الشرط الخامس: أن تكون الأم خلية من زوج

الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط المعتبرة فيمن يستحق الحضانة > الشرط الخامس: أن تكون الأم خلية من زوج

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الشرط الخامس: أن تكون الأم خلية من زوج - الأقوال والأدلة

الأبِ مع قُربِ الدارِ وإمكانِ اللِّقاءِ كلَّ وقتٍ لو قضَى به للأبِ، وقضَى أنْ لا تُوَلَّهُ والِدةٌ على وَلدِها، وأخبَرَ أنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ والِدةٍ ووَلدِها فرَّقَ اللَّهُ بينَه وبينَ أحِبَّتِه يومَ القِيامةِ، ومنَعَ أنْ تُباعَ الأمُّ دونَ وَلدِها والوَلدُ دُونَها وإنْ كانَا في بلدٍ واحدٍ، فكيفَ يَجوزُ مع هذا التَّحيُّلُ على التَّفريقِ بينَها وبينَ وَلدِها تَفريقًا تَعِزُّ معه رُؤيتُه ولِقاؤُه ويَعزُّ عليها الصبْرُ عنه وفَقدُه؟ وهذا مِنْ أمحَلِ المُحالِ، بل قَضاءُ اللهِ ورَسولِه أحَقُّ أنَّ الوَلدَ للأُمِّ، سَافرَ الأبُ أو أقامَ، والنبيُّ قالَ للأمِّ: «أنتِ أحَقُّ به ما لم تَنكِحي»، فكيفَ يُقالُ: أنتِ أحَقُّ به ما لم يُسافِرِ الأبُ؟ وأينَ هذا في كِتابِ اللهِ أو في سُنةِ رَسولِ اللهِ أو فَتاوَى أصحابِه أو القِياسِ الصحيحِ؟ فلا نصَّ ولا قِياسَ ولا مَصلحةَ (١).

فهذهِ الشُّروطُ التي يَشتركُ الأبَوانِ في اعتِبارِهما فيهما.

فإنْ لم تَكنِ الأمُّ مِنْ أهلِ الحَضانةِ لفُقدانِ الشُّروطِ التي ذكَرْنا فيها أو بعضِها فهي كالمَعدومةِ، وتَنتقلُ إلى مَنْ يَليها في الاستحقاقِ، ولو كانَ الأبَوانِ مِنْ غيرِ أهلِ الحَضانةِ انتَقلتْ إلى مَنْ يَليهما؛ لأنهما كالمَعدومَينِ (٢).

وهُناكَ شَرطٌ خاصٌّ بالأمِّ، وهو:

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ تَكونَ الأمُّ خَليَّةً مِنْ زَوجٍ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأمَّ إذا فارَقَتْ زوْجَها أنها أحَقُّ بوَلدِها مِنْ أبيه إذا توَّفرتْ فيها الشُّروطُ السابقةُ مِنْ العَقلِ والعَدالةِ والرُّشدِ وعَدمِ

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٩٥).
(٢) «المغني» (٨/ ١٩١).

السَّفرِ، ولم يَبلغِ الطفلُ سِنَّ التمييزِ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (١).

وعن أبي أيُّوبَ رضي الله عنه قالَ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «مَنْ فرَّقَ بينَ والِدةٍ ووَلدِها فرَّقَ اللهُ بينَه وبينَ أحِبَّتِه يومَ القِيامةِ» (٢)، ولأنَّ الأمَةَ أو المَسبيةَ إذا لم يفرَّقْ بينَها وبينَ وَلدِها فأخَصُّ بذلكَ الحُرةَ (٣).

و «قضَى أبو بَكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه بعاصِمِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ لأمِّه أمِّ عاصِمٍ، وقالَ لعُمرَ: رِيحُها وشمُّها ولُطفُها خيرٌ له مِنْكَ» (٤).

وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ.

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الزَّوجينِ إذا افتَرقَا ولهُمَا وَلدٌ طِفلٌ أنَّ الأمَّ أحَقُّ به ما لم تَنكحْ.

وممَّن حَفِظْنا ذلكَ عنه يَحيَى الأنصاريُّ والزُّهريُّ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.

وبه نَقولُ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٢٧٦)، وأحمد (٦٧٠٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٥٦٦).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٣).
(٤) ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٣٠٣)، رقم (٢٢٧٢).

وقد روينَا عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ أنه حكَمَ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ وقَضَى بعاصِمٍ لأمِّه أمِّ عاصِمٍ، وقالَ: «حِجرُها ورِيحُها ومَسُّها خيرٌ له منكَ حتَّى يَشبَّ فيختارَ» (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ الحَضانةَ للأمِّ ما لم تَتزوجْ (٢).

وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: ولم يَختلفُوا أنَّ الأمَ أحَقُّ بالولدِ الطفلِ مِنْ الأبِ ما لم تَتزوجْ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ السَّلفِ مِنْ العُلماءِ والخلَفِ في المَرأةِ المُطلَّقةِ إذا لم تَتزوَّجْ أنها أحَقُّ بوَلدِها مِنْ أبيهِ ما دامِ طِفلًا صَغيرًا لا يُميِّزُ شَيئًا إذا كانَ عندَها في حِرزٍ وكِفايةٍ ولم يَثبتْ منها فِسقٌ ولم تَتزوجْ (٤).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الزَّوجانِ إذا افتَرقَا ولهُما وَلدٌ طِفلٌ أو مَعتوهٌ فأمُّه أَولى الناسِ بكَفالتِه إذا كَملَتِ الشَّرائطُ فيها، ذكَرًا كانَ أو أُنثى، وهذا قَولُ يَحيَى الأنصاريِّ والزُّهريُّ والثوريِّ ومالكٍ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم … ولأنها أقرَبُ إليه وأشفَقُ عليه، ولا يُشارِكُها في القُربِ إلا أبوه، وليسَ له مِثلُ شَفقتِها،

(١) «الإشراف» (٥/ ١٧١)، و «الإجماع» (٣٩٣).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢١٣).
(٣) «معالم السنن» (٣/ ٢٨٢).
(٤) «الاستذكار» (٧/ ٢٩٠).

ولا يَتولَّى الحَضانةَ بنَفسِه، وإنما يَدفعُه إلى امرَأتِه، وأمُّه أَولى به مِنْ امرأةِ أبيه (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأما تَقديمُ الأمِّ على الأبِ في حَقِّ الصَّغيرِ فمُتفَقٌ عليه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: فالأمُّ أحقُّ بالوَلدِ بالإجماعِ (٣).

وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ رحمة الله عليه: وإنما كانَتْ أحَقَّ؛ لأنَّ الأمَّةَ أجمَعَتْ على أنَّ الأمَّ أحَقُّ بالوَلدِ ما لم تَتزوَّجْ، يَعني بزَوجٍ آخَرَ … ولأنَّ الصِّغارَ لمَّا عَجَزوا عن مَصالحِهم جعَلَ الشرعُ وِلايتَها إلى غيرِهم، فجعَلَ وِلايةَ التصرُّفِ في النَّفسِ والمالِ إلى الآباءِ؛ لأنهم أقوَى رَأيًا مع الشَّفقةِ الكامِلةِ، وأوجَبَ النَّفقةَ عليهِم؛ لكَونِهم أقدَرَ عليها، وجعَلَ الحَضانةَ إلى الأمَّهاتِ؛ لأنهُنَّ أشفَقُ وأرفَقُ وأقدَرُ وأصبَرُ على تَحمُّلِ المَشاقِ بسَببِ الوَلدِ على طُولِ الأعصارِ وأفرَغُ للقِيامِ بخِدمتِه، فكانَ في تَفويضِ الحَضانةِ إليهِنَّ، وغيرِها مِنْ المَصالحِ إلى الآباءِ؛ زِيادةَ مَنفعةٍ على الصَّغيرِ، فكانَ حسنًا وأنظَرَ للصَّغيرِ، فيكونُ مَشروعًا، ولهذا قالَ أبو بَكرٍ لعُمرَ حينَ فارَقَ امرَأتَه: «رِيحُها ومَسُّها ومَسحُها ورِيقُها خَيرٌ له مِنْ الشَّهدِ عندَكَ»، ولم يُنكِرْ عليه أحَدٌ فكانَ إجماعًا (٤).

(١) «المغني» (٨/ ١٩٠، ١٩١).
(٢) «جامع المسائل» (٣/ ٤٢٥).
(٣) «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٦٧).
(٤) «تبيين الحقائق» (٣/ ٤٦، ٤٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل شرط كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة

بِانْدِفَاعِ مَا كَانَ ثَابِتًا، فَيَنْدَفِعُ الثَّابِتُ ضَرُورَةَ دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْمِلْكِ تَابِعًا لِبَعْضٍ، فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَنَظِيرُ الْفَصْلَيْنِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَثْبُتُ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي لَا يَثْبُتُ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ابْنَ أَخِيهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَدَرَ عَنْ الْأَبِ.

وَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لِصُدُورِ النِّكَاحِ عَنْ الْعَمِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا خِيَارَ لَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ.

وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَلَاءِ دُونَ وِلَايَةِ الْقَرَابَةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ ثَمَّةَ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ هَهُنَا أَوْلَى، وَلَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَلَهَا إذَا بَلَغَتْ خِيَارُ الْعِتْقِ لَا خِيَارَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَادَفَهَا، وَهِيَ رَقِيقَةٌ.

فَصْلٌ شَرْطُ كَفَاءَةِ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا كَفَاءَةُ الزَّوْجِ فِي إنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، فَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الشَّرْطِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: .

أَحَدِهَا: فِي بَيَانِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي بَابِ النِّكَاحِ هَلْ هِيَ شَرْطُ لُزُومِ النِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ؟ أَمْ لَا؟ .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 517 - 520

ارجع إلى الشروط المعتبرة فيمن يستحق الحضانة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده