حكم ذكر عيوب الخاطب

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > حكم ذكر عيوب الخاطب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

حكم ذكر عيوب الخاطب - الأقوال والأدلة

حكمُ ذِكرِ عُيوبِ الخاطِبِ:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنه يَجوزُ ذِكرُ مَساوئِ الخاطِبِ، وأنَّ هذا ليسَ مِنْ الغِيبةِ المُحرَّمةِ.

قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ لمَن استشارَه أحَدُ الزَّوجينِ ذِكرُ الأشياءِ التي تَسوءُ ممَّا يَعلمُه في الآخَرُ مِنْ العُيوبِ، للتَّحذيرِ منه بما يُفهَمُ مِنْ تَلويحٍ؛ ولا يَجوزُ التَّصريحُ إذا استَغنَى عنهُ، ولا يَقتصرُ على ذِكرِ مَساوئِ الزَّوجِ فقط.

ومَحلُّ جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ لمَن استَشارَه إذا كانَ هناكَ مَنْ يَعرفُ حالَ المَسؤولِ عنه غيرُ ذلكَ المَسؤولِ، وإلَّا وجَبَ عليهِ الذِّكرُ؛ لأنه مِنْ بابِ النَّصيحةِ لأخيهِ المُسلمِ.

وقيلَ: إذا استَشارَه وجَبَ عليه ذِكرُ العُيوبِ، وإنْ لم يَستشرْه نُدبَ له ذِكرُ العُيوبِ.

والدَّليلُ على جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ ما رواهُ مُسلمٌ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ

أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكيلُه بِشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ فذكَرَتْ ذلك له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلك امرأةٌ يَغشَاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنهُ رَجلٌ أعمَى تَضعينَ ثِيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذِنيني»، قالَتْ: فلمَّا حلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خطَبانِي، فقالَ رسولُ اللهِ : «أمَّا أبو جَهمٍ، فلا يَضعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، انكِحِي أُسامةَ بنَ زَيدٍ» فكَرهْتُه، ثمَّ قالَ: «انكِحِي أُسامةَ»، فنكَحْتُه، فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا، واغتبَطْتُ به» (١) (٢).

وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ استُشيرَ في خاطِبٍ أو مَخطوبةٍ أو غيرِهما ممَّن أرادَ الاجتماعَ عليهِ لنَحوِ مُعامَلةٍ أو مُجاوَرةِ كالرِّوايةِ عنهُ أو القَراءةِ عليه ذكَرَ المُستشارُ مَساويهِ -أي عُيوبَه- بصِدقٍ ليَحذَرَ، بَذْلًا للنَّصيحةِ الواجِبةِ، لا للإيذاءِ والوَقيعةِ؛ لقولِ النبيِّ لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ رضي الله عنهما: «أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له … » (٣).

وهل هذا على سَبيلِ الوُجوبِ أم النَّدبِ؟ قَولانِ في المَذهبِ، الصَّحيحُ

(١) رواه مسلم (١٤٨٠).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٢)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٤٦، ٤٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٤٢).
(٣) رواه مسلم (١٤٨٠).

أنه للوُجوبِ، فيَجبُ عليه أنْ يَذكرَ عُيوبَه، كما يَجبُ على مَنْ عَلِمَ بالمَبيعِ عَيبًا أنْ يُخبِرَ به مَنْ يُريدُ شِراءَه مُطلَقًا، بلِ الأعراضُ أشَدُّ حُرمةً وضَررًا مِنْ الأموالِ؛ لأنَّ فيه تَكشُّف بُضعٍ وهتْكَ سَوأةٍ، وذُو المُروءةِ يَسمحُ في الأموالِ ما لا يَسمحُ في الأعراضِ.

وهلْ لا يَذكرُها إلَّا بعدَ الاستِشارةِ؟ أم أنه يَجبُ ذِكرُها ابتداءً مِنْ غيرِ استشارةٍ؟ قولانِ: أصَحُّهما أنَّ له ذِكرَها ابتداءً.

ومَحلُّ ذِكرِ المَساوِي عندَ الاحتياجِ إليه، فإنِ اندَفعَ بدُونِه بأنْ لم يَحتجْ إلى ذِكرِها كقولِه: «لا تَصلحُ لكَ مُصاهَرتُه» ونَحوَه ك: «لا تَصلحُ لكَ مُعامَلتُه» وجَبَ الاقتصارُ عليه ولم يَجُزْ ذِكرُ عُيوبِه، قالَه في «الأذكار تَبعًا ل «الإحياء»، وهوَ المُعتمَدُ وإنْ نظَرَ فيهِ الأذرَعيُّ، وقياسُه أنه إذا اندَفعَ بذِكرِ بعضِها حَرُمَ عليه ذِكرُ شَيءٍ منِ البعضِ الآخَرِ، كما قالَه ابنُ النَّقيبِ، وإنِ اقتَضَى كلامُ المُصنِّفِ خِلافَه.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وغِيبةُ الكافرِ مُحرَّمةٌ إنْ كانَ ذِميًّا؛ لأنَّ فيها تَنفيرًا لهم عن قَبولِ الجِزيةِ وتَركًا لوَفاءِ الذمَّةِ، ولقولِه : «مَنْ سَمَّعَ ذمِّيًّا وجَبَتْ له النَّارُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في صحَيحِه، ومباحَةٌ إنْ كانَ حَربيًّا؛ لأنَّه كانَ يأمُرُ حسَّانَ أنْ يَهجوَ المُشركينَ.

والحاصِلُ أنَّ الغِيبةَ -وهي ذِكرُ الإنسانِ بما فيهِ ممَّا يَكرَهُ، ولو في مالِه أو وَلدِه أو زَوجتِه أو نحوِ ذلكَ- مُحرَّمةٌ، سواءٌ أذَكَرَه بلَفظٍ أم كِتابةً أم

إشارةً بيَدٍ أو رأسٍ أو جَفنٍ أو نحوِ ذلكَ مُحرَّمةٌ، لكنَّها تُباحُ للأسبابِ المَذكورةِ، بل قد تَجبُ بَذلًا للنَّصيحةِ كما مرَّ.

قالَ البارِزِيُّ: ولو استُشيرَ في أمرِ نَفسِه في النكاحِ فإنْ كانَ فيه ما يُثبتُ الخيارَ وجَبَ ذِكرُه للزَّوجةِ، وإنْ كانَ فيه ما يُقلِّلُ الرغبةَ عنه ولا يُثبتُ الخيارَ كسُوءِ الخلُقِ والشُّحِّ استُحبَّ، وإنْ كانَ شيءٌ مِنْ المَعاصِي وجَبَ عليه التوبةُ في الحالِ وستْرُ نَفسِه. اه.

ووُجوبُ هذا التَّفصيلِ بَعيدٌ، والأوجَهُ كما قالَ شيخُنا أنَّه يكْفِيه قولُه: «أنا لا أصلُحُ لكُم»، وسُمِّيتْ عيوبُ الإنسانِ مَساوِيَ لأنَّه يَسوؤُه ذِكرُها (١).

وقالَ الحَنابلةُ: وعلى مَنْ استُشيرَ في خاطِبٍ أو مَخطوبةٍ أنْ يَذكرَ ما فيه مِنْ مَساوئَ -أي عُيوبٍ- وغَيرِها، ولا يكونُ غِيبةً مُحرَّمةً إذا قصَدَ به النصيحةَ؛ لحَديثِ «المُستَشارُ مُؤتمَنٌ» (٢)، وحديثِ «الدِّينُ النَّصيحةُ» (٣).

وإنِ استُشيرَ في أمرِ نَفسِه بيَّنَه وُجوبًا كقولِه: «عندي شَحٌّ، وخُلُقي شَديدٌ» ونَحوهما؛ لعُمومِ ما سبَقَ (٤).

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤١، ٤٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٢٦، ٥٢٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و «الديباج» (٣/ ١٧٩، ١٨٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٥٣)، و «البيان» (٩/ ٢٨٧، ٢٨٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٨٢٢)، وابن ماجه (٣٧٤٥).
(٣) رواه مسلم (٥٥).
(٤) «كشاف القناع» (٥/ ٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب ما يجزئ من العيوب في الرقاب الواجبة)

(بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الرِّقَابِ الواجبة)

(مِنْ كِتَابَيِ الظِّهَارِ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ)

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: (لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا ذُكِرَ لِي عَنْهُ وَلَا بَقِيَ مَنْ خَالَفَ فِي أَنَّ مِنْ ذَوَاتِ النَقْصِ مِنَ الرِّقَابِ مَا لَا يُجْزِئُ وَمِنْهَا مَا يُجْزِئُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا دون بعض فلم اجد من مَعَانِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا أَقُولُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَجِمَاعُهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا يُتَّخَذُ لَهُ الرَّقِيقُ الْعَمَلُ وَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ تَامًّا حَتَّى تَكُونَ يَدَا الْمَمْلُوكِ بَاطِشَتَيْنِ وَرِجْلَاهُ مَاشِيَتَيْنِ وَلَهُ بَصَرٌ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 132 - 135

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد