبْ، ورُويَ «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني سُليمٍ خطَبَ مِنْ رَسولِ اللهِ أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطَّلبِ فأَنكَحَه ولم يَخطُبْ».

ورويَ أنَّ الحُسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما زوَّجَ بعضَ بناتِ أخيهِ الحسَنِ وهو يَتعرَّقَ عَظمًا»، أي لم يَخطُبْ تَشاغُلًا به.

ورُويَ «أنَّ ابنَ عُمرَ زوَّجَ بنتَه فما زادَ على أنْ قالَ: قَدْ زوَّجتُكَها على ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِنْ إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ».

ولأنَّ الخُطبةَ لو وَجبَتْ في النكاحِ لَبطَلَ بتَركِها، وفي إجماعِهم على صِحةِ النكاحِ تَركها دَليلٌ على استِحبابِها دونَ وُجوبها، ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ، فلمْ تجبْ فيهِ الخُطبةِ كسائرِ العُقودِ.

فأمَّا الاستِدلالُ بالخبَرِ فلمْ يَخرجْ مَخرجَ الأمرِ فيَلزمُ، وإنَّما أخبَرَ أنهُ أبتَرُ، وليسَ في هذا القولِ دَليلٌ على الوُجوبِ، على أنَّ للخبَرِ سَببًا هو مَحمولٌ عليهِ قد ذكَرْناه في أولِ الكِتابِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 41 - 44

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر