حكم العقد بعد الخطبة المحرمة

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > حكم العقد بعد الخطبة المحرمة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

حكم العقد بعد الخطبة المحرمة - الأقوال والأدلة

حُكمُ العَقدِ بعدَ الخِطبةِ المحرَّمةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ النكاحِ على المرأةِ الَّتي حَرُمَتْ خِطبتُها، كمَن خُطِبَتْ ثمَّ خطَبَها آخَرُ على الخِطبةِ وعقَدَ عليها، أو خُطِبتْ في عدَّتِها تَصريحًا أو تَعريضًا وعُقِدَ عليها، هل يَصحُّ عَقدُ النكاحِ عليها أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ العَقدَ على مَنْ حَرُمتْ خِطبتُها صَحيحٌ مع الحُرمةِ، كعَقدِ الثَّاني على المَخطوبةِ لغيرِه، وكعَقدِ الخاطِبِ على المُعتدَّةِ في عِدَّتها؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيه تَقدُّمُ حَظرٍ على العَقدِ فلم يُؤثِّرْ فيه.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قولُه : «لا يَبِعِ الرَّجلُ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبْ بعضُكم على خِطبةِ بعضٍ»، وفي رِوايةٍ: «لا يَبعِ الرَّجلُ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبْ على خِطبةِ أخيهِ، إلَّا أنْ يأذَنَ له»، وفي رِوايةٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمنِ، فلا يَحِلُّ للمُؤمنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبَ على خِطبةِ أخيه حتَّى يذَرَ»، هذه الأحاديثُ ظاهرةٌ في تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبةِ أخيه، وأجمَعُوا على تَحريمِها إذا كانَ قد صُرِّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يَتركْ.

فلو خطَبَ على خِطبتِه وتزوَّجَ والحالةُ هذهِ عَصَى وصَحَّ النكاحُ ولم يُفسَخْ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ داودُ: يُفسَخُ النكاحُ، وعن

مالكٍ رِوايتانِ كالمَذهبينِ، وقالَ جَماعةٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ: يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ لا بعدَه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وخِطبةُ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيهِ مُحرَّمةٌ … فإنْ فعَلَ فنِكاحُه صَحيحٌ، نصَّ عليه أحمَدُ فقالَ: لا يُفرَّقُ بينَهُما، وهو مَذهبُ الشَّافعيِّ، ورُويَ عن مالكٍ وداودَ أنه لا يَصحُّ، وهو قِياسُ قولِ أبي بكرٍ؛ لأنه قالَ في البيعِ على بَيعِ أخيهِ: هو باطِلٌ، وهذا في مَعناه، ووجْهُه أنهُ نِكاحٌ مَنهيٌّ عنهُ، فكانَ باطِلًا كنِكاحِ الشِّغارِ.

ولنا: إنَّ المُحرَّمَ لم يُقارِنُ العَقدَ، فلم يُؤثِّرْ فيهِ كما لو صرَّحَ بالخِطبةِ في العدَّةِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولم يَختلفِ العُلماءُ في أنه إذا لم يَكنْ رُكونٌ ولا رضًى أنَّ النكاحَ جائِزٌ.

واختَلفُوا إذا وقَعَ النكاحُ معَ الثَّاني بعدَ الرُّكونِ إلى الأولِ والرِّضى بهِ، فقَولُ مالكٍ ما ذكَرْنا، وقد رُويَ عنه أنه يُفسخُ على كلِّ حالٍ، ورُويَ عنه أنه لا يُفسخُ أصلًا، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، وقَولُ الشَّافعيِّ أنهُ لا يُفسخُ، واختُلفَ عنهُ: هل هو عَاصٍ بفِعلِه ذلكَ أم لا؟

وقالَ داودُ: يُفسخُ النكاحُ على كلِّ حالٍ.

(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤١).
(٢) «المغني» (٧/ ١١١)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٤٤).

وقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا تزوَّجَ الرَّجلُ المرأةَ بعدَ أنْ ركَنَتْ إلى غيرِه فدخَلَ بها فإنه يَتحلَّلُ الَّذي خطَبَها عليهِ ويُعرِّفُه بما صنَعَ، فإنْ حلَّلَه وإلَّا فلْيَستغفرِ اللهَ مِنْ ذلكَ، وليسَ يَلزمُه طَلاقُها، وقد أَثِمَ فيما فعَلَ، وقالَ ابنُ وَهبٍ: إنْ لم يَجعلْه الأولُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ فلْيُطلِّقْها، فإنْ رَغبَ فيها الأولُ وتزوَّجَها فقدْ بَرِئَ هذا مِنْ الإثمِ، وإنْ كَرهَ تَزويجَها فلْيُراجِعْها الَّذي فارَقَها بنِكاحٍ جَديدٍ، وليسَ يَقضِي عليهِ بالفِراقِ.

وقالَ ابنُ القاسِمِ: إنما مَعنى النَّهيِ في أنَّ يَخطبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ في رَجلَينِ صالحَينِ، وأمَّا إذا كانَ الَّذي خطَبَها أوَّلًا فركَنَتْ إليه رَجلُ سُوءٍ فإنهُ يَنبغِي للوليِّ أنْ يَحُضَّها على تَزويجِ الرَّجلِ الصَّالحِ الذي يُعلِّمُها الخيرَ ويُعِينُها عليهِ.

قالَ أبو عُمرَ: تَحصيلُ مَذهبِ مالكٍ في نكاحِ مَنْ خطَبَ على خِطبةِ أخيهِ في الحالِ الَّذي لا يَجوزُ له أنْ يَخطبَ فيها أنه إنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فُرِّقَ بينَهُما، وإنْ كانَ دخَلَ مضَى النِّكاحُ وبِئْسَ ما صنَعَ.

وقالَ الشَّافعيُّ: هي مُصيبةٌ ويَستغفِرُ اللهَ منها، والنكاحُ ثابِتٌ دخَلَ أو لم يَدخلْ، وهو مع هذا مَكروهٌ لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يَفعلَه.

وبمِثلِ ما قالَ الشَّافعيُّ يقولُ أبو حَنيفةَ وأصحابُه وجَماعةٌ، وهو القِياسُ؛ لأنَّ النكاحَ لو كانَ فاسِدًا مُحرَّمًا غيرَ مُنعقِدٍ لم يَصحَّ بالدُّخولِ، وعلى أصل مالكٍ: إنَّما يَصحُّ بالدُّخولِ مِنْ النكاحِ ما كانَ

فَسادُه في الصَّداقِ، وأمَّا ما كانَ فَسادُه في العقدِ فمُحالٌ أنْ يَصحَّ بالدُّخولِ، والنكاحُ مُفتقِرٌ إلى صِحةِ العَقدِ، وقد يَنعقِدُ مع السُّكوتِ عنِ الصَّداقِ، فافهَمْ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ مَنْ ارتَكبَ الحُرمةَ وخطَبَ مَنْ ركَنَتْ لغيرِ فاسقٍ وعقَدَ فإنَّ نكاحَه يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ وُجوبًا بطَلاقٍ مِنْ غيرِ مَهرٍ، فإنْ دخَلَ مضَى النكاحُ وبِئسَ ما صنَعَ.

وإذا وقَعَتِ الخِطبةُ أو المُواعَدةُ في العدَّةِ وتزوَّجَها ولم يُعثَرْ على ذلكَ حتَّى وَطئَ في العدَّةِ أو قبَّلَها أو باشَرَ أو وَطئَها بعدَ انقضاءِ العدَّةِ تأبَّدَ تَحريمُها، أي المُعتدَّة مِنْ مَوتٍ أو طَلاقٍ أو المُستبْرَأة مِنْ زنًا منهُ أو مِنْ غيرِه أو غَصبٍ أو مِلكٍ أو شُبهةِ مِلكٍ، فيتأبَّدُ تَحريمُها بمُقدِّماتِ النكاحِ، أي المُستنِدةِ لعَقدٍ.

أمَّا إنْ قبَّلَ المُعتدَّةَ أو المُستبْرَأةَ مِنْ غيرِه في العدَّةِ مِنْ غيرِ وطءٍ بلا عَقدٍ أو زَنَى بها في العدَّةِ فإنها لا تَحرمُ عليهِ، بل يَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها إذا حلَّتْ؛ لأنه لم يُرِدْ بالزنا تَعجيلَ شيءٍ، وكذا إذا طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا في عدَّتِها فإنها لا تَحرمُ عليهِ بذلكَ؛ لأنه لم يُمنَعْ منها لأجْلِ العدَّةِ، بل لكَونِها لم تَتزوَّجْ بعدَه بزَوجٍ.

وكذا مَنْ تزوَّجَ خامسةً، فإنهُ يُفسخُ ولا يتأبَّدُ تَحريمُها عليهِ بذلكَ

(١) «التمهيد» (١٣/ ٢٢، ٢٤).

الوطءِ، بل يَجوزُ له إذا حلَّتْ للأزواجِ أنْ يتزوَّجَها إذا طلَّقَ إحدَى الأربَعِ أو ماتَتْ (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ومَن عقَدَ على مُعتدَّةٍ نكاحًا في عدَّتها فهو مَفسوخٌ على كلِّ حالٍ، ويُفرَّقُ بينَهُما فُرقةَ فَسخٍ مِنْ غيرِ طَلاقٍ ولا مِيراثٍ بينَهُما لو ماتَ أحَدُهما، فانْ فُرِّقَ بينَهُما قبلَ الدُّخولِ جازَ له خِطبتُها بعدَ انقِضاءِ عِدَّتها، وإنْ لم يُفرَّقْ بينَهُما إلَّا بعدَ دُخولِه بها في عدَّتِها لم يَحلَّ له نكاحُها أبدًا عندَ مالكٍ وأصحابِه على ما رُويَ عن عُمرَ في ذلكَ، فإنْ عقَدَ لها في عدَّتها ولم يَدخلْ بها إلَّا بعدَ انقِضاءِ عدَّتها فقدِ اختُلفَ عن مالكٍ وأصحابِه في تأبيدِ تَحريمِه هاهُنا؛ فرُويَ عنه أنهُ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَنكحُها أيضًا أبَدًا؛ لأنَّ وطْأَه لها كانَ بالعقدِ المُنعقِدِ عليها في عدَّتها، فكأنَّه وَطئَها في عدَّتها، وهو قَولُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلَمةَ، وهو تَحصيلُ المَذهبِ، واختارَه ابنُ القاسِمِ، ورُويَ عن مالكٍ أيضًا أنها تَحلُّ له خِطبتُها بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها، وهو قَولُ المُغيرةِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ المَخزوميِّ ومُحمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ دينارٍ، وقالَ عبدُ الملكِ بنُ الماجشُون: وعلى المُغيرةِ وابن دِينارٍ كانَتْ تَدورُ الفُتيَا بالمَدينةِ، يعني بعدَ مالكٍ، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٣٨، ٤٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٨، ١٦٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٨، ١١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٨، ٥٤٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤١٦).
(٢) «الكافي» ص (٢٣٦، ٢٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها بالشرع والأنكحة الفاسدة وحكمها

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْأَنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِالشَّرْعِ وَالْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ وَحُكْمِهَا

- وَالْأَنْكِحَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا مُصَرَّحًا أَرْبَعَةٌ: نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَالْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ.

١ - فَأَمَّا نِكَاحُ الشِّغَارِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ هُوَ: أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَلِيَّتَهُ رَجُلًا آخَرَ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعَ هَذِهِ بِبُضْعِ الْأُخْرَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ هَلْ يُصَحَّحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَحَّحُ، وَيُفْسَخُ أَبَدًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ سَمَّى لِإِحَدَاهِمَا صَدَاقًا أَوْ لَهُمَا مَعًا فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْمَهْرُ الَّذِي سَمَّيَاهُ فَاسِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نِكَاحُ الشِّغَارِ يَصِحُّ بِفَرْضِ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 136 - 140

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده