الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > هل النهي في الحديث لحق الله أم لحق الخاطب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةهل النَّهيُ في الحديثِ لِحَقِّ اللهِ أم لحقِّ الخاطِبِ:
قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: هل الحَقُّ في ذلك للهِ أمْ للخاطبِ؟ فمِنهُم مَنْ قالَ: الحقُّ في ذلكَ للخاطِبِ، فلْيَتحللْ منهُ، فإنْ لم يَفعلْ فارَقَها، قالَه ابنُ وَهبٍ.
وهذا لا يَصحُّ؛ لأنهُ رآهُ مُستوجِبًا حقًّا في النكاحِ، وهذا لا يَصحُّ، وقد فاتَ مَحلُّ حَقِّه، أمَا إنه إنْ حلَّلَ خلَصَ مِنْ مُطالَبتِه (١).
مَنْ خطَبَتْه امرأةٌ وركَنَتْ إليهِ فهل لغَيرِه أنْ يَخطبَها؟
قالَ الإمامُ الحطَّابُ رحمة الله عليه: مَنْ خطَبَتْه امرأةٌ وركَنَتْ إليهِ فهل لغَيرِه أنْ يَخطبَها؟ للحَنابلةِ قَولانِ، واستَظهَروا المنعَ، وفي «الإكمال» ما يَدلُّ على الجَوازِ.
قالَ في حَديثِ المرأةِ الَّتي عرَضَتْ نفْسَها على النبيِّ ﷺ «فصعَّدَ النَّظرَ فيها وصوَّبَه، ثمَّ طَأطأَ رأسَه، فقالَ له رَجلٌ: إنْ لم يَكنْ لكَ بها حاجةٌ فزوِّجنِيها»، وفي قولِ الرَّجلِ هذا دليلٌ على جَوازِ الخِطبةِ ما لم يَتراكَنَا، لا سيِّما معَ ما رَأى مِنْ زُهدِ النبيِّ ﷺ فيها.
قالَ الباجِي: فيهِ جَوازُ ذلكَ إذا كانَ باستِئذانِ الناكِحِ؛ إذْ هو حَقُّه.
عِياضٌ: وعندي أنَّ الاستِدلالَ بهذا كلِّه ضَعيفٌ؛ لأنهُ لم يَكنْ هُناكَ خِطبةٌ إلَّا مِنْ المرأةِ للنبيِّ ﷺ في نَفسِها، والرَّجلُ إنَّما طلَبَ المرأةَ وخطَبَها
(١) «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣٣)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ١٣٢).
للنبيِّ، ولم يَخطبْها أحَدٌ قبلَه حتَّى يُقالَ: «هي خِطبةٌ على خِطبةٍ». انتهى
فيُؤخذُ منه أنَّ المرأةَ إذا خطَبَتْ رَجلًا أنه يَجوزُ لغيرِه أنْ يَخطبَها إذا لم يَقعْ مِنْ الأولِ خِطبةٌ لها، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو خطَبَتِ المرأةُ أو وَليُّها الرَّجلَ ابتداءً فأجابَهما فيَنبغِي أنْ لا يَجعلَ لرَجلٍ آخَرَ خِطبتَها، إلَّا أنه أضعَفُ مِنْ أنْ يكونَ هوَ الخاطِبَ، وكذا لو خطَبَتْه أو وَليُّها بعدَ أنْ خطَبَ هو امرأةً فالأولُ أبْدَى للخاطِبِ، والثَّاني أبدَى للمَخطوبِ، وهذا بمَنزلةِ البيعِ على بَيعِ أخيهِ قبلَ انعِقادِ البيعِ (٢).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّيخُ: (ولو خطَبَتِ المرأةُ أو وليُّها الرَّجلَ ابتِداءً فأجابَها فيَنبغِي أنْ لا يَحلَّ لرَجلٍ آخَرَ خِطبتُها)؛ لأنهُ إيذاءٌ لهُ، (إلَّا أنهُ أضعَفُ مِنْ أنْ يكونَ هو الخاطِبَ)؛ لأنهُ دُونَه في الإيذاء، ثمَّ ذكَرَ الشَّيخُ مَسألةً وقَعَ فيها في كَلامِه سَقطُ كَلمةٍ فتَركَها المُصنِّفُ، ثمَّ قالَ الشَّيخُ: (ونظيرُ الأُولى) وهي الَّتي ذكَرْتُ لكَ في المَتنِ (أنْ تَخطبَه امرأةٌ أو) يَخطبَه (وليُّها بعدَ أنْ خطَبَ هو امرأةً، فإنَّ هذا إيذاءٌ للمَخطوبِ في المَوضعَينِ، كما أنَّ ذلكَ إيذاءٌ للخاطِبِ، وهذا بمَنزلةِ البيعِ على بَيعِ أخيهِ قبلَ انعِقادِ العَقدِ) أي لُزومِه، (وذلكَ كلُّه يَنبغي أنْ يكونَ حَرامًا. انتهى).
(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٣٦، ٣٧).
(٢) الفتاوى «الكبرى» (٤/ ٥٢٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٣٥ - مسألة؛ قال: (وإذا قال الخاطب للولى: أزوجت. فقال: نعم. وقال للمتزوج: أقبلت. فقال: نع
بعِوَضٍ شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّى، وعلىَّ ثَمَنُه. وكما لو قال: طَلَّقْ زَوْجَتَكَ، وعلىَّ أَلْفٌ. فطَلَّقَها ، أو قال : ألْقِ مَتاعَكَ فى البَحْرِ، وعلىَّ ثَمَنُه. وبهذه الأصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لا فائِدةَ له فى العِتْقِ.
١١٣٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِىِّ: أزَوَّجْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ للمُتَزَوِّجِ : أقَبِلْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَدِ انْعَقَد النِّكَاحُ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ )
وقال الشافعىُّ: لا يَنْعقِدُ حتى يقولَ معه: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، ويقولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ؛ لأنَّ هذَيْنِ رُكْنَا العَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بدُونِهِما. ولَنا، أَنَّ نَعَمْ جوابٌ لقَوْلِه: أزَوَّجْتَ وقَبِلْتَ، والسؤالُ يكون مُضْمَرًا فى الجوابِ مُعَادًا فيه، فيكونُ معنى نعم من الوَلِىِّ: زَوَّجْتُه ابْنَتِى. ومعنى نعم من المُتَزَوِّجِ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ. ولا احْتِمالَ فيه، فيَجِبُ أن يَنْعَقِدَ به، ولذلك لمَّا قال اللَّهُ تعالى: {هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} . كان إقْرارًا منهم بوُجْدانِ ذلك أنَّهم وَجَدُوا ما وَعَدَهُم رَبُّهُم حَقًّا. ولو قِيلَ لرَجُلٍ: لى عليكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فقال: نعم. كان إقرارًا صَرِيحًا لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، ولا يُرْجَعُ فى ذلك إلى تَفْسِيرِه، وبمِثْلِه تُقْطَعُ اليَدُ فى السَّرِقةِ، فوَجَبَ أن يَنْعَقِدَ به التَّزْويجُ، كما لو لَفَظَ بذلك.
فصل: ولو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. فقال: قَبِلْتُ. انْعَقدَ النِّكاحُ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التزويجَ،
ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.