الشرط الرابع: الإقامة في المصر وعدم السفر

الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط المعتبرة فيمن يستحق الحضانة > الشرط الرابع: الإقامة في المصر وعدم السفر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: الإقامة في المصر وعدم السفر - الأقوال والأدلة

فأما الاستِدلالُ بالخبَرِ فهو ضَعيفٌ عندَ أصحابِ الحَديثِ، ولو صَحَّ لَكانَ الجَوابُ عنه مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَقصودَ به ظُهورُ المُعجزةِ باستِجابةِ دَعوتِه .

والثَّاني: أنها كانَتْ فَطيمًا، والفَطيمُ لا يُخيَّرُ.

والثَّالثُ: أنه دَعَا بهِدايتِها إلى مُستحِقِّ كَفالتِها لا إلى الإسلامِ؛ لثُبوتِ إسلامِها بإسلامِ أبيها، فلو كانَ للأمِّ حَقٌّ لأقَرَّها عليهِ ولَمَا دعَا بهِدايتِها إلى مُستحِقِّها.

وقَولُهم: إنَّ الكافرَ مَأمونٌ على وَلدِه.

قيلَ: هو وإنْ كانَ مَأمونًا على بَدنِه فغيرُ مَأمونٍ على دِينِه، وحَظُّه في الدِّينِ أقوَى، فلو أسلَمَ الكافرُ منهُما عادَ إلى كَفالتِه، ولو ارتَدَّ المُسلمُ سقَطَتْ كَفالتُه (١).

الشَّرطُ الرَّابعُ: الإقامَةُ في المِصرِ وعدَمُ السَّفرِ:

نصَّ أكثرُ الفُقهاءِ على أنَّ الأبوَينِ إذا افتَرقَا وكانَا في مِصرٍ واحِدٍ أنَّ الأمَّ أحَقُّ بالولَدِ مِنْ الأبِ ما لم تَتزوَّجْ.

وإذا أرادَ أحَدُ الوالِدَينِ السَّفرَ للنَّقلةِ والاستِيطانِ بحَيثِ يكونُ بَعيدًا عَنْ

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢١٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥١٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٤٤)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٥٠٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٠٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٩٧)، و «الديباج» (٣/ ٦٥٤)، و «المغني» (٨/ ١٩٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١٠).

أحدَهِما فأكثَرُ الفُقهاءِ على أنَّ الولَدَ يكونُ عندَ الأبِ إذا أرادَ السَّفرَ للنَّقلةِ، إلَّا عَلى تَفصيلٍ للحَنفيَّةِ يأتي بَيانُه، وأنَّ الأبَ أحَقُّ بالولَدِ مِنْ الأمِّ، سواءٌ كانَ ذكَرًا أو أنثَى عندَ عامَّةِ العُلماءِ إذا كانَ السَّفرِ لغَيرِ الضِّرارِ وكانَ مأمُونًا وفي بلَدٍ آمِنٍ فهوَ أحَقُّ بهِ؛ لأنَّ كَونَه معَ الأبِ أصلَحُ لهُ؛ لحِفظِ نسَبِه وكَمالِ تَربيتِه وتَعليمِه وتأديبِهِ، وأنَّه معَ الأمِّ تَضيعُ مَصلحتُه.

ولو أرادَتِ الأمُّ أنْ تُسافِرَ بالذَّكرِ أو الأُنثَى مِنْ المِصرِ الَّذي فيهِ عُقِدَ النكاحُ فالأبُ أحَقُّ بهِ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي:

قالَ الحَنفيةُ: مَكانُ الحَضانةِ مكانُ الزوجَينِ إذا كانَتِ الزوجيَّةُ بينَهُما قائِمةً، حتَّى لو أرادَ الزوجُ أنْ يَخرجَ مِنْ البَلدِ وأرادَ أنْ يَأخذَ ولَدَه الصَّغيرَ ممَّن له الحَضانةُ مِنْ النِّساءِ ليسَ له ذلكَ حتى يَستغنَي عنها؛ لأنها أحَقُّ بالحَضانةِ منه، فلا يَملكُ انتزاعَه مِنْ يَدِها؛ لِما فيه مِنْ إبطالِ حقِّها فَضلًا عن الإخراجِ مِنْ البَلدِ.

وإنْ أرادَتِ المَرأةُ أنْ تَخرجَ مِنْ المِصرِ الذي هيَ فيه إلى غَيرِه فللزَّوجِ أنْ يَمنعَها مِنْ الخُروجِ، سَواءٌ كانَ معَها وَلدٌ أو لم يَكنْ؛ لأنَّ عليها المُقامَ في بَيتِ زَوجِها، وكذلكَ إذا كانَتْ مُعتدةً لا يَجوزُ لها الخُروجُ مع الوَلدِ وبدُونِه، ولا يَجوزُ للزوجِ إخراجُها؛ لقَولِه ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].

وأمَّا إذا حصَلَ بينَهُما فِراقٌ وكانَتْ مُنقضِيةَ العدَّةِ فأرادَتْ أنْ تخرُجَ بوَلدِها مِنْ البلدِ الذي هي فيه إلى بَلدٍ فهذا على أقسامٍ:

إنْ أرادَتْ أنْ تَخرجَ إلى بَلدِها وقد وقَعَ النكاحُ فيه فلها ذلكَ، مثلَ أنْ تَزوَّجَ كُوفيةً بالكُوفةِ ثم نقَلَها إلى الشامِ فولَدَتْ أولادًا ثمَّ وقَعَتِ الفُرقةُ بينَهُما وانقَضَتِ العدَّةُ فأرادَتْ أنْ تَنقلَ أولادَها إلى الكُوفةِ فلَها ذلكَ مِنْ غيرِ رِضا الأبِ؛ لأنَّ المانعَ هو ضَررُ التَّفريقِ بينَه وبينَ وَلدِه، وقد رَضيَ به؛ لوُجودِ دَليلَ الرِّضا وهو التزوُّجُ بها في بَلدِها؛ لأنَّ مَنْ تزوَّجَ امرَأةً في بلدِها فالظاهرُ أنه يُقيمُ فيه، والولدُ مِنْ ثَمراتِ النكاحِ، فكانَ راضِيًا بحَضانةِ الوَلدِ في ذلكَ البلدِ، فكانَ راضِيًا بالتَّفريقِ، إلا أنَّ النكاحَ ما دامَ قائمًا يَلزمُها اتِّباعُ الزوجِ، فإذا زالَ فقدْ زالَ المانعُ.

وإنْ وقَعَ النكاحُ في غيرِ بلدِها لم يَكنْ لها أنْ تَنتقلَ بوَلدِها إلى بَلدِها، بأنْ تزوَّجَ امرأةً كُوفيةً بالشامِ فوقَعَتِ الفُرقةُ فأرادَتْ أنْ تَنقلَ ولَدَها إلى الكُوفةِ لم يَكنْ لها ذلكَ؛ لأنه إذا لم يَقعِ النكاحُ في بَلدِها لم تُوجَدْ دَلالةُ الرِّضا بالمُقامِ في بلدِها، فلَم يكنْ راضِيًا بحَضانةِ الوَلدِ فيه، فلَم يَكنْ راضِيًا بضَررِ التفريقِ.

ولو أرادَتْ أنْ تَنقلَ الولَدَ إلى بَلدٍ ليسَ ذلكَ ببَلدِها ولكنْ وقَعَ النكاحُ فيه -كما إذا تزوَّجَ كُوفيةً بالشامِ فنقَلَها إلى البَصرةِ فوقَعَتِ الفُرقةُ بينَهُما فأرادَتْ أنْ تَنتقلَ بأولادِها إلى الشامِ- ليسَ لها ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ البلدَ الذي وقَعَ فيه النكاحُ ليسَ ببَلدِها ولا بلدِ الزوجِ، بل هو دارُ غُربةٍ لها كالبلدِ الذي فيه الزوجُ، فلَم يكنِ النكاحُ فيه دَليلَ الرِّضا بالمُقامِ فيه، فلَم يَكنْ راضيًا بحَضانةِ الولدِ الذي هو مِنْ ثَمراتِ النكاحِ فيه، فلَم يَكنْ راضِيًا بضَررِ التفريقِ، فاعتُبِرَ في الأصلِ شَرطانِ:

أحَدُهما: أنْ يكونَ البلدُ الذي تُريدُ أنْ تَنقلَ إليه الولَدَ بلدَها.

والثاني: وُقوعُ النكاحِ فيه، فما لم يُوجَدَا لا يَثبتُ لها وِلايةُ النقلِ.

هذا إذا كانَتِ المَسافةُ بينَ البَلدينِ بَعيدةً، فإنْ كانَتْ قَريبةً بحَيثُ يَقدرُ الأبُ أنْ يَزورَ ولَدَه ويَعودَ إلى مَنزلِه قبلَ الليلِ فلها ذلكَ؛ لأنه لا يَلحقُ الأبَ كَبيرُ ضَررٍ بالنقلِ، بمَنزلةِ النقلِ إلى أطرافِ البلدِ.

وإنْ كانَ الأبُ مُتوطِّنًا في المِصرِ فأرادَتْ نقْلَ الولدِ إلى القريةِ فإنْ كانَ تزوَّجَها فيها وهي قَريتُها فلها ذلكَ، وإنْ كانَتْ بَعيدةً عن المِصرِ فلا، وإنْ لم تَكنْ تلكَ قَريتَها فإنْ كانَتْ قَريتَه ووقَعَ فيها أصلُ النكاحِ فلَها ذلكَ كما في المِصرِ، وإنْ كانَ لم يَقعِ النكاحُ فيها فليسَ لها ذلكَ وإنْ كانَتْ قَريبةً مِنْ المِصرِ.

وليسَ للمَرأةِ أنْ تَنقلَ ولَدَها إلى دارِ الحَربِ وإنْ كانَ قد تزوَّجَها هُناكَ وكانَتْ حَربيةً بعدَ أنْ يكونَ زَوجُها مُسلمًا أو ذِميًّا؛ لأنَّ في ذلكَ إضرارًا بالصبيِّ؛ لأنه يَتخلَّقُ بأخلاقِ الكفَرةِ، فيَتضررُ به، وإنْ كانَ كِلاهُما حَربيَّينِ فلَها ذلكَ؛ لأنَّ الصبيَّ تبَعٌ لهُما وهما مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أرادَ الأبُ النُّقلةَ والاستِيطانَ إلى بَلدٍ آخَرَ فهو أحَقُّ بالوَلدِ مِنْ أمِّه، وكذلك إذا أرادَتِ الأمُّ النُّقلةَ إلى بَلدٍ آخَرَ فالأبُ أحَقُّ

(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢٣١)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٤، ٤٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٦٠)، و «المبسوط» (٦/ ١٦٩، ١٧١)، و «الهداية» (٢/ ٣٩، ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٨٠، ٨١)، و «الفتاوى الحامدية» (١/ ٤٣١، ٤٣٢).

مِنْ الأمِّ وغيرِها إنْ لم تُرِدِ الانتِقالَ مع وَلدِها؛ لأنَّ كَونَه مع أبيه مَصلحةٌ مُتأبِّدةٌ، وكَونُه مع أمِّه مَصلحةٌ مُؤقتةٌ تَزولُ عن قريبٍ، ومُراعاةُ المَصلحةِ المتأبِّدةِ أَولى.

ولو أرادَ الخُروجَ لتِجارةٍ لم يَكنْ ذلكَ له، وكذلكَ أولياءُ الصبيِّ الذين يَلُونَ مالَه إذا انتَقلُوا للاستيطانِ، فإنِ انتَقلَتِ الأمُّ معهُم فهي على حَضانتِها، وليسَ لها أنْ تَنقلَ ولَدَها عن مَوضعِ سُكنَى الأبِ إلا فيما يَقربُ نحوَ المَسافةِ التي لا تُقصَرُ الصلاةُ فيها، ولو شرَطَ عليها في حينِ انتِقالِه عن بلدِها أنه لا يَتركُ ولَدَه عندَها إلا أنْ تَلتزمَ نَفقتَه ومَؤونتَه سِنينَ مَعلومةً فالتَزمَتْ ذلكَ ثم ماتَتْ لم يَتبعْ بذلكَ ورَثَتَها في تَركتِها … كما لو ماتَ الولدُ، أو كما لو صالَحَها على نَفقةِ الحَملِ والرَّضاعِ فأسقَطَتْ لم يَتبعْ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا بانَتِ المَرأةُ مِنْ زَوجِها وبينَهُما وَلدٌ صَغيرٌ وأرادَ أحدُ الأبوَينِ السَّفرَ إلى بَلدٍ، فهذا على ضَربينِ:

أحَدُهما: أنْ يَكونَ سفَرَ الحاجةِ إذا نَجزَتْ عادَ، فالمُقيمُ منهُما أبًا كانَ أو أمًّا أحقُّ بكَفالتِه ابنًا كانَ أو بِنتًا؛ لأنَّ المُقامَ أودَعُ والسَّفرَ أخطَرُ.

والضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ سَفرُه لنُقلةٍ يَستوطنُ فيها بَلدًا غيرَ بَلدِ الآخَرِ، فهذا على ضَربينِ:

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٧٦)، رقم (١٤٢٥)، و «الكافي» (١/ ٢٩٧)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢١٥، ٢١٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥١٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٤٧، ٤٤٨).

أحَدُهما: أنْ يَكونَ مَسافةُ ما بينَ البَلدينِ قَريبةً لا يُقصَرُ في مثلِها الصلاةُ؛ لأنها أقَلُّ مِنْ يَومٍ وليلةٍ، فلا يمنَعُ مِنْ الكَفالةِ ولا يَسقطُ به تَخييرُ الابنِ، سَواءٌ انتَقلَ أبوه أو أمُّه، ويُخيَّرُ بينَهُما فأيَّهما اختارَه كانَ أحَقَّ بكَفالتِه، سواءٌ اختارَ المُقيمَ منهُما أو المُتنقِلَ، أبًا كانَ أو أمًّا؛ لأنَّ قُربَ المَسافةِ كالإقامةِ في انتِفاءِ أحكامِ السَّفرِ، وجَرَى ذلكَ مَجرى البَلدِ الواسِعِ إذا تَباعَدتْ، فحالُه لم يَمنعِ التنقُّلُ فيه مِنْ استِحقاقِ الكَفالةِ.

والضَّربُ الثاني: أنْ تكونَ مَسافةُ ما بينَ البَلدينِ بَعيدةً يُقصَرُ في مثلِها الصَّلاةُ، فالأبُ أحَقُّ بكَفالةِ وَلدِه لحِفظِ نَسبِه مِنْ الأمِّ، سَواءٌ كانَ هو المُقيمَ أو المُنتقلَ، ولو عادَ مِنْ سَفرِ النُّقلةِ إلى بلدِ الأمِّ عادَ حقُّها.

لكنْ كلُّ هذا بشَرطِ أمنِ الطريقِ والبلدِ المَقصودِ، فليسَ له أنْ يَسلكَ طَريقًا مَخُوفًا، ولا أنْ يُخرجَه إلى بَلدٍ مَخوفٍ، فإنْ كانَ أحَدُهما كذلكَ أُقِرَّ عند أمِّه، وليسَ له أنْ يُخرجَه إلى دارِ الحَربِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إذا أرادَ أحَدُ الأبوَينِ السَّفرَ لحاجةٍ ثم يَعودُ والآخَرُ مُقيمٌ فالمُقيمُ أَولى بالحَضانةِ؛ لأنَّ في المُسافَرةِ بالولدِ إضرارًا به.

وإنْ كانَ مُنتقِلًا إلى بَلدِ ليُقيمَ به وكانَ الطريقُ مَخوفًا أو البلدُ الذي يَنتقلُ إليه مَخوفًا فالمُقيمُ أَولى بالحَضانةِ؛ لأنَّ في السَّفرِ به خَطرًا به، ولو اختَارَ الولدُ السَّفرَ في هذهِ الحالِ لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ فيه تَغريرًا به.

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٥٠٤)، و «المهذب» (٢/ ١٧٢)، و «البيان» (١١/ ٢٩٠، ٢٩١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «الديباج» (٣/ ٦٥٩).

وإنْ كانَ البلدُ الذي يَنتقلُ إليه آمِنًا وطَريقُه آمِنٌ فالأبُ أحَقُّ به، سَواءٌ كانَ هو المُقيمَ أو المُتنقلَ؛ لأنه الذي يَقومُ بتَأديبِه وتَخريجِه وحِفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكنِ الوَلدُ في بَلدِ الأبِ ضاعَ، إلا أنْ يَكونَ بينَ البَلدينِ قَريبٌ بحَيثُ يَراهمُ الأبُ كلَّ يَومٍ ويَرَونَه، فتَكونُ الأمُّ على حَضانتِها؛ لأنها أتمُّ شَفقةً، ولأنَّ مُراعاةَ الأبِ له مُمكِنةٌ، وهذا كلُّه إنْ لم يَقصدِ المُسافرُ به مُضارَّةَ الآخَرِ، وإلا فالأمُّ أحَقُّ، كما ذكَرَه الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله-.

وإنْ انتَقلَا جَميعًا إلى بلدٍ واحدٍ فالأمُّ باقيةٌ على حَضانتِها، وكذلكَ إنْ أخذَه الأبُ؛ لافتِراقِ البلدَينِ، ثمَّ اجتَمعَا عادَتْ إلى الأمِّ حَضانتُها، وغيرُ الأمِّ ممَّن له الحَضانةُ مِنْ النِّساءِ يَقومُ مَقامَها، وغيرُ الأبِ مِنْ عَصباتِ الوَلدِ يَقومُ مَقامَه عندَ عَدمِهما أو كَونِهما مِنْ غيرِ أهلِ الحَضانةِ (١).

وأما الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه وكذا ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه فذهَبَا إلى أنَّ الولَدَ لا يَنتقلُ إلى الأبِ إذا سافَرَ الأبُ وانتَقلَ مِنْ بَلدِه.

قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: (حِيلةٌ باطِلةٌ في إسقاطِ حَقِّ الحَضانةِ للأمِّ).

ومِن الحِيلِ الباطِلةِ المُحرَّمةِ ما لو أرادَ الأبُ إسقاطَ حَضانةِ الأمِّ أنْ يُسافِرَ إلى غيرِ بَلدِها، فيَتبعُه الوَلدُ.

وهذه الحِيلةُ مُناقِضةٌ لِما قصَدَه الشارعُ؛ فإنه جعَلَ الأمَّ أحَقَّ بالوَلدِ مِنْ

(١) «المغني» (٨/ ١٩٣، ١٩٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٩٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٨٨، ٥٨٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١٠، ٢١١)، و «جامع المسائل» لابن تيمية (٣/ ٤٢٢، ٤٢٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٤٣ - مسألة؛ قال: (وإذا زوج أمته، وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار، ويبعث بها إليه بالليل،

١١٤٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا زوَّجَ أَمَتَهُ ، وشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ، ويَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ باللَّيْلِ، فَالْعَقْدُ والشَّرْطُ جَائِزَانِ، وعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدهُ)

أمَّا الشَّرْطُ فصحيحٌ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بمَقْصُودِ النِّكاحِ، فإنَّ الا سْتِمْتاعَ إنَّما يكونُ لَيْلًا، وإذا كان الشرطُ صحيحًا لم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، فيَكُونان صحيحَيْنِ. وعلى الزَّوْجِ النَّفَقةُ فى الليلِ؛ لأنَّها سَلَّمتْ نفسَها إليه فيه، وليس عليه نفقةُ النَّهارِ؛ لأنَّها فى مُقَابلةِ الاسْتِمْتاعِ، وهو لا يتَمَكَّنُ من الاسْتِمْتاعِ بها فى تلك الحالِ. وإذا لم تَجبْ نَفَقةُ النهارِ على الزَّوْجِ، وَجَبَتْ على السَّيِّدِ، لأنَّها فى خِدْمَتِه حينئذٍ، ولأنَّها باقِيةٌ على الأصْلِ فى وُجُوبِها على السَّيِّدِ، فتكونُ نَفَقَتُها بينهما نِصْفَيْنِ، وكذلك الكُسْوَةُ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: ليس على الزَّوْجِ شىءٌ من النَّفَقةِ؛ لأنَّها لا تَجِبُ إلَّا بالتَّمْكِينِ التَّامِّ، ولم يُوجَدْ، فلم يَجِبْ منها شىءٌ، كالحُرَّةِ إذا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ فى بعض الزَّمَانِ دونَ بعضٍ. ولَنا، أَنَّ النَّفقةَ عِوَضٌ فى مُقَابلةِ المَنْفَعةِ، فوَجَبَ منها بقَدْرِ ما يَسْتَوْفِيه، كالأُجْرَةِ فى الإِجَارةِ، وفارَقَتِ الحُرَّةَ؛ لأنَّ التَّسْليمَ عليها واجبٌ فى جميعِ الزَّمَانِ، فإذا امْتَنَعَتْ منه فى البَعْضِ، فلم تُسَلِّمْ ما وَجَبَ عليها تَسْلِيمُه، وههُنا قد سَلَّمَ السَّيِّدُ جميعَ ما وَجَبَ عليه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 510 - 516

ارجع إلى الشروط المعتبرة فيمن يستحق الحضانة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله