الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط في النكاح والمهر > الحيلة في لزوم شرط أن لا يتزوج عليها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالشُّروطِ الَّتي قابَلَها جُزءٌ منهُ، فصارَ بهِ مَجهولًا، ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ.
والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ المُسمَّى مِنَ الصَّداقِ أكثرَ مِنْ مَهرِ المِثلِ، ففيمَا تَستحِقُّه وَجهانِ:
أحَدُهما -وهوَ المَذهبُ-: أنها تَستحِقُّ مَهرَ المِثلِ؛ تَعليلًا بما ذكَرْنا مِنْ بُطلانِ المُسمَّى بما قابَلَه مِنَ الشُّروطِ الَّتي صارَ بها مَجهولًا.
والوَجهُ الثَّاني -وهوَ قولُ المُزَنِيِّ-: أنها تَستحِقُّ المُسمَّى؛ لئلَّا يَجتمعَ عليها بَخسانِ: بَخسٌ بإسقاطِ الشُّروطِ، وبَخسٌ بنُقصانِ المَهرِ، ولأنها لمْ تَرضَ مع ما شَرطَتْ إلَّا بزيادةِ ما سَمَّتْ، فإذا مُنعَتِ الشُّروطَ لم تُمنَعِ المُسمَّى (١).
الحيلةُ في لُزومِ شَرطِ أنْ لا يَتزوّجَ عليها:
قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: المِثالُ الثَّلاثونَ: إذا تَزوَّجَها على أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها أو بَلدِها أو لا يَتزوَّجَ عليها ولا يَتسرَّى عليها فالنِّكاحُ صَحيحٌ والشَّرطُ لازِمٌ، هذا إجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فإنهُ صَحَّ عنْ عُمرَ وسَعدٍ ومُعاويةَ، ولا مُخالِفَ لهم مِنَ الصَّحابةِ، وإليهِ ذهَبَ عامَّةُ التَّابعِينَ، وقالَ بهِ أحمَدُ.
وخالَفَ في ذلكَ الثَّلاثةُ، فأبطَلُوا الشَّرطَ ولم يُوجِبُوا الوفاءَ بهِ.
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٠٥، ٥٠٧)، و «المهذب» (٢/ ٥٧)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٢٦).
فإذا احتاجَتِ المَرأةُ إلى ذلكَ ولم يَكنْ عِندَها حاكِمٌ يَرى صحَّةَ ذلكَ ولُزومَه فالحِيلةُ لها في حُصولِ مَقصودِها: أنْ تَمتنِعَ مِنَ الإذنِ إلَّا أنْ تَشتَرطَ بعْدَ العَقدِ أنهُ إنْ سافرَ بها أو نقَلَها مِنْ دارِها أو تَزوَّجَ عليها فهيَ طالِقٌ أو لها الخِيارُ في المُقامِ معهُ أوِ الفَسخِ، فإنْ لم تَثِقْ بهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ فإنها تَطلبُ مَهرًا كَثيرًا جِدًّا إنْ لم يَفعلْ وتَطلبُ ما دُونَه إنْ فعَلَ، فإنْ شرَطَ لها ذلكَ رَضيَتْ بالمَهرِ الأدنَى، وإنْ لمْ يَشرِطْ ذلكَ طالَبَتْه بالأعلَى وجَعلَتْه حالًّا، ولها أنْ تَمنعَ نفْسَها حتَّى تَقبضَه أو يَشرِطَ لها ما سألَتْه.
فإنْ قيلَ: فعلى أيِّ المَهرَينِ يَقعُ العَقدُ؟
قيلَ: يَقعُ على المَهرِ الزَّائدِ؛ لتَتمكَّنَ مِنْ إلزامِه بالشَّرطِ، فإنْ خافَ أنْ يَشرِطَ لها ما طَلبَتْ ويَستقِرَّ عليهِ المَهرُ الزَّائدُ فالحِيلةُ: أنْ يُشهدَ عليها أنها لا تَستحِقُّ عليهِ بعْدَ الاشتِراطِ شَيئًا مِنَ المَبلغِ الزَّائدِ على الصَّداقِ الأدنَى، وأنها متَى ادَّعتْ بهِ فدَعواها باطِلةٌ، فيَستوثِقُ منها بذلكَ، ويُكتَبُ هوَ والشَّرطُ، ولها أنْ تُطالِبَ بالصَّداقِ الزَّائدِ إذا لم يَفِ لها بالشَّرطِ؛ لأنها لم تَرضَ بأنْ يكونَ الأدنَى مَهرًا إلَّا في مُقابَلةِ مَنفعةٍ أُخرَى تَسلَمُ لها، وهي المُقامُ في دارِها أو بَلدِها أو يكونُ الزَّوجُ لها وحْدَها، وهذا جارٍ مَجرَى بَعضِ صَداقِها، فإذا فاتَها فلها المُطالَبةُ بالمَهرِ الأعلَى (١).
وقالَ في «إعلام المُوَقِّعينَ»: أنْ تَشتَرطَ المَرأةُ دارَها أو بَلدَها أو أنْ لا يَتزوَّجَ عليها ولا يَكونُ هُناكَ حاكِمٌ يُصحِّحُ هذا الشَّرطَ، أو تَخافُ أنْ
(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٠، ٢١).
يَرفعَها إلى حاكِمٍ يُبطِلُه، فالحِيلةُ في تَصحيحِه: أنْ تُلزمَه عِنْدَ العَقدِ بأنْ يَقولَ: «إنْ تَزوَّجتُ عليكِ امرأةً فهيَ طالقٌ»، وهذا الشَّرطُ يَصحُّ، وإنْ قُلنا: «لا يَصحُّ تَعليقُ الطَّلاقِ بالنِّكاحِ» نَصَّ عليهِ أحمَدُ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لمَّا وجَبَ الوَفاءُ به مِنْ مَنعِ التَّزويجِ بحَيثُ لو تَزوَّجَ فلها الخِيارُ بيْنَ المُقامِ معهُ ومُفارَقتِه جازَ اشتِراطُ طلاقِ مَنْ يَتزوَّجُها عليها كما جازَ اشتِراطُ عَدمِ نِكاحِها.
فإنْ لم تَتمَّ لها هذهِ الحِيلةُ فلْتأخُذْ شرْطَه أنهُ إنْ تَزوَّجَ عليها فأمرُها بيَدِها أو أمرُ الضَّرَّةِ بيَدِها، ويَصحُّ تَعليقُ ذلكَ بالشَّرطِ؛ لأنهُ تَوكيلٌ على الصَّحيحِ، ويَصحُّ تَعليقُ الوَكالةِ على الشَّرطِ على الصَّحيحِ مِنْ قَوليِ العُلماءِ، وهو قولُ الجُمهورِ ومالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ، كما يَصحُّ تَعليقُ الوِلايةِ على الشَّرطِ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ.
ولو قيلَ: «لا يَصحُّ تَعليقُ الوَكالةِ بالشَّرطِ» لَصَحَّ تَعليقُ هذا التَّوكيلِ الخاصِّ؛ لأنهُ يَتضمَّنُ الإسقاطَ، فهو كتَعليقِ الطَّلاقِ والعِتقِ بالشَّرطِ، ولا يُنتقَضُ هذا بالبَراءةِ؛ فإنهُ يَصحُّ تَعليقُها بالشَّرطِ، وقدْ فعَلَه الإمامُ أحمَدُ، وأصولُه تَقتضِي صحَّتَه، وليسَ عنهُ نَصٌّ بالمَنعِ، ولو سَلِمَ أنهُ تَمليكٌ لمْ يُمنعْ تَعليقُه بالشَّرطِ كما تُعلَّقُ الوَصيَّةُ، وأَولى بالجوازِ؛ فإنَّ الوصيَّةَ تَمليكُ مالٍ، وهذا ليسَ كذلكَ.
فإنْ لم تَتمَّ لها هذهِ الحِيلةُ فليَتزوَّجْها على مهرٍ مُسمًّى على أنهُ إنْ أخرَجَها مِنْ دارِها فلها مَهرُ مِثلِها وهو أضعافُ ذلكَ المُسمَّى، ويُقِرُّ الزَّوجُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل شرائط اللزوم
مَدَنِيَّةٌ.
وَرُوِيَ «أَنَّ، فَيْرُوزَ لَمَّا هَاجَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَهُ إنَّ تَحْتِيَ أُخْتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ ارْجِعْ، فَطَلِّقْ إحْدَاهُمَا» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، ثُمَّ سُبِيَ هُوَ، وَسُبِينَ مَعَهُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكُلِّ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عَقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ، وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَقْتَ النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ لِحُصُولِ الْجَمْعِ مِنْ الْعَبْدِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ، فَيَقَعُ جَمْعًا بَيْنَ الْكُلِّ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكُلِّ، وَلَا يُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَلَا يُخَيَّرُ كَذَا هَذَا.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ فِيهِ، فَيَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَمَا يُخَيَّرُ الْحُرُّ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ نِسَائِهِ.
ارجع إلى الشروط في النكاح والمهر للاطلاع على جميع المسائل.